الآن تقرأ
طه حسين و فكر الآخر .. 2/2

في المقالة الأولى حول عميد الأدب العربي / طه حسين وموقفه من فكر الآخر ، أعطينا نبذة عن العميد ومواضع التشابه والعظمة في شخصيته المتفردة ، ووقفنا أمامه في الجامعة المصرية ، وكيف كان الرجل رمزًا للأصالة التي لا تضيع أو تذوب مع أي تيار فكري ، ليصبح بحق نموذجًا يحتذى للعقل الذي هو نبراس للحقيقة والوعي والاستنارة ، والآن نستكمل موضوعنا ، فلعلنا نوفق بكتابة ما يفيد القارئ المفضال .

مع ديكارت :

يعد رينيه ديكارت الفيلسوف الفرنسي مؤسس احترام العقل في الفكر  الحديث ، بعد أن استلم هذه القيمة الفضلى من مفكري اليونان ، دون أن يكون عنده أي نوع من أنواع التطرف المادي ، ولكن بكل أسف فقد اتخذت مبادئه وأفكاره سلاحاً لهدم الدين ..

وقد كتب البعض في تلك الفترة التي انتشرت فيها فلسفة ديكارت ، كتب يقول : إن فلسفة ديكارت سوف تتخذ معولاً لهدم المسيحية والدين .. ، وبالفعل تحققت هذه المقولة ، حيث اتخذ البعض أفكار ديكارت دون أن يعيها جيداً ، ويدركها ، ويفهمها ، كوسيلة لهدم الثوابت الراسخة ، وبالذات القيم الروحية والدينية ..

لقد اعترف طه حسين بحبه الشديد لديكارت ، وأعلن احترامه التام لمنهجه النقدي ، بل أعلن صراحة أن ديكارت صنو لأرسطو ، كلاهما طبع الإنسانية بطابع خاص ، وأثر في طور من أطوارها بآثار ستظل مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة ..

وكانت إحدى أمنيات العميد أن يضع كتاباً عن ديكارت ، وشهد بأن منهج ديكارت سيغزو الفكر العربي ، شئنا ذلك أم أبينا ..

ولكن نحب أن نؤكد على أن طه حسين اتخذ من منهج ديكارت أساساً أو فلنقل أسساً بنى عليها دراساته الجديدة المتميزة في الأدب العربي ، هذا الأدب الذي بعث فيه العميد الحيوية والقوة ..

وفلسفة ديكارت ومنهج طه حسين أساساهما أن يعطي العقل مكانته ، فالعقل هو الشئ الوحيد الذي يجعلنا بشراً عقلاء ، ويميزنا عن العجماوات ، ألم يقل الأجداد قديماً إن ( العقل زينة ) أي أنه يميز الإنسان عن سائر الكائنات ، وهو أعظم منحة ربانية وهبها الله تعالى للبشر ، فهل يصح أن نهملها أو نعطيها أجازة مفتوحة ؟ ، أم نوظفها لخيرنا وصالحنا ، من أجل سعادتنا وسعادة ذوينا على المعمورة الأرضية ؟ ! ..

فهل هذا يجعلنا نقول أن طه حسين كانت أفكاره كلها صدى لديكارت ومفكري الغرب ، وهل ذلك يجعلنا ندعي أمور تشين عقيدة الرجل ؟

الحق نقول : من نحن لنفتش في السرائر والضمائر والعقائد ، الله سبحانه وتعالى تكفل بذلك ، وهو أعلم وأدرى بما في النفوس والعقول ، فهو المحاسب ، وهو العليم بكل شئ ، المهم أن نظهر حسن أخلاقنا ، والله تعالى أعلم بسرائرنا ، المهم أن نقبل فكر الآخرين بعقل مفتوح ، وبقلب مفتوح ، نأخذ منهم ما يناسبنا ، ودائماً وأبدا الخلاف في الرأي لا يفسد للبشر العقلاء قضية .. !!

كان طه حسين وهو يحاول أن يشق للفكر العربي طريقاً جديداً ، كان يواجه بمفرده عقبات كثيرة ، وقيود عديدة ، وأشواك تدمي ، وقيود تمنع ، وكان الرجل يبذل قصار جهده من أجل أن يتغلب على كل هذه الصعاب ، متسلحاً بالقوة  والإيمان ، بالعزم والحزم ، واضعاً في اعتباره أن كل هذه الصعاب إذا تركت فسوف تعود بنا إلى الوراء ، لأنها تكبل فكرنا ووعينا وأدبنا ، وتحول دون أن نسير في طريق الحركة العقلية الحرة المستنيرة ، وبالتالي تمنعنا من مواكبة طرائق الحضارة والتحضر والنهضة والرقي ..

وكما أصاب الفرنسي / ديكارت الكثير من العنت والإيذاء والمتاعب ، فقد واجه طه حسين العديد من الصعاب والعقبات ، ولكن الحقيقة باقية أبد الآبدين ، وكل ما عداها زائل ، فقد بقي الحق الذي دافع عنه العميد ، ومن قبله دافع عنه ديكارت ، وثبت العميد أساس الحق ، وقيمة المعرفة ، وحرية الفكر ، فما كان من التاريخ إلا أن أهمل كل الإهمال ما أطلقته الزوابع والأهواء والأحقاد ، لأن الذي يمكث في الأرض هو ما ينفع الناس .

لقد حرر طه حسين أدبنا العربي ، وحرر نقدنا العربي ، وحرر فكرنا  العربي ، حررهم من الأسر والتبعية والتقليد الأعمى والجمود ، الأسر الذي يجعل منا تابعين أو مجرد وسائل لا عقل لها ولا تفكير ، لا غاية لها أو أهداف  واضحة نسعى لها ، ونادى الرجل بأن الأدب كائن مستقل بذاته ، وليس وسيلة  للتبشير ، وليس هو في خدمة السلطة أو السلطان ، أو الذين يريدون فرض أفكارهم علينا بالقوة الجبرية ، إنما هو علم كغيره من العلوم ، يخضع إلى البحث والنقد والتحليل والشك والرفض والإنكار … فالأدب ليس بمندرج تحت المقدسات التي يعد الخوض فيها من أكبر الكبائر ..

ويرفض العميد مع ديكارت أن يسلم بشئ على غير وضوح واقتناع  وقناعة ، وتبعاً لذلك أعلن تحرره التام والكامل من ربقة الاستعباد لكل ما هو  قديم ، ورفض أن يقدس كل ما قدسه القدماء ، وأن يبارك كل ما خلفوه بدون نظر عقلي أو رؤية ثاقبة ، أو تحليل أو فحص أو تمحيص .. شك الرجل في كل الدراسات السالفة ، وفيما وصل إلينا من شعر ونثر قديمين ، وشك في أقوال الرواة والمؤرخين ..

وليس شكه هذا هو نهاية المطاف ، وإنما هو الطريق الذي يوصلنا إلى الحقيقة ، وهذا الشك ليس احتقاراً للقدماء ، بل إيقاظاً  للمعاصرين ، وغربلة للقديم من أجل استخلاص الثمين من الغث .

وإذا كان العقل وتقديسه هو إحدى سمات طه حسين الكبرى ، فهو القاسم المشترك الأعظم بين أهل الفكر والاستنارة في كل عصر .

شراكة في عشق الحرية :

كان العقل واحترامه وتقديسه من الأمور المهمة التي جمعت بين الفيلسوف الفرنسي / ديكارت ، وعميد الأدب العربي / طه حسين ، ونفس الأمر فإن عشق الحرية جمع بين الفيلسوف الفرنسي / فولتير وطه حسين ، كلاهما عاشق للحرية ، إلى أقصى حدود العشق ، كلاهما أخلص لهذا العشق ، كلاهما أعلن تمرده وعصيانه على كل شئ إلا احترام العقل ، واحترام الفكر ، وتقدير المنطق السليم ، كلاهما رفض كل أنواع القيود والتبعية والهيمنة والظلم والاستبداد والقهر والقمع والدكتاتورية ..

فالحرية الفردية عند الرجلين هي قدس الأقداس ، لا ينبغي أن تمس ، وإنما على المجتمع الحر أن يصونها ، ويحميها ، وينميها ، ويسمو بها إلى أعلى الدرجات .. فلا ضرر ولا ضرار أن أختلف معك في الرأي أو الفكر ، ولكني على استعداد أن أدفع حياتي ثمناً للدفاع عن رأيك أو فكرك ، هكذا قال فولتير ، ووافقه طه حسين .

لماذا ؟؟ ـ لأن المجتمع الحر هو الذي يخلق الأديب الحر ، والمفكر  الحر ، والمبدع الحر ، والفنان الحر ، أي يساعد على وجودهم ، لأنه يكفل للجميع حرية الرأي والفكر والبحث والتعبير والمعرفة والمعتقد ، فمن رابع المستحيلات أن يتمكن العبيد أو الأرقاء أو المقهورون من أن يعطوا أدباً أو فناً ، أو أي نوع من  الإبداع ، لأن الإبداع أساسه الحرية ..

الحرية هي التي تعطي للإنسان ثقته التامة والكاملة في أن يجعل نفسه أهلاً للحكم على الأمور ، فهو يحكم نفسه بنفسه ، ولذلك يقيم ويحكم ويقدر ويتصرف دون أدنى خوف .

لقد آمن الرجلان : فولتير وطه حسين بأن الإيمان بالحرية الفردية يجب أن يكون فلسفة وتطبيقاً ، أي ليس مجرد( كلام ) أو ثرثرة أو ثورة أو ( غضب )، فالحرية الحقة بعض من نواميس الطبيعة ، فقد ولدنا من بطون أمهاتنا أحرارا ، فلا يصح أن يجئ من يستعبدنا ويقمعنا ، القاعدة أننا أحرار تمام الحرية ، والاستثناء المرفوض وغير المنطقي أن تسلب منا حريتنا ، فكل إنسان حر في أن يكتب ما يشاء ، يقول ما يشاء ، يعبر عما يشاء ، يتكلم فيما  يشاء ، يختار طريق حياته الذي يراه كما يشاء ، فأنا كإنسان في التحليل الأخير حر ما لم أضر الآخرين أو أسيء إليهم ..

فكلاهما : فولتير وطه حسين كتب عن المعذبين في الأرض ، وكلاهما دافع عن البائسين والتعساء والمحرومين والمهمشين والضعفاء ، وكلاهما وقف في وجه القوة الغاشمة والسلطة والسلطان ، رافضاً إذلال الإنسان لأخيه الإنسان .

عن الحرية والإنسان :

لقد كان فولتير الفرنسي عنيفاً صارخاً في دعوته إلى الحرية ، وظل طه حسين المصري هادئاً في عنفه ..

كلاهما ينادي باحترام الإنسان الفرد ، واحترام حريته ، فولتير يسخر من مجتمعه كله ، ويجرح في نقده ..

طه حسين يحاول أن يحقق الهدف ذاته ، غير أن قيمنا و مبادئنا وثوابتنا العربية الإسلامية ، وكذلك الحياء الشرقي ، كل ذلك يغلف آراءه ، ويكبح جماح غضبه ..

عاش فولتير مسيحياً بعيداً عن الكنيسة ، ناقماً عليها ، ساخراً من رجالها كل السخرية ..

وعاش طه حسين طوال حياته مؤمناً مسلماً ، نعم حدث بعض الجفاء بينه وبين الأزهر الشريف في فترة ما من حياته ، نعم كان ناقماً على مجتمعه ، فيما قبل ثورة يوليو سنة 1952 م ، ساخراً من الأغنياء المستبدين المستغلين ، ولكن إيمانه لم يتزعزع ، واحترامه للدين ولرجاله لم يفتر ، ونقمته وسخريته كانت عاقلة هادئة متزنة ..

كان فولتير يحتقر الميتافيزيقا ، ولا يرى أدنى طائلاً من ورائها ، وينادي بأن الأجدى أن نبحث عما يفيد الإنسان ، لا أن نبحث عما وراء الطبيعة من عالم غامض مظلم ، كان يقول ذلك وهو يصلي صلاته الشهيرة : ” فليعش البشر من غير تمزق في أحضان السلام . ” ..

أما طه حسين فلا يحتقر الميتافيزيقا ، وإنما يعلن عجزه كإنسان أمام عالمه المجهول ، وينادي بأن الإنسان هو الذي ينبغي أن نعمل على  تقدمه ، على راحته ، على رقيه ..

فولتير يعلن برغم إيمانه بالله تعالى ، يعلن كفره برجال الدين ، وطه حسين يؤمن بالله العلي القدير ويعلن ضعفه وجهله أمام أسرار الكون ، مؤكداً على الدوام احترامه للدين ( لكل الأديان ) ولكل رجال  الدين ، في كل زمان ومكان ..

لقد كان فولتير داعياً إلى الحرية الفردية بكبرياء وعنف .. وكان طه حسين داعياً إلى الحرية بكبرياء ، ووداعة ، وهدوء ..

كان فولتير تجسيداً للإنسان الفرنسي المتمرد ، القلق ، الثائر .. وكان طه حسين تجسيداً للإنسان العربي المتمرد ، القلق ، ولكن في إيمان وصبر ..

نعم ، كان طه حسين الوزير الباشا يحمل على كتفيه رأس فلاح   مصري / عربي ولد في عزبة الكيلو ، مركز مغاغة ، محافظة المنيا ، في صعيد مصر ..

حقاً ، طه حسين إنسان عربي هزم الهزيمة ، وحطم حاجز  الخوف ، وأطلق عصر النهضة الأدبية والفكرية في وطننا العربي ..

طه حسين الذي دعا إلى حياة بلا خوف ، إلى الحرية الفكرية ، إلى حقوق الإنسان في أسمى معانيها ..

ما أجدرنا أن نعود إلى فكره الثري المتعدد ، فنحن في أمس الحاجة إليه في زماننا الردئ الذي نحياه .. !!

والله ولي التوفيق ،،،،

بعض الأسانيد والمراجع

  • مجلة فكر ، عدد خاص بعنوان : ” طه حسين مائة عام من النهوض العربي ـ في الذكرى المئوية لمولده ، دار فكر للدراسات والأبحاث ، القاهرة ، 1989 م .
  • رجاء النقاش مع آخرين ، طه حسين كما يعرفه كتاب  عصره ، القاهرة ، 1966 م .
  • كمال قلته ، طه حسين وأثر الثقافة الفرنسية في أدبه ، دار المعارف ، القاهرة ، 1983 م .
  • كمال الملاخ ، قاهر الظلام ، مطابع الأهرام التجارية ، القاهرة ، 1973 م .
  • سهير القلماوي ، ذكرى طه حسين ، دار المعارف ، القاهرة، 197 م .
  • غالي شكري ، ماذا يبقى من طه حسين ؟ ، بيروت ، 1974 م .
  • سامح كريم ، طه حسين في معاركه الأدبية والفكرية ، القاهرة ، 1974 م .
  • يوسف نور عوض ، الرؤية الحضارية والنقدية في أدب طه  حسين ، القاهرة ، 1979 م .
  • السيد تقي الدين ، طه حسين : آثاره وأفكاره ، القاهرة ، 1978م .
  • عبد العليم القباني ، طه حسين في الضحى من شبابه ، القاهرة، 1976 م .
  • أعداد مختلفة من مجلات : الجديد ، الثقافة ، القاهرة ، إبداع ، عالم الكتاب ، مجلة الإذاعة والتلفزيون …

 

(Visited 315 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق