الآن تقرأ
القاهرة (رواية)..الحلقة السادسة

لقرءاة الحلقتين السابقتين: 1، 2 ، 3 ، 4 ، 5

كانت الأنباء تتوالى علينا في صالة التحرير.. زملاؤنا في روز اليوسف يتظاهرون للإطاحة برئيس التحرير المقرب من الحزب الحاكم .. الطلبة يتظاهرون لانتخاب عمداء جدد بدلا من رجال النظام القديم .. في كل موقع ثورة صغيرة.

وشيماء تجلس في صباح رائق تروي لنا قصتها يوم 25 يناير: “بمجرد أن سمعت الهتاف ضد الرئيس وابنه لم أتمالك نفسي واندمجت مع المسيرة.. كلما عبرنا حاجزا أمنيا كان الحماس يزيد، حتى وصلنا للتحرير واختنقنا بالغاز، دخلنا أحد المقاهي وغسلنا وجوهنا ثم انطلقنا في الضحك، لا أعرف لماذا كنا نضحك بالرغم من المخاطر التي كانت تحيطنا”.

ترقيت أنا وزملائي الشباب في الجريدة بعد أن انشغل بعض المحررين الأكبر سنا في أعمال اخرى.. أحمد عبد الله صار مستشارا إعلاميا لأحد الأحزاب الإسلامية.. وشيرين الهواري تدير قناة مملوكة لأحد رجال النظام القديم.

تحسن أجري قليلا وصرت أتكسب من كتابة المقالات خارج الجريدة.. صنعت منا الثورة كتاب رأي، وانضم لنا في الجريدة زملاء جدد شجعتهم الثورة على تغيير مسار حياتهم والاتجاه لمهن ترتبط بإصلاح الشأن العام .. منهم مريم.

تبدو مريم وهي في منتصف الثلاثينات كسيدة صغيرة تدرك معنى المسئولية.. كانت آنذاك تُقسم وقتها بين أداء مهامها الوظيفية ومساعيها لتأسيس مقر بجوار مسكنها لصالح الحزب الذي انضمت له حديثا، لا تُضيع دقيقة واحدة، يذكرني انضباطها ونظراتها الجادة من خلف نظارة حديثة الطراز لها إطار داكن بالمراسلين الأجانب الذين كنت التقيهم في المؤتمرات الصحفية.

سألتها في مرة لماذا تعطين كل هذا الاهتمام للحزب، قالت: “أتمنى أن يصير هذا المقر شيئا مهما عندما تكبر ابنتي، حتى لا تعيش شبابها مثلي محرومة من السياسة”.

…………………………………………

الطريق من مقر الجريدة في المهندسين لمقر الحزب في مصر الجديدة يستغرق ساعتين ونصف.. أو هكذا يبدو الأمر ونحن نبدأ كوبري أكتوبر الذي تتراص فوقه السيارات بدون أي حراك.. أصبح يومي مقسم بين ثلاث.. الجريدة والحزب وكوبري أكتوبر.

تصلني العديد من أسئلة الشباب حول البدائل الاقتصادية للنظام القديم.. التعاونيات.. إدارة العمال الذاتية للمصانع.. نظام الضرائب التصاعدية، وبمجرد أن أنتهي من عملي أبدأ في جمع المعلومات المطلوبة.

وصلت لمقر الحزب متأخرا عن ميعاد الندوة بربع ساعة تقريبا.. لكن الحاضرين في قاعة الندوات كانوا ينتظرونني باهتمام.. عبرت وسط المقاعد ودخلت غرفة داخلية بالحزب لأجلب بعض القهوة.. قلت لعمرو: “آسف كوبري أكتوبر كان رهيب”.

– “ولا يهمك لدينا اليوم عدد كبير من الحاضرين.. ليس أقل من 30 واحدا”.

– قال رامي: “من حسن الحظ أن لدينا كراسي تكفيهم .. ألا تعلم أن مقر الحزب تعرض للسرقة واشترينا كراسي جديدة”.

– عقب عليه عمرو: “لأن القفل لم يكن قويا بما يكفي”

– فعارضه رامي: “لا، استطاعوا أن يدخلوا بسهولة لأن المقر كان بينش”

– رد عمرو بطريقته الحماسية: “أصبحنا الآن ننظم ثلاث فعاليات كل أسبوع، وعدد كبير ممن حضروا اليوم ليسوا من اصحابنا .. أنظر .. بينهم محمد أبو الغيط”.

– سألته: “من هو؟”

– قال: “هذا صاحب مقالة الفقراء أولا يا ولاد الكلب، وله آلالاف المتابعين.. صدقوني لقد صرنا مشهورين”.

…………………………………………

ميدان.. يتناثر فيه المتظاهرون، مرسومون بخطوط مرتعشة وألوان زيتية يغلب عليها الأحمر الداكن.. الأقرب للون الدم.. ليست مجرد لوحة معلقة فوق مكتبك يا دولسينا.. ولكنها جزء من عالمك المقدس.

حاولت كثيرا أن أتعرف على حياتك الشخصية.. ولكنك كنت تتجنبين الحديث عنها.. وتتركين صوتا خافتا لأغنيات أم كلثوم يصدر من الكمبيوتر، ربما ليذكرك بعالم آخر غير الذي تنهمكين فيه طوال النهار بمكتب النشاط الحقوقي في حي الزمالك.

عُدتي إلي بعد دقائق، حاولت أن أتفقد فيها تفاصيل مكتبك وأجد تفسيرا لإعجابي بك.. دخلتي بكوبين من القهوة بالحليب ووضعت أحدهما أمامي..

– قلتُ: “أحسدك على ربطة الكوفية حول عنقك.. أنا أعجز دائما عن ربط اي شيء بهذه الطريقة الأنيقة”.

– فرددتِ :”هذه إحدى فوائد حياتي الدراسية في ألمانيا، برودة الجو تجبرك على تعلم مثل هذه الأشياء”

– “ما الذي يدفع دارسة للفلسفة مثلك للبحث في مجال الاقتصاد؟”

– “بعد الثورة شعرت أن الفلسفة لا قيمة لها.. الناس تهتف في الشارع للعيش وليس لسقراط، لهذا أجلت الدراسة وجئت إلى هنا”.

قلت كل تعليقاتي عن بحثك الأخير الذي طلبتيني من أجله، ثم افتعلت حديثا عن ضيقي بالنقاش في المكاتب: “لماذا لا نُجرب في مرة أن نتناقش على الغذاء؟”.

حولتِ عيناك إلى شاشة الحاسب لمتابعة إيميل جاء للتو، وقلتِ: “للأسف حياتي خارج العمل كلها مع عائلتي”، ثم رفعتِ رأسك من الحاسب وخصلاتك البنية تتناثر على جبينك العريض وقد بدت عليكِ الحيرة: “لا أعرف إن كانت هذه ميزة أم عيب!”..

“طفولتي كانت في مدرسة نخبوية للطبقات العليا وحياتي الجامعية كانت في أوروبا.. الغربة تفرض عليك شيئا من العزلة أيضا.. وطوال الوقت كنت أشعر أن عائلتي الضخمة وبيتنا في القاهرة الجديدة هو العالم بأسره”..

“ربما علمتني الثورة أن أنفتح على عالم أكبر.. لقد قضيت الأيام الثمانية عشر وحدي في التحرير، أبي لم يقدر وقتها على إيقافي.. هربنا في يوم من هجمة شرسة فجئنا إلى المقر هنا للاحتماء، وكانت أول مرة أدخله.. كان معنا إثنين رسامين هما من عكفا على رسم اللوحة التي تراها دائما فوق مكتبي”..

“في النهاية كان يجب أن أعود لأهلي.. عقدنا إتفاقا جديدا حياتي المهنية للناس وحياتي الخاصة ملك للعائلة”.

………………………………………………….

هذه المرة لم أقف في مواجهة الطاحونة .. ولكن وقفنا متجاورين .. كانت مناظرة انتخابية أمام جمع من الفلاحين .
بعد أن أنهيت كلمتي عن اقتصاد العدالة الاجتماعية قال منسق المناظرة: “الآن الدور على الطاحونة”.

سألته ما الداعي لإهدار الوقت وهل الطواحين تتكلم، فقال رجل وسط الجموع: “يكفينا الأزيز الصادر عن طحن الحبوب إنه رمز الرخاء والاستقرار”.
آثار الرجل غيظي واندفعت أهتف فيهم: “إن الحبوب المطحونة لا توزع بينكم بالعدل”، ظللت أكررها لكن احد لم يسمع ..كان صوت الطاحونة عاليا جدا .
سكتت كل الماكينات في ساعة الراحة .. لكن أبواب المصانع ظلت مغلقة، ولم يخرج أي عامل لأكل وجبة أو حتى تدخين سيجارة.. قال النقابي الذي كان يصاحبني أنا وكريمة كمال: “لقد أغلقوا الأبواب على العمال حتى لا يشهدوا المظاهرة”.
بعد دقائق بدأ صوت الهتاف يعلوا في طرقات المنطقة الصناعية.. مددنا الخطى بين البنايات الصماء المغطاة بأسقف هرمية من الألومنيوم حتى وصلنا للوقفة العمالية.. تجمع حوالي مئة عامل من المصنع الوحيد الذي فتح أبوابه في ساعة الراحة.. كانت الأجواء بالداخل في حالة غليان ورئيس الشركة متغيب.. والإدارة تلوح بأن الرجل قد يبيع الشركة ويشرد العمال.
اقتربت أكثر أنا وكريمة.. حتى ابتلعتنا المظاهرة، وجاءتنا أطراف الحكاية كالقذائف من كل اتجاه..

نريد أن نعمل عدد الساعات الرسمية لا أكثر.. من حقنا علاوة سنوية.. أعمل هنا منذ ثلاثة سنوات ولم أوقع عقدا.. نريد إتفاقية مثل التي وقعتها شركة المنسوجات بالمنطقة.. كانت أول شركة نجحت في الاتفاق على حقوق العمل الأساسية ومن بعدها ثرنا كلنا مثلها.
ابتعدنا أكثر عن التظاهرة .. أشار صديقي النقابي لثلاثة رجال يقفون فوق سطح المصنع.. أحدهم يشير بسبباته على بعض قيادات التظاهرة.. قال صديقي: “هذا مدير الشركة يسأل عن أسماء العمال المحرضين لفصلهم في وقت لاحق”.

……………………………………………….

كانت سارة تُقلد والدتها الأرستقراطية بطريقة متقنة وهي تجلس معي على مقهى شامبليون .. قالت إنها أشاحت لها بجريدة بها وجه رئيس المخابرات السابق وقالت لها:” ماله عمر سليمان .. ليه مننتخبوش رئيس جمهورية”.

– قلت: “كنت أظن أنك من عائلة يسارية”

– قالت: “عائلتي كلها فلول.. كنت مجرد فتاة تافهة تدرس الاقتصاد في الجامعة الأمريكة .. حتى جاء اعتصام عمال غزل المحلة.. تعرفت على التنظيم الشيوعي وانقلبت حياتي رأسا على عقب”.

– قلت: “ولكن للحق هذه أول مرة أرى فيها من يريد انتخاب عمر سليمان.. الرجل لم يترشح أصلا للرئاسة “.

– قالت: “عاوزينه عشان يلم التعابين”

– سألتها: “وماذا تقصدين بالتعابين!”

– قالت وكأنه شيء بديهي: “التعابين”، ثم أخذت تُصفر بطريقة عازف الأفاعي..وانطلقنا في الضحك.

………………………………………………..

“لو كانت ضريبة الديمقراطية أن يحرمني الإسلاميين من شرب البيرة فلا مانع لدي” قالها نديم بلهجة ساخرة، وقد اجتمعنا على مقهى البورصة وسط صخب الموسم الصيفي.
– سألته: “هل تؤيد انتخابهم في الرئاسة”

– قال: “لا إنهم انتهازيون ولا أمل فيهم”

– قلت: “إذن سنظل في حالة الفوضى تلك لفترة طويلة”

– قال: “للأسف هناك ما هو أسوأ..الخليج لن يترك النظام القديم يسقط..سيدعمه بالمليارات”.
دارت الطاحونة دورات سريعة فانطوت صفحة نديم .. مات بشكل مفاجيء وهو في سن الأربعين .. دورة أخرى وتغيرت الوجوه ..أصبحت طرقات المؤتمر الاقتصادي ملأى بأصحاب الجلابيب البيضاء والأعقلة السوداء بدلا من الخبراء الأجانب.

كان الوزير المصري يتصبب عرقا.. يمسح رأسه الأصلع وهو محاصر على المنصة بأسئلة مستشاري الشركات الخليجية، وقد أجمعوا على أن مشروعات الحكومة غير جاهزة للتنفيذ .. قال الوزير في يأس: “هذه هي مشروعاتنا وهذه هي الدراسات التي أعددناها بشأنها، تستطيعون أن تأخذوها أو تعدوا دراسات أخرى”.
جلس بجواري وزير خليجي .. كان يراقب المؤتمر مثل المخرج الذي يتابع تفاصيل عرضه المسرحي أثناء العرض.. بعد دقائق بدأوا يتقاطرون عليه .. كل واحد يقترب ويميل ويتزلف .. التف حوله العشرات فحجبوا عني الرؤية وكدت أختنق .. قمت من وسطهم بصعوبة.
ذهبت صوب سيد عبد الكريم .. كان يجلس وحيدا عاكفا على رسم صفحات الجريدة بينما انشغل المحررون بمتابعة الأحداث أمام شاشة التلفاز.. كان سيد مخرجا صحفيا من الطراز القديم .. لا يحب التعامل مع الكمبيوتر.. يسوي سن قلمه الرصاص بالشفرة ثم يندمج في لعبة توزيع النصوص على أعمدة الصفحة الثمانية.. يدخن بشراهة ويملأ قاع كوب القهوة المنتهي بأعقاب السجائر .
اقتربت أكثر ولم يلتفت إلي .. لاحظت لحيته غير المشذبة من كثرة نوبات العمل سعيا وراء العيش.. وسعاله المكتوم من كثرة التدخين.. سألته كيف ترى الوضع بعد انتخابات لرئاسة؟

– قال ولم يرفع عينه: “يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم”
– قلت: “ولكننا أجبرنا الرئيس على تنظيم أول انتخابات تعددية وأجلنا سيناريو التوريث”.

كرر قوله:”يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم”.
– قلت بصوت مهزوم: “ولكن الآن هناك حركات احتجاجية، وأحزاب جديدة، ومرشحون سابقون.. كيف يعود الحال لما كان عليه!”.

 

 

(Visited 2٬088 times, 1 visits today)
عن الكاتب
محمد جاد
1التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق