الآن تقرأ
الهدف العكسي قد يؤدي الى الاغتيال

إذا كنت قد تابعت بطولة كأس العالم عام 1994 التي أقيمت بالولايات المتحدة الأمريكية،فإنك حتمًا لن تستغرب العنوان..لأن أمر قتل/إغتيال لاعب كرة قدم قد تم بالفعل بعد إحدي جولات تلك البطولة،نحاول هنا سرد ما حدث بالكامل.

أقيمت البطولة بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من يونيو إلي يوليو 94 بالرغم من تدني مستوي اللعبة بشكل عام بين أندية أمريكا الشمالية حينها،شهدت البطولة عددًا لا بأس به من المشاهد والمواقف التي لا تنسي :ضربة جزاء روبرتو باجيو،هدف مارادونا الأخير في جولات كأس العالم في مرمي اليونان،المشاركة المونديالية الأولي لألمانيا بعد التوحيد،كما كانت الأولي لروسيا بعد تفكيك الإتحاد السوفيتي،هدف سعيد العويران في بلجيكا،مباراة البرازيل والسويد في نصف نهائي البطولة،الجمهور الأمريكي الذي فاجئ الجميع بكثافة الحضور..كما كان إغتيال مدافع منتخب كولومبيا “أندريه إسكوبار”.

كيف كانت أوضاع كولومبيا قبل مونديال 1994؟

عانت كولومبيا داخليًا من توسع تجارة المخدرات والخروج عن القانون،كما إزدادت رقعة تحكم العصابات وسيطرتهم،وإنتشر سوق الرهانات علي إمتداد العاصمة “بوجوتا” ودخل في مجالات متعددة كان من بينها نتائج مباريات كرة القدم.

خاض منتخب كولومبيا تصفيات كأس عالم عام 1994 بجدية وحماس ورغبة في إحراز نتائج جيدة بعد أداءهم الضعيف وخروجهم المبكر من كأس العالم 1990 بإيطاليا حيث حقق نتيجة تاريخية عندما تغلب علي منتخب الأرجنتين بنتيجة 5-0 كان لها أن تعيد الأمال والثقة للجمهور الكولومبي في منتخب بلادهم بفضل جيل من اللاعبين ضم : فوستينو أسبيرلا، أنطوني دي أفيلا،كارلوس فالديرما،أدولفو فالينسيا والحارس أوسكار كوردوبا.

الشغف بالكرة واحد في كل بلدان الله،صحيح أن لكل جمهور خصوصيته القائمة علي عدد من العوامل،لكن يظل الأصل واحد..بطولة كأس العالم هي حقل متجدد للشغف والطموح الجماهيري،نستطيع أن نتخيل رد الفعل الشعبي علي تصريح بيليه الأشهر قبيل البطولة “فريق كولومبيا الحالي سيفوز بكأس العالم 94 بأمريكا” !

كانت إلي جانب هذا الطموح الجماهيري وثقته في مستوي منتخبه،تزيد سوق الرهانات وتتغلغل بين محبي كرة القدم وتستغل إقتراب بدء البطولة الأهم بالنسبة للكولومبيين وللعالم كله الأن..تقول عدّة تقارير من بينها تقرير جريدة “لوس أنجلوس تايمز” بأن ملايين من أموال قد دخلت السوق للرهان علي نتيجة مباريات المنتخب الكولومبي وتأهله بالضرورة إلي الدور الثاني إذ أن مجموعته ضمت منتخبات أمريكا وسويسرا ورومانيا..مجموعة لا تعرف الأسماء الكبيرة في عالم كرة القدم والتأهُل محسوم لكولومبيا،هكذا ظن الجميع فضخوا أموالهم بدون شك!

جولات كولومبيا الثلاثة بالدور الأول تشهد هدف عكسي.

إصطدمت كولومبيا في جولاتها الأولي بمنتخب رومانيا التي إمتلكت حينها واحدًا من أفضل لاعبي منتصف الملعب وأكثرهم مهارة وموهبة هو “جورج هاجي” الذي كان يلعب وقتها لنادي “بريشيا” الإيطالي بعد أن غادر “ريال مدريد” عام 92 وكان له أن ينضم بعد تلك البطولة إلي “برشلونة” في عام 94.

خسرت كولومبيا أمام رومانيا بنتيجة 3/1،سجّل هاجي قائد المنتخب الروماني هدف وزميله المهاجم فلورين الذي كان يلعب كرأس حربة للـ”ميلان” الإيطالي هدفين.

تعقدت الأمور من البداية بالنسبة للمنتخب الكولومبي إذ خسر ثلاث نقاط دفعة واحدة قبل مواجهة غير أمنة النتائج مع صاحب الأرض المنتخب الأمريكي في ثاني جولات المجموعة في 22 يونيو علي ملعب “روز بول”،الشعور الأسوأ الذي قد ينتاب الجمهور هو الخذلان..تخلي الفريق عن الحلم والتسليم للهزيمة،لذلك كان الإستعداد لتلك المواجهة ضروري وحتمي .

كانت المعادلة لأغلبية الجمهور الكولومبي وقتها واضحة،الخسارة أمام الولايات المتحدة تعني الخروج من كأس العالم مبكرًا مرة أخري بأداء هزيل فإنكسار حلمهم وضياع الثقة في المنتخب الحالي..كما كانت المعادلة لسوق الرهانات واضحة هي الأخري،الخسارة تعني الخروج من البطولة فضياع ملايين الأموال التي راهنت علي صعود وتألُق منتخب بلادهم!

قبل بداية المباراة المرتقبة،رأي المدير الفني للمنتخب الكولومبي “فرانسيسكو ماتيورانا” الإبقاء علي التشكيلة التي بدأ بها البطولة مع إجراء تعديلات بسيطة،وبدا أن البعثة الكولومبية كلها تنوي تحقيق مفاجأة كبيرة لكن جرت الأمور بعكس ذلك.. إتسمت المباراة بالندية الكبيرة،الملعب مفتوح أمام المنتخبين،فرصة هنا وأخري هناك بإستغلال المساحات حتي الدقيقة 34!

في الدقيقة 34 ينجح لاعب وسط ميدان المنتخب الأمريكي “جون هاركس” في الإنطلاق من الجبهة اليسري حاول التمرير لمهاجمي منتخبه داخل منطقة الجزاء عن طريق عرضية منخفضة،تتحرك الكرة داخل منطقة الجزاء ويظهر فجأة في الكادر مدافع كولومبيا رقم 2 “أندريه إسكوبار” محاولًا إبعاد الكرة عن مهاجم أمريكا،يمد قدميه لتصطدم الكرة باليمني..لحظات حتي سكنت الكرة شباك الحارس الكولومبي “أوسكار كوردوبا” الذي وجد صعوبة كبيرة في محاولة اللحاق بالكرة بعد تدخل زميله!

إنفجرت المدرجات،دكّة المنتخب الأمريكي تحتفل بشدّة..فيما ينهض “إسكوبار” من الأرض،يرسم الحزن وقلة الحيلة ملامح وجهه،يعرف أن الكاميرا ستبحث عنه فيخفض جبينه ناظرًا إلي الأرض،يتحرك ببطء في خطوات بسيطة عاجزًا عن علاج ما تسبب فيه بدون قصد..علي كل حال حاولت كولومبيا التعويض لكن دون جدوي.

خطأ واحد لا يكفي.

12283209_975581519157785_1972847979_n

لم يكن خطأ “إسكوبار” ذلك هو الأخير،الدقيقة 50 تتحرك الكرة من وسط الملعب إلي الجبهة اليمني الأمريكية حتي وصلت للاعب “تاب راموس” الذي تقدم إلي قلب الملعب،يرفع عيناه ليجد أن مهاجم منتخبه “ستيوارت” يستعد للتحرك خلف المدافعين ويشير له بالتمرير..يخطئ “إسكوبار” في تقدير الكرة وتوقعها فيما يفلت “ستيوارت” من مراقبة المدافع الكولومبي الأخر “لويس كارلوس بيريا” فيستحوذ علي الكرة بعد تأخر خروج الحارس “كوردوبا” ليسجل في مرمي كولومبيا ويزيد مهمة التعويض صعوبة.

خسرت كولومبيا حينها بنتيجة 2/1،فقدت فرصها في التأهُل من دور المجموعات،فقد ذلك الجيل الذي صاحب بزوغ نجمه إرتفاع سقف التوقعات الجماهيرية بتألقه وتحقيق نتائج مشرفة الثقة،تبقت مباراة سويسرا الذي كان أداءها تحصيل حاصل،فاز يومها الكولومبيون بنتيجة 2/0 دون تأثير في واقع الخروج المبكر من كأس العالم للعام الثاني علي التوالي.

لابد أن حالة شديدة الخصوصية كانت قد لحقت ب”إسكوبار” كلما تذكر أنه تسبب أو شارك علي الأقل بشكل مباشر في خروج منتخب بلاده من البطولة،التفكير في كل الإتهامات التي قد تلاحقه عند العودة لأرضه بعدم المسئولية والإستهتار،قراءة مستقبله كلاعب لم يخرج أداءه بشكل يتمناه..مئات الأسئلة ربما كانت تدور في رأسه.

المجهول في كولومبيا

12308989_975581535824450_650446364_n

رأي بعض أفراد البعثة الكولومبية عدم إستعجال العودة إلي البلاد فور الخروج من البطولة خوفًا أن تكون الأجواء المشتعلة ويصطدم الجميع بما لا يتمنوه..عاد علي كل حال المنتخب الكولومبي إلي دياره وتفرق اللاعبون عند هذه النقطة ليبدأ كل منهم مواجهة مصيره المهني الجديد.

بعد أقل من 48 ساعة من العودة من “لوس أنجلوس”،توجه “أندريه إسكوبار” إلي مطعم وملهي ليلي بمدينة “ميديلين” الكولومبية حيث بقي هناك حتي الثالثة من صباح 2 يوليو..فور خروجه متوجهًا إلي جراج المطعم قطع طريقه مجموعة من المسلحين،دار بينه وبينهم نقاشًا حادًا حتي صاح أحدهم “شكرًا للهدف العكسي!” .

تقول جريدة “لوس أنجلوس تايمز” في تقرير نشرته يوم 3 يوليو،أنُه وفقًا لبعض الشهود فإن المسلحين قد أطلقوا 12 طلقة أصابوا بها “إسكوبار” بينما علت أصواتهم بعد كل طلقة “جول!!” قُتِل المدافع الكولومبي بدم بارد.

أخرون لم تنل تلك الرواية إقناعهم..أو إعجابهم،فأعتمدوا علي بعض الشهادات بالملهي الليلي التي تقول بأن “إسكوبار” حاول التحدث إلي فتاة ما حتي تجمع حوله عدد من الحضور ودار بينهم جميعًا نقاشًا حادًا حيث هاجموه بسبب الهدف العكسي وحملة إعلانية كان يشارك فيها اللاعب..إنتهي ذلك النقاش بفتح النار عليه.

إنتهت حياة اللاعب في المكان الذي شهد ظهوره الأول وبداية تألقه بنادي “أتليتكو ناسونال” بمدينة “ميدلين” حيث لعب للمرة الأولي مدافعًا عن ألوان فريقه عام85 وسرعان ما تم تصعيده عام 86 لتبدأ مسيرته المهنية الإحترافية التي أهلته للإنضمام للمنتخب الكولومبي الأول عام 88 الذي سجل معه 51 مشاركة دولية وهدفًا واحد لصالح منتخبه الذي حمل شارة قيادته في عدد من المناسبات.

شارك مئات من جمهور الكرة بكولومبيا في جنازة “إسكوبار”،كما يؤمن الكثير بأن اللاعب راح ضحية التمزق الداخلي للبلد وتغلغل تجارة المخدرات والرهانات بعد أن أخلص لمنتخب بلاده وإجتهد ولم يحالفه الحظ…الجمهور الذي خلّد ذكري اللاعب في مدرجاته رافعًا صوره وهاتفًا بإسمه كثيرًا، كما نشر موقع الفيفا تقريرًا أبرز فيه مساندة أشقاء “أندريه” وهم “خوسيه” و”ماريا” للجماهير في مدرجات كأس العالم الفائت بالبرازيل.

الكرة من أجل السلام.

وفقًا للجريدة البريطانية “تيليجراف” فإن الألماني (يورجن جرسبك) الذي كان طالبًا للدكتوراة بمدينة “ميلدين” الكولومبية منشأ “إيسكوبار” قد تزوج من كولومبية كانت تعمل مصورة بالنادي نفسه الذي يلعب له المدافع الكولومبي.

كان لحياة “جرسبك” أن تتغير تمامًا بعد سماع الخبر الذي لفت إنتباه بشدة وأثر أن يبدأ رحلة بحث طويلة تتعلق بكرة القدم والعنف داخل كولومبيا بعد أن أجّل إستكمال دراسته،حيث أسس مبادرة “كرة القدم من أجل السلام” بعد أن وجد أن كرة القدم تعزز من لغة الحوار بين أوساط الشباب المسلحين،وعمل علي تشجيع الحكومة علي فتح أفاق جديدة تتسوعب الشباب كما يؤمن بأن تطورًا إيجابيًا هائلًا قد حدث إذا قارن أحدنا التسلسل الزمني في كولومبيا بين الثمنينات والتسعينات والألفية الجديدة في نزع السلاح وإنتشار العصابات.

فور إقصاء منتخب بلاده من بطولة 94،صرّح “أندريه إسكوبار” لإحدي الجرائد الكولومبية قائلًا :”الحياة لن تنتهي هنا،يجب علينا أن نتابع ونستمر..مهما كان الأمر صعبًا يجب علينا أن ننهض مجددًا. لدينا خيارين فقط:إما أن نسمح للغضب أن يسيطر علينا ويستمر العنف،أو أن نتغلب علي ذلك ونحاول قدر المستطاع مساعدة الأخرين،هذا هو خيارنا.أتمني أن يعلي الجميع من قيمة الإحترام،أحر تحياتي للجميع..سوف نري بعضنا مرة أخري قريبًا لأن الحياة لن تنتهي هنا”

عن الكاتب
أحمد توفيق
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق