الآن تقرأ
صراخٌ في برلين (قصة قصيرة)

“سيدافع كل ألماني عن عاصمته، سندحر الجحافل الحمراء على أسوار مدينتنا، فقط حاولوا أن توقفوهم”..

زينت تلك الكلمات كل حائط في برلين، أو ما تبقى منها، أمر جوبلز الوزير المخلص للفوهرر بكتابتها ونشرها بكل طريق ممكن، بدا عليهم جميعا –قادة الحزب-الفزع، خاطبنا شعور بالصدمة والخيبة في أصواتهم، حتى الفوهرر الذي حاول جاهدا إخفاء ارتجاف يديه، وهو يحيي أبناء منظمة شباب هتلر في احتفال عيد ميلاده الأخير قد ظهرت عليه آثارالانتكاسة التي مُنىَ بها جيش ألمانيا العظيم. شعره الأصفر الذي قاربت أجزاء منه بياض الثلج، عيناه التي لا توحي نظراتهما إلا بالقلق، وابتسامته المبالغ في محاولة إظهارها طبيعية. كلها أشياء دارت بذهني بينما هممت بكتابة العبارة على جدار البناية شبه المتهدمة التي أسكن بها، والتي لم يبقى منها سوى طابق واحد لم يصبه قصف الحلفاء الذي بلغ ذروته بالأمس، هرعنا حينها إلى الملاجىء تحت الأرض أنا وأبنائي الأربعة : نيكولاس، أوربارت، هيدى وماجدا. كان زوجي “فريدريك دانكا” قد التحق بقوات النخبة للدفاع عن ما تبقى من العاصمة، تركني وسط الحرب من أجل الحرب، الأمر خارج عن إرداته،  أُجبر على تركي، أُجبرنا جميعا، أجبرتنا القذائف وزخات الرصاص ونبؤات العظمة وطموحات المجد على الحرب، تجرعنا الشتات، وابتلعنا الخوف وتظاهرنا نحو الموت بمظهر الحياة. فريدريك الحنون الذي لم يرغب قط بالقتال، ذلك الرجل الذي عهدته فيما سبق شابا وسيما فارع الطول قوي البنية لم يمنعه مظهره الذي يوحى بالشدة من أن  يفيض بمشاعر الرحمة والحب، أحببته وذبت في بحر عينيه الزرقاوين عشقا، أنجبت منه نيكولاس في السابعة عشر من العمر، والذي نجى بأعجوبة من الالتحاق بمنظمة الشباب، وذلك لمهارته الفائقة بالرياضيات والتى استدعته إلى إكمال تعليمه بالجامعة، أوربارت ابن الحادية عشر ربيعا والذي يشبه والده كثيرا، بالأخص في مشاعره ، هيدي الابنة الحنون التي بلغت الخامسة يوم التحاق أبيها بالجيش، ماجدا التي لم يكن ليمر على ولادتها شهران في ذات اليوم حين ذهب والدها إلى الحرب.

أقف إلى جوار حائط منزلي المهدم بالحي الذي آل إلى خراب، بعد أن كان شاهدا على أكثر مباني برلين روعة واتساقا، وأنضرها مظهرا. محتضنة ماجدا التي تملكت من ثديي للطعام، بينما تملكني الهلع مما ورد للتو على لسان طفل يقود دراجة، ويذرع الحي جيئة وذهابا، يحيط به مجموعة من الأطفال ذوي الأقدام الحافية، ليعلن راكب الدراجة أن الحمر اقتربوا من وسط المدينة حيث نقطن، وأنهم على وشك الوصول.

………………………………………….

نمت بنصف وعي، بعين تستريح من الصخب والترقب، وأخرى ترقب مباغتة العدو، وتفكر بداجما، زوجتي ومحبوبتي التى تجرعت مرارة الحرب مضاعفة من فرط اشتياقي إليها، رابطنا هنا بالرايخستاج طيلة أسبوعين، والأنباء تتناثر تناثر الأشلاء في خضم المعركة، عن اقتراب السوفيت من وسط المدينة ومن المبنى حيث نرابط، نخبة من الجنود الذين تم اختيارهم للدفاع عن ذلك الرمز الذي مثل حلم هتلر بالرايخ الثالث ، كنت من بينهم.

آه يا داجمار لو تعلمين ما حل بي من لهيب الاشتياق، ومآسي الحرب التي لم تغب يوما عن ناظري، أتسائل دائما عما حل بكِ وبأبنائنا، هل نجوتم من كل ذلك القصف العنيف؟، والذي يحمل في طياته الدمار ويطوي وراء ظهره الموت. كثيرا ما أتأمل تلك الصورة لكِ في الشباب، والتى حملتها معى أينما ذهبت، ذلك الشعر الأصفر المضىء الذي تخجل الشمس منه، والعينان الزرقاوين اللتان أسرتا ذلك الكيان الأحمر الذي يتغنى بحروف اسمك في صدري، الابتسامة الناصعة التي يتكشف عنها ثغر برىء طفولي. دائما ما كنتِ ناطقة بصورة الجمال والبهاء والحسن المكتمل. أتأمل أيضا أحوال دولتنا وما آلت اليه، هل كان الحلم بالرايخ الثالث ضرورة، هل كان الفوهرر على صواب، ترى من الذي أخطىء أولا؟!، هتلر من أعلن الحرب وعظم الجنس الآرى الذي ظن فيه أنه المختار، فاحتقر من هم دونه وطمح لإبادتهم، نحن كذلك سرنا وراءه مغمضي الأعين مخدرى البصائر. هو أيضا من قصف وقتل وشرد أولا، الطرف الآخر يقصف ويقتل ويشرد فما الذى يميزه عنا؟!، وما الذي يجعل من أحد الطرفين على صواب طالما أنهما استعانا بذات الوسائل لتطويع نفس الغرض؟!.

…………………………………..

كنا في الطريق إلى وسط برلين، حطمنا النازيين وأذقناهم جحيما سوفييتيا لم تعرفه سماء عاصمتنا يوما، أوقدنا في قلوبهم نار الخوف والألم، أرهبنا شهوة الانتقام ذاتها منا من شدة ما أتيناهم به من ألوان التنكيل، ارتعد الألمان بصقيع سيبيريا التي تبعد عنهم آلاف الكيلومترات، عبّدنا الطريق نحو الرايخستاج، ونحو نصر جديد للقائد العظيم والرفيق “ستالين”، لشد ما انتشيت بنزوة النصر، وارتفع ضحكي وصراخي المستعر بنيران الظفر بشىء باهظ الثمن، كل ذلك لم يشغل تفكيري عنكِ يا (آنا أوليج) فما تلك النشوة التي تقارن بنشوة الاقتراب منكِ، وأن أتنفس عبق الحسن من خصلات شعرك القصير المسترسل، وأن أذوق الرمان من رحيق شفتيكِ، هل لكل ذلك من عودة، أم أتذوق قتامة دمائي على شفتىّ، وألقي حتفي، بينما لا يأبه أحد لأمري وقت الاحتفال وإقامة العروض التي تمجد القادة ولا تلقي بالا للعشاق. لا آبه لأحد غيرك أنتِ، فأنا ذلك الجندي الروسي من أبناء الريف الذي ذهب يقاتل لأجل الوطن، الوطن الذي اختلف لأجله البشر، الوطن الذي يعتصر أبناء جلدته في معسكرات الاعتقال لمجرد أنهم أبدو الرأي، واعترضوا على سطوة الحاكم، الوطن على الجانب الآخر هو الذي أشعل هتلر الحرب في سبيل مجده المزعوم ..  

تيار رهيب من الأفكار اعترض طريقي التي انتهت إلى مشهد كتب لي أن أكون من حاضريه، ويالها من صورة تلك التي رأيتها لتأسر ذهني عن ما عداها، جندي يزرع العلم الأحمر فوق الرايخستاج الذي صار يبعد عنا بضع أمتار، العلم يرفرف ليرمي بذكريات حطام وأشلاء إلى دائرة من العدمية، والمآسي التي دائما ما تقف عاجزة أمام ذروة المجد.. بعدها بعدة دقائق كنا على أعتابه، اقتحمنا المبنى ذا السقف شديد الارتفاع، مزقنا الرايات ذات الصليب المعقوف التي احتلت كل زاوية، بهرتنا تلك الأعمدة الهائلة، والساحة التي تشبه ساحة قيصر، المبنى ذو غرف متعددة، وقد كانت فرقة نازية ترابط بداخله، استغرق التطهير يومان، مشطناه فيهما غرفة غرفة، إلى أن عثرنا على أخر جندي نازي مختبىء، كان ملتفا حول نفسه بإحدى الغرف بجنوب شرقى المبنى، اسمه فريدريك، أشهر أحد زملائي ويدعى (ميخائيل ياكوف) مسدسه في وجه النازي، وأطلق النار ليصيبه بمنتصف جبهته ليتوسط دائرة من الدماء، ويلفظ أخر أنفاسه..

……………………….

مع مغيب شمس اليوم التالي اقتحمت مجموعة من خمسة جنود سوفييت البناية حيث تسكن داجمار، والتى لم تستطع الفرار حين عجزت عن اللحاق بأخر جيرانها ممن استطاعوا الهرب حيث عثروا على سيارات تقلهم بعيدا.. أشباح حملت معها رائحة الفزع، حطموا الأبواب المتهتكة الموصدة المتبقية من حطام المنزل، صرخت داجمار وأبنائها من الهلع، كانت ملامح الجنود تشي بسلطة الشهوة التي تتملك الجوارح فتأسر جدار العقل، أما ملامح داجمار فقد اتخذت لون شعرها الأصفر الذي أمسك به أحد الجنود، وشدها شدة عنيفة ليحول بينها وبين احتضان أبنائها.. مزقوا ملابسها، حتى صارت عارية بالكامل، لم يراعوا الأطفال حين تركوهم مقيدين داخل الغرفة ليشهدوا لحظة اعتلاء أحد الجنود جسد أمهم.. اغتصبوها بعنف وهي تصرخ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن الكاتب
أمين حمزاوى
كاتب، وطالب هندسة مصرى.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق