الآن تقرأ
حقوق مصر التاريخية في مياه النيل وبطلان اتفاقية عنتيبي

يمثل نهر النيل شريان الحياة الرئيسي لمصر وتعتبر مياهه المورد الأساسي للمياه العذبة إن لم يكن الأوحد في مصر ، ولايوجد أي مصدر آخر للمياه يمكن المقارنة به حيث يتم الاعتماد على مياهه اعتماد يكاد يكون كليًا في الاستعمالات الزراعية والصناعية والمنزلية حيث لا تلبي موارد مصر المائية من مصادرها الداخلية إلا 5 % من احتياجاتها من المياه العذبة سنويًا بينما تحصل على 95 % من احتياجاتها من نهر النيل لذلك فإن أي نقص من كمية المياه التي ترد إلي مصر من نهر النيل تؤثر تأثيرًا سلبيًا ومباشرًا في إنتاجها الزراعي والصناعي لذلك تعتبر حصتها من المياه هي الحد الأدنى المطلوب ، وعلى عكس ذلك جميع دول حوض النيل الأخرى التي تسقط عليها الأمطار بغزارة وتتوافر لديها كميات هائلة من المياه الجوفية ولديها أنهار أخرى عديدة .

إنه بالنظر إلي ضخامة إسهام نهر النيل كمصدر للمياه في مصر بالمقارنة بباقي مصادر المياه فإن معني ذلك أنه سيظل الركيزة الأساسية لأية خطط مستقبلية سواء في مجال التنمية الزراعية أو الصناعية أو الاقتصادية ، ويمكن القول بناء على ماسبق أن هناك مصلحة مؤكدة لمصر في مياه النيل ، أما باقي الدول في حوض النيل يمكن القول أن مصالحها محدودة وهامشية بخصوص نهر النيل وإنما تقتصر علي الري والزراعة ، ويمكن استثناء السودان من ذلك.

وتتمثل الموارد المائية المتوافرة من مياه النيل في حصة مصر السنوية من تلك المياه التي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب حسب نصوص إتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل المبرمة بين مصر والسودان عام 1959 حيث تعتمد مصر على المخزون في بحيرة ناصر أمام السد العالي ويكون بموجب إتفاقية مصر والسودان الانتفاع الكامل بمياه النيل وجاءت مكملة لإتفاقية 1929 وبموجب هاتين الاتفاقيتين حقوق مكتسبة حاضرة لكلا الدولتين .

وبالنظر إلى الإتفاقية الإطارية لدول حوض النيل والتي تعرف ( إتفاقية عنتيبي ) والتي تم التوقيع عليها في مايو 2009 من قبل 5 دول وهي ( إثيوبيا ، أوغندا ، رواندا ، تنزانيا ، كينيا ) نجد أنها قامت من أجل أن تنهي الحصص التاريخية للدولتين 55.5 مليار متر مكعب لمصر و 18.5 مليار متر مكعب للسودان ، ورفضت مصر والسودان التوقيع على هذه الإتفاقية لأنه من الواضح من هذا الإتفاقأنه يريد الدخول في مفاوضات جديدة لتحديد حصة كل من مصر والسودان ومؤدى

فكرة الحقوق التاريخية  أن الدول النهرية في أي نهر دولي يجب أن تحترم جميها حق بعض في الحصول على الحصة المائية السنوية التي جرى العرف الحصول عليها على مر السنين السابقة لذلك يسميها البعض بالحقوق التاريخية.

إن قاعدة احترام الحقوق المكتسبة في استغلال المياه قد لقيت دائمًا اعترافًا مستمرًا ومنتظمًا من جانب الدول النهرية كقاعدة عرفية جرى عليها العمل الدولي ، وبالنسبة إلى مصر ودول حوض النيل توجد عدة اتفاقيات منها ( البروتكول الانجلو- إيطالي في 15 أبريل 1891 ، المعاهدة المبرمة بين بريطانيا وإثيوبيا في 15 مايو 1902 ، الاتفاقية الموقعة في 9 مايو 1906 بين بريطانيا والكونغو المستقلة ، إتفاقية 7 مايو 1929 بين مصر وبريطانيا نائبة عن السودان وأوغندا وكينيا وتنزانيا ، إتفاقية 8 نوفمبر 1959 بين مصر والسودان تضمنت الحقوق المكتسبة ومشروعات ضبط النهر والتعاون بين مصر والسودان).

وقد أكدت هذه الاتفاقيات هذا الحق التاريخي أما الإدعاء بأن هذه الاتفاقيات غير ملزمة للدول التي كانت محتلة فيمكن الرد على ذلك بأن مباديء القانون الدولي والعرف الدولي تقضى بأن الاتفاقيات التي تمس الوضع الاقليمى  لا تتأثر بتغير السيادة في تلك الدول ، وقد تأكد هذا المبدأ  في إتفاقية فيينا سنة 1978 بشأن التوارث الدولي والمعاهدات ، ومن ثم تبقى هذه المعاهدات نافذة المفعول وملزمة للدول الوريثة.

وبعد الاستعراض السابق لاتفاقية عنتيبى الاطارية فأننا يمكننا الحكم عليها من خلال قواعد القانون الدولي التي لا تجيز المساس بالحقوق المترتبة على اتفاقيات قبلتها الدول برضاها التام ، كما تقضي القاعدة العامة في الفقه الدولي بأن المعاهدات الدولية لا تلزم إلا عاقديها ( مادة 34 فيينا 1969 ) ، كما يقر المبدأ العام أنه لا يمكن أن تتحمل أية دولة إلتزامًا بغير رضاها من جراء معاهدة دولية لم تكن طرفًا فيها  (مادة 35 فيينا 1969 ) .

وعلى ذلك إذا عقدت دولة معاهدة مع دولة ثانية تعهدت بمقتضاها القيام بعمل معين أو الامتناع عن القيام به أو أي إلتزام آخر ثم عقدت بعد ذلك معاهدة ثانية مع دولة ثاثة تعهدت بمقتضاها  بعكس ما تعهدت به فى المعاهدة الأولى  فإنه يحق للدولة الثانية أن تطالب بإبطال المعاهدة  المنعقدة بين الدولتين الأولى والثالثة على أساس عدم مشروعية الموضوع ، ويترتب على ذلك بطلان ما قامت به دول الإتفاقية الإطارية ( إتفاقية عنتيبى ) بتوقيعها إتفاقية جديدة تخالف ما التزمت به من إتفاقيات تجاه مصر.

إن قاعدة قدسية المعاهدات الواردة في المادة 26 من إتفاقية فيينا تنص على أن كل معاهدة نافذة وملزمة لأطرافها ، ويتعين عليهم تنفيذها بحسن نية ، وبناء على ذلك لا يجوز الدفع بالتغيير الجوهري للظروف كأساس تنطلق منه دول الإتفاقية الإطارية للتنصل من التزاماتها  مع مصر ، ويمكن لمصر أن تلجأ إلى محكمة العدل الدولية  في قضية مياه النيل والتي ستقضي بأحقية مصر في حصتها التاريخية التي تحصل عليها .

ولكي تحصل مصرعلى حقها في حصتها التاريخية لابد من التدخل السريع والعاجل من قبل رئيس جمهورية مصرالعربية الرئيس عبد الفتاح السيسي ، وإعطاء قضية تأمين مياه النيل الأولوية القصوى ، ووضعها في أول بند في أجندة الرئيس لأن قضية الأمن المائي وعدم المساس بحصة مصر من مياه النيل تمس الأمن القومي المصري وتمس حياة كل المصريين ، ولابد من إصدار أوامره بتكليف حكومة المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء الحالي ، بالتحرك العاجل باللجوء إلى محكمة العدل الدولية ، وألا يفرطوا في حق مصر في مياه النيل ، وحتى لا تستغل دول حوض النيل فرصة إنشغال مصر في تحقيق أهداف ثورتي 25 يناير و30 يونيو وإنشغال مصر في قضاياها الداخلية وتحقيق مسيرة التنمية ، وحتى لا تحاول دول الحوض التصديق على هذه الإتفاقية التي تهدر حقوق مصر والسودان التاريخية في مياه النيل.

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق