الآن تقرأ
في رثاء الصحافة

أحلام مرت بخاطري وأنا صغير طاردتها كبيراً، أن أنقل الحقيقة للناس وأن أساعد المظلومين، أن أكون صوتاً لمن لا صوت له، لكن الواقع كان أكثر سوءاً مما تخيلت، بضع مشاهد أتذكرها كثيراً اليوم عندما كنت صغيراً أشاهد برنامج سري للغاية للإعلامي يسري فودة، أفكر لماذا لا أصبح مثله يوماً ما، أتحرك لمناطق الحروب، أشعر بتلك الإثارة و الخوف معاً، أرى الموت بعيني وأنقل للناس ما يحدث على الأرضن أطارد بكاميراتي صورا تكشف الفساد وتجسد أوجاع الناس، كما فعل نور الشريف في فيلم ضربة شمس، أحلام كثيرة بددها واقع أليم اصطدمت به يوم بدأت أمارس عملي.

بروح مرحة وإقبال كبير بدأت التدريب كأي صحفي، وما سأكتبه ليس عن جريدة لكن عن مجمل ما رأيته في مهنتي العزيزة.. لم أكن أعلم آنذاك أن الصحافة لها سقف لا يمكن أن تتخطاه، تهاجم الحكومة لكن بحدود، تسعى لكشف الفساد لكن خطة قلم من رئيس التحرير قد توقف النشر لحسابات سياسية وتخوفات من الأمن، كنت أحلم وقتها أن يأتي الوقت الذي تتاح لنا مساحة الكتابة الحرة دون قيود ودون تحكم من رأس المال، لم أكن أعلم أن الأمر كله مجرد مصالح، وأن إطار العمل يصب في جوف الدولة، فالجميع يعمل لكن بحساب، حتى لا يجد نفسه أمام زيارة من زوار الفجر أو مفصولا من عمله لا يجد لقمة العيش، أو يعمل على مواضيع لا تنشر.

عقب أحداث ثورة الـ25 من يناير عادت تلك الأحلام تطاردني وتطارد شباب الصحفيين، منصات إعلامية متنوعة، وأحلام وآمال، ربما جميعهم يلتزمون بسياسات تحريرية، ربما تقيد حرية الصحفي لكن تعدد المنصات يتيح لنا أن ننقل الحقيقة إذا عجزت عنها في مكان تنقلها في آخر، لكن الواقع كان صادما، فلم يكن ذلك ما حدث.

حدود أيضا قد وضعت ربما لا سقف للحديث عن الدولة لكن سقفا قد وضع من القوى السياسية، فكل من أنشأ صحيفة كان مؤيدا لتيار يعلن الحيادية ولا يمثلها بشيء، يمثل وجهة نظر تياره سواء كان في نقل الصورة من وجهة نظر واحدة أو في الهجوم على وجهات النظر الأخرى بشكل تخطى حدود المهنية ليصل إلى التحريض أحيانا.

كان صادما لي ما حدث إبان حكم المجلس العسكري في أزمة الفتاة التي تم تعريتها في ميدان التحرير، من أيد ومن عارض من وصفها بأبذأ الألفاظ مستندا إلى أيديولوجيته وليس لما حدث ولا لما رأى، لم يكن ذلك المشهد الوحيد الصادم لي، فكذلك مظاهرة ماسبيرو، التي راح فيها مينا دينال أحد أكثر من رأيتهم نقاء، في ذلك اليوم تم اتهام من تظاهروا بمحاولة تفتيت الدولة، وكذلك قبلهم الكثير، تحريض علني على مواطنين من نفس الدولة، وأسلوب يبعد عن كل معايير المهنية اتبعته وسائل الإعلام في التعامل مع المظاهرات، ومع السياسة آنذاك، ربما كان سيودي إلى حرب أهلية إذا استمر قنوات دينية تكفر الجميع، وقنوات خاصة تهاجم طبقاً لرؤيتها ولا تنقل صورة كاملة.

عقب الموجة الثانية للثورة في 30 يونيو تحول الأمر لشكل مرعب في مضمونه، يذكرني كثيراً بحنان ترك في فيلم العاصفة، قد ترى كل شيء لكنك لا تستطيع النشر، قد تعرف جزءا من الحقيقة لكن قيودا قد عادت لتوضع عليك.. احتمالات تواجهها تبدأ من الفصل والغرامة وتنتهي بالسجن طبقاً لقوانين وضعت لتقيدك، رغم مخالفتها لدستور “النوايا الحسنة”.

وربما تتخطى صحفية حدودها فتصادر أعدادها أو تفرم لحين تعديل المادة المنشورة بها، قد يُضيّق عليك قد تتوقف الإعلانات من رجال أعمال تجمعهم مصالح مع الدولة، قد تجد المئات من الصحفيين قد شردوا، قد تعيش في عالم من الخوف فقط لأنك تحلم بأن تمارس عملك لتعود بك الدائرة لما كان قد وضع من قيود، قد تحاول أن تعمل لتنقل آهات المواطنين، لكن أحدا لا يهتم، قد تسعى لنقل الفساد لكن حظر النشر سيوقفك، قد تحلم بالكثير لكن لا تحصل إلا على القليل.

أحلام كثيرة تطاردني.. آمال بأن تكون يوماً الصحافة صوتاً لمن لا صوت له، لكن واقعاً مؤلماً يوقظني دائماً، صوراً من الماضي حلمت أن أكون عليها لكن الواقع كان غير ذلك، ندفع ثمن أحلامنا لكننا نحلم، لأن لولا تلك الأحلام لكان الطريق مظلماً، أعلم في قرارة نفسي أن رثاء لمهنتي لن يكون مفيداً، وأن النضال فيها سيظل قائماً، لكن لا أعلم هل سيستطيع أحد أن يكون راضياً عن مهنته في ظل الواقع الآليم أم ستدفعنا الأيام يوماً لتركها.

عن الكاتب
يحى صقر
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق