الآن تقرأ
جدلية البيئة والتنمية

 د / إسلام جمال الدين شوقي

 

إن قضية التلوث البيئي ليست وليدة اليوم ، ولكنها قديمة ترجع أسبابها بصفة أساسية إلى إفراط دول العالم المتقدم خصوصًا في استهلاك الموارد الطبيعية المختلفة سواء أكانت هذه الموارد متجددة أم غير متجددة ، فالتوسع في إنتاج مصادر الطاقة الحفرية واستغلال الأراضي الزراعية وقطع الأخشاب من الغابات كلها مسببات لزيادة تلوث الهواء والماء والتربة.

 

ولقد أصبحت مشكلة تلوث البيئة ذات طابع دولي ، فملوثات دولة ما لا تقف عند حدودها السياسية ، بل تعبر وتتخطى آلاف الأميال لتؤثر في بيئة ورفاهية أبناء شعوب أخرى .

 

وتمتد آثار هذا التلوث لأبعد من ذلك ؛ فيصل تأثيره السلبي ليفتك بالأجيال القادمة والتي ستجد نفسها في مأزق حقيقي ولا تعلم كيفية الخروج منه ؛ لذلك كان واجبًا على هذا الجيل  الالتفات إلى هذه القضية ومحاولة فهم تشابكها وتعقدها الشديدين من أجل حل القضية ، والمحافظة على البيئة وصونها من أجل الأجيال الحالية والقادمة على السواء.

 

وترجع أهمية دراسة العلاقة بين البيئة والتنمية إلى ما أظهرته المؤشرات الاقتصادية المتعارف عليها من قصور في تحقيق التنمية المستدامة في دول العالم ؛ نظرًا لخلو مثل هذه المؤشرات من البيانات البيئية ، ومن بيانات تحديد أرصدة الموارد الطبيعية ، ولا شك فإن عدم توافر مثل هذه البيانات يؤدي إلى تحقيق آثار سالبة على إقتصاد هذه الدول ، ولذلك كان من

الضروري أخذ كل من البيئة والبعد التنموي في الحسبان لدى رسم سياسيات التنمية الاقتصادية بالدولة.

 

وقد عرف برنامج الأمم المتحدة البيئة ، بأنها ” مجموعة الموارد الطبيعية والاجتماعية المتاحة في وقت معين من أجل إشباع الحاجات الإنسانية “.

 

 

 

 

أو ” هي الإطار الذي يحيا فيه الإنسان مع غيره من الكائنات الحية بما يضمه من مكونات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية واجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ، ويحصل منها على مقومات حياته “.

 

أما التنمية – في مفهومها العام – فتهدف أساسًا إلى إشباع الحاجات وتحقيق الطموحات للبشر ، ومن ثم فهناك مستويان يمكن على أساسهما اعتبار التنمية هدفًا ، أولهما هو القضاء على الفقر ، وثانيهما هو تحقيق نوعية للحياة أعلى من مجرد العيش في الظروف التي تستجيب لحقوق الإنسان في حياة كريمة فحسب.

 

وتعتبر التنمية إحدى الوسائل للارتقاء بالإنسان ، ولكن ما حدث هو العكس تمامًا حيث أصبحت التنمية هي إحدى الوسائل التي ساهمت في استنفاد موارد البيئة ، وإيقاع الضرر بها ، بل وإحداث التلوث فيها.

 

فمثل هذه التنمية يمكننا وصفها بأنها تنمية تفيـد الاقتصاد أكثـر من البيئة أو الإنسان فهي    ” تنمية اقتصادية ” وليست ” تنمية بيئية  تستفيد من موارد البيئة وتسخرها لخدمة الاقتصاد مما أدى إلى بروز مشكلات كثيرة.

 

فلو أن الحياة تسير طبيعيًا بدون التدخل المكثف للإنسان في استغلال موارده بهدف زيادة إنتاجيتها وتسهيل سبل الحياة وزيادة مستويات الرفاهية ، لتناقصت المخاطر التي ترتبط بهذه المشكلات ، وأصبحت البيئة قادرة على امتصاص آثار تدهورها وتلوثها التي تصاحب الكثير من المشروعات الاقتصادية ، لكن زيادة معدلات التنمية وعدم قناعة السكان بالحد الأدنى من السلع والخدمات بجانب الزيادة السكانية المضطردة كل هذا يؤدي إلى زيادة معدلات تراكم النفايات     ( الصلبة ، السائلة ، الغازية ) أكثر مما تستطيع البيئة أو المحيط الحيوي للأرض امتصاصه مباشرة .

 

والأمثلة على ذلك تأثير احتراق الوقود الحفري في الهواء بما ينفثه من عوادم ضارة بالصحة , وأيضًا سوء تخصيص الموارد واستخدامها بطريقة مباشرة يؤدي إلى تدهور البيئة باستنزاف بعض الموارد ونضوب الأخرى ، ويقلل من إنتاجية الأرض ، وزيادة التصحر على حساب التربة الخصبة ، ويؤثر سلبيًا في الحياة البرية كما يتسبب في تدهور الموارد العامة للسكان على سطح الأرض .

 

أي أن العلاقة بين البيئة والتنمية قوية ولا تقتصر على الإنتاج والاستهلاك ، وإنما تأخذ بعدًا آخر يتمثل في إعادة توزيع الدخل والذي غالبًا ما يكون من الفقراء إلى الأغنياء لأن الآخرين هم القائمون بإنشاء مشروعات التنمية التي تلوث البيئة ، ولا يعني هذا أن الفقراء لا يلوثون البيئة ،  فالأحياء الفقيرة هي دائمًا مصدر تلوث بل وبؤرة من بؤره .

 

ففي الدول النامية نجد أن السكان ( الفقراء ) لا يحسنون استخدام الموارد المتاحة لهم مثل التربة التي ينهكونها باتباع سياسات زراعية بدورات زراعية غير مدروسة ، وكذا الغابات التي يقطعونها قطعًا جائرًا والمراعي التي يرعونها بطريقة جائرة أيضًا .

 

كذلك فإن تحقيق بيئة خالية من التلوث يؤدي إلى تحقيق ما يسمي بالتنمية المستدامة Sustainable Development  فلقد أكد ” مؤتمر استوكهولم ” الذي عقد في عام 1972 على ضرورة الربط بين البيئة والتنمية ، كما أوصى ” مؤتمر ريودي جانيرو ” والذي عقد عام 1992 بضرورة الاهتمام بالأراضي كمورد طبيعي يحقق التنمية في إطار الأهداف الخاصة بالبيئة والحفاظ عليها.

 

معنى التنمية المستدامة :

 

في عام 1987، صدر التقرير الهام للجنة العالمية للبيئة والتنمية بعنوان “مستقبلنا المشترك”  حيث ركزت فصوله المتعددة على فكرة التنمية المستدامة ودور المجتمع الدولي في تحقيق هذه التنمية ، حماية البيئة من ناحية ، وحفاظًا على مستقبل الأجيال القادمة من ناحية أخرى ، وفي إطار هذه الأهداف عرف التقرير التنمية المستدامة بأنها :

” التنمية التي تستجيب لإشباع حاجات الحاضر دون التضحية بإمكانية إشباع الحاجات المتعلقة بالأجيال القادمة في المستقبل “.

 

 

 

 

وفي الوقت الحالي فإن الحاجات الضرورية للسكان في الدول النامية لم تشبع بعد ، وفوق كل ذلك فإن هؤلاء السكان يطمحون – وهذا حق لهم – في تحسين نوعية حياتهم ، وفي عالم يسيطر فيه الفقر وانعدام العدالة فإن ذلك يعني إحداثًا لأزمات إيكولوجية وغير إيكولوجية.

 

وهنا فإن التنمية المستدامة تعني إشباعًا للحاجات الضرورية للجميع ، وكذلك إشباعًا لطموحاتهم في حياة ذات نوعية أفضل وأحسن.

 

    وقد اختلفت الآراء حول العلاقة بين البيئة والتنمية منها:

 

  • الوقائيون : الذين يرون عدم التضحية بأي قدر من تلوث البيئة أو تدهورها من أجل التنمية بل يجب المحافظة على البيئة كما هي ، وأن مسئولية أي جيل أن يسلمها للأجيال القادمة دون تبديل أو تعديل يؤثر سلبًا عليها.

 

  • وهناك المحافظون : يؤكدون على ضرورة المحافظة على البيئة ، وان كان لابد من استخدامها للتنمية فيجب أن يتم ذلك بطريقة انتقائية ، وخرج من هذا الفريق ما يعرف بالخضر الذين يمزجون في رؤيتهم بين الوقائيين والمحافظين.

 

  • الاقتصاديون : الذين يرون أنه لا يمكن منع التلوث نهائيًا ، إذ إنه بعد مرحلة معينة فإن تكاليف إزالة المزيد من التلوث ستفوق عائداته.

 

  • الاستغلاليون : ويرون ضرورة مواصلة عمليات التنمية بلا تحفظ لأن البيئة قادرة على امتصاص التلوث ، وعلى تصحيح التدهور تلقائيًا ، وإن عجزت عن ذلك فان التقنية الحديثة تستطيع معالجتها كما أن ” التقنية الحديثة ” كفيلة باستخدام موارد جديدة للسكان الجدد ، والذين كانوا دائمًا أفضل حالاً من الأجيال التي سبقتهم ، لذلك لا يرون داعيًا لوقف عمليات التنمية أو حتى تقليصها من أجل المحافظة على البيئة وحمايتها.

 

 

 

وبعد استعراض الآراء المختلفة عن العلاقة بين البيئة والتنمية فإننا نميل لوجهة نظر المحافظين والوقائيين في الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث لأنه يقع على عاتقنا مسئولية تسليمها للأجيال القادمة دون تبديل أو تعديل يؤثر سلبًا عليها.

 

من كل ما تقدم ، يمكن القول إن العلاقة بين البيئة والتنمية علاقة وثيقة : فالبيئة هي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه على مقومات حياته وإشباع حاجاته ، وهذا الإشباع للحاجات يتحقق من خلال استغلال موارد البيئة في إطار ما يسمى بعملية التنمية ، وهذه العملية تحمل معنى أكثر اتساعًا وشمولاً من معنى النمو الاقتصادي الذي يعتبر نتيجة لجهود التنمية.

 

ومع سعي الإنسان الدائم نحو مزيد من إشباع حاجاته من خلال رفع معدلات النمو الاقتصادي في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية أحدث الإنسان إخلالاً بالتوازن البيئي تمثلت مظاهره في التلوث البيئي والتصحر وتغير المناخ وفقد التنوع الإحيائي … إلخ .

 

وقد أصبح ضروريًا لمواجهة ذلك ، وحفاظًا على استمرار إشباع حاجات الحاضر دون التضحية بإمكانية وقدرة موارد البيئة على إشباع حاجات المستقبل أن تدخل الاعتبارات البيئية في قلب الجهود الموجهة للتنمية ، وأن يسفر ذلك عن مفهوم جديد للتنمية والنمو الاقتصادي ، هو المفهوم الذي تتضمنه فكرة التنمية المستدامة ” .

 

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق