الآن تقرأ
الاقتصاد الأخضر ومستقبل مصر

إن ما حدث من تفاقم للمشكلات البيئية على مستوى العالم , كان نتيجة للتركيز على رفع مستوى النمو الاقتصادي من خلال تزايد الاستغلال والاستنزاف للموارد البيئية , دون الاهتمام بالآثارالسلبية المضرة به وبمحيطه البيئي ، ومع تزايد الضغوط البيئية من النمو الاقتصادي , تحولت التحديات لتحقيق التنمية المستدامة من خلال التحول من النمو غير المستدام بيئيًا, والمعروف بالنمو أولاً , ثم النظيف أخيرًا, نحو مفهوم جديد يقوم على النمو الاقتصادي المستدام بيئيًا, فيما يعرف ( بالاقتصاد الأخضر) , فالاقتصاد الأخضر ليس جديدًا فهو ينمو جنبًا إلى جنب مع الحركة البيئية ، ويطرح رؤية لحياة اقتصادية عادلة ومستدامة .

إن المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر في الوقت الحالي تتطلب تبني منهج غير تقليدي للتنمية ، بحيث يمكن الدولة من مواجهة التحديات الاقتصادية ، والاجتماعية التي تواجهها مصر حتى يضمن حياة كريمة وعادلة للمواطنين ، فالمرحلة الحالية تحمل الكثير من التحديات التي تمنح صانع القرار فرصة سانحة لصياغة رؤية مستقبلية وتصور لتحقيق التنمية في مصر بما يتفق مع الأولويات والمتطلبات التي تفرضها المرحلة ، وأيضًا الاتجاهات العالمية للتنمية المستدامة.

لقد أثبتت الدراسات التي قام بها برنامج الأمم المتحدة للبيئة ، أن تطبيق منهج الاقتصاد الأخضر يعود بنتائج إيجابية بصفة عامة في مختلف القطاعات ، كما أثبتت الدراسات أيضًا أن الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة يخلق فرص عمل أكثر من الاستثمار في مجال الطاقة التقليدية.

لقد افتقدت مصر لسنوات عديدة إلى وجود رؤية استراتيجية ومستقبلية لتحقيق التنمية ، لذلك فإن تبني مصر منهج التنمية المستدامة والتحول إلى الاقتصاد الأخضر كنمط ابتكاري وغير تقليدي للتنمية يمكن أن يمثل رؤية مستقبلية لمصر لما يمكن أن يساهم به هذا المنهج في إحداث طفرة نوعية ( غيرعادية ) للتنمية مقارنة بالتنمية التي انتهجتها الدول المتقدمة ، وبالمثل سارت على هذه الخطوات معظم الدول النامية بما فيها مصر وأدت إلى فشل ذريع في تحقيق التنمية المستدامة التي تضمن نوع اقتصادي متوازن ، وتوزيع عادل لمصادر الثروة ، وخلق فرص عمل دون إهدار للموارد الطبيعية والنظم البيئية.

ويتمثل هذا الفشل في :

  • استمرار اتساع الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة ، وكذلك اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء في نفس البلد.
  • استمرار التدهور البيئي والمتمثل في تغير المناخ ، وندرة الموارد الطبيعية والذي انعكس بظلاله على ندرة مصادر المياه والطاقة والتنوع البيولوجي مما أنعكس بالتبعية على ارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة.

إن تبني مصر لمنهج الاقتصاد الأخضر لابد أن يصاحبه حزمة من السياسات المتكاملة تشمل نظام حوكمة جيد يضمن تطبيق الشفافية ، والمحاسبة ، والمشاركة المجتمعية ، ووضع قوانين ولوائح ، وتفعيل آليات السوق ، والتنمية البشرية ، وتوفير التمويل والسياسات الداعمة للتحول نحو الإقتصاد الأخضر التي تهدف إلى تشجيع الاستثمار في المجالات الآتية :

  • الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والرياح.
  • الزراعة المستدامة والعضوية التي تقوم على ترشيد المياه ، والتقليل من استخدام الأسمدة الكيماوية ، والمبيدات الحشرية.
  • تشجيع الصناعات النظيفةوالصديقة للبيئة.
  • نظم النقل المستدامة المتمثلة في النقل الصديق للبيئة مثل توفير مساحات للدراجات والمشاة ، والتقليل من الازدحام والتلوث.
  • مشاريع تدوير المخلفات.
  • تطوير العشوائيات والقرى الفقيرة ، وبناء المدن والقرى الخضراء التي تقوم على أساس ترشيد الطاقة ، واستخدام الطاقة المتجددة ، وتدوير المخلفات.

وهناك مقترحات من الممكن أن تساعد مصر في حالة تبنيها نحو دعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر:

  • التنسيق بين الوزارات نظرًا لتداخل المهام المنوطة بالوزارات حيث يجب أن يكون هناك تنسيق وثيق بين مختلف الوزارات وأن تكون هناك آلية لضمان ذلك أثناء وضع السياسات والخطط والبرامج بالشفافية التامة.
  • تكامل ودمج السياسات ضمان دمج وتكامل الجوانب الاقتصادية ، والاجتماعية ، والبيئية أثناء عملية التخطيط وصياغة السياسات والخطط والبرامج.
  • الكفاءة في توزيع واستخدام الموارد الطبيعية ، والعمل على تجنب وتخفيض وإعادة تدويرالمخلفات.
  • وضع الحوافز والسياسات التي تشجع على إتباع أنماط الاستهلاك والإنتاج الأكثر استدامة.
  • الفصل بين التنمية الاقتصادية والتدهور البيئي.
  • الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا الصديقة للبيئة لدعم عملية التحول للإقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.
  • استخدام مؤشرات للتنمية تعكس البعد البيئي والاجتماعي والاقتصادي لقياس معدلات التنمية الحقيقية للبلاد.
  • الحفاظ على الموارد الطببيعية ، والبيئية والنظم الايكولوجية ، وعدم الإضرار بها وإهدارها.

إن تطبيق الاقتصاد الأخضر في مصر كفيل بتحقيق حلم العدالة ، حيث أن العدالة حلمًا يراود البشر، فحين تغيب العدالة أو يختل ميزانها تختل موازين الحياة بين الأفراد والمجتمعات ، بل وبين الدول فيختفي الأمن وتشتعل النزاعات ، ويظهر الإرهاب وتقوم الانتفاضات والثورات ، وتشتعل الحروب بين الدول.

ويمكن القول أن الاقتصاد الأخضر إن لم يكن تحقيق العدالة هو هدفه الأوحد أو الأكبر ، إلا أنه يحمل بين ثناياه ما هو كفيل بتحقيق العدالة بمجالاتها ومستوياتها المختلفة.

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق