الآن تقرأ
فى مواجهة الشيخ “عليش” وتابعه “الشربتلي” بنهجهما غير القويم (1)

كان الإمام محمد عبده يقول : إنني قبل أن أكتب , أتوضأ ، و أصلي ركعتين لله ، ثم أدعوه أن يجعل كلامي مفيداً للناس ، صادقاً في كل حروفه .

لقد كان يؤمن بأن الكلمة أمانة ، وصدقها أمر واجب ، وأن الكلمة يجب أن تكون طيبة في كل الأحوال ، كلمة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها بإذن ربها في كل حين ، في نفس الوقت الذي كان لا يتعامل بأي حال من الأحوال مع الكلمة الخبيثة التي لا أصل لها ولا فرع ، تؤذي صاحبها أول ما تؤذي ، وتجتث بسهولة من فوق الأرض ، فما لها من قرار ..

والإمام / محمد عبده عمل بالصحافة ، وكان يؤمن بأنها تعيش بالكلمة الصادقة ، لأنها منبر للفكر الحر ، والنقد النزيه المجرد من الأغراض ، والذي يجب أن يكون للتوجيه والإرشاد والبناء ، وبالطبع لن يكون النقد بناءً إلا بالكلمة الطيبة الصادقة .

وعلى أيام الأستاذ الإمام ، وفي القاهرة ، كانت تعرف جريدة من الصحف الصفراء ، والتي انتشرت عندنا الآن ، الصحيفة اسمها (النهج القويم) !!!

يحررها رجل اسمه الشيخ / محمد الشربتلي ، عرف بدأبه على ابتزاز المال عن طريق التهديد بنشر الأكاذيب والتشنيع على بعض الشخصيات أو عباد الله المغلوبين على أمرهم ، ويبدو أن هذه النوعية من المرتزقة من هذا العمل المشين تعيش بيننا حتى يومنا هذا .

بل أن الشيخ / الشربتلي أشتهر بالتجارة في الصحف الصفراء التي تشبه صحيفته ، ولكن أصحابها يعجزون عن تحريرها ، وقد اتخذ هذا المحرر الذي هو دائماً تحت الطلب ، اتخذ من مقهى البرلمان في ميدان العتبة الخضراء بوسط القاهرة مقراً لبيع وتوريد المقالات التي يضعها في جيب قفطانه ، وقد حدد لها سعراً موحداً للمقالة وهو ريال ! (عشرون قرشاً مصرياً فقط لا غير) .

وكان من أشهر أكاذيبه التي تندر بها الناس في الجيل الماضي ، أنه وصف قيام حريق هائل في أحد الأحياء ، وبعد أن أتم وصفه البليغ للحريق في صفحات عديدة ، كتب في النهاية سطراً واحداً قال فيه : (وقد جاءنا بعد كتابة هذا المقال أن هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة ) !!

وداء (الفبركة) هذا داء عضال ليس في الشيخ / الشربتلي فقط بل أنه مازال مستشرياً لدينا ، المهم في الأمر أن الشربتلي تمادى في أكاذيبه حتى وقع في يد الأستاذ الإمام / محمد عبده ، ونشر في جريدته الصفراء أن الشيخ / محمد عبده ينكر وحدانية الله !!

فاهتز الرأي العام في مصر اهتزازاً شديداً ، وقامت قيامة الدنيا ، وأوشكت أن تحدث فتنة عظيمة لأن هذا الاتهام الخطير كان لأكبر شخصية إسلامية في العصر الحديث ، وكان عملاً مذهلاً لا يصدقه أي عقل أو أي منطق ، وليس  في استطاعتنا وصفه بأي لفظ .

كان محمد عبده ، ومن قبله أستاذه (الثائر الأعظم ) جمال الدين الأفغاني يتعرضان لهجوم بعض مشايخ الأزهر الجامدين المتشددين بسبب دعوتهما إلى التجديد والإصلاح ، وكانت الإشاعات تتناثر في القاهرة حول تصرفات الشيخين ، وقد تزعم هذه الحركة عالم مغربي من أساتذة الأزهر اسمه الشيخ / عليش .

والشيخ / عليش لا نعلم شيئاً عنه أكثر من أنه رجل جاء من المغرب وجاور بالأزهر ، وعرف عنه التشدد والتعصب ، كما أنه كان عصبي المزاج ، فيه حدة وغلظة ، يرفض الحوار أو النقاش بالتي هي أحسن ، ويحرض المشايخ والمجاورين على العراك واستخدام (المراكيب) للضرب داخل صحن الأزهر ، وقد كان (المركوب) هو سلاحهم الأساسي في العراك .

وهذه الشائعات تتردد في كل عصر ، فكم شائعة أطلقوها على المرحوم الشيخ / أحمد حسن الباقوري ، قائلين أنه كان يصنع جبته وقفطانه من أفخر الأقمشة ، ويتعطر بأفخر العطور !! ، وقالوا عن المرحوم الشيخ / محمد متولي الشعراوي أنه كان يأكل “الكباب” و “الكفتة” في أحد المحلات الموجودة بشارع القصر العيني غرب القاهرة !!

وكأن اتخاذ الزينة ، وأكل اللحوم جريمة شنعاء لا يصح أن يضبط أي شيخ متلبساً بتعاطيها ، وقالوا وقالوا وقالوا ، ويبدو أن الناس تموت إذا لم تقل ، وإذا لم تجد ما تقوله تطلق الأكاذيب والشائعات ، لتلف وتلف ثم تعود إليهم ليصدقوها هم !!

نعود إلى الشيخ / عليش الذي كان منهلاً غير عذب بالمرة للشائعات والأقاويل ، وكان يشيع عن الأفغاني ومحمد عبده الشائعات التي تروج في مقاهي القاهرة ، ويتناقلها الناس بين مصدق ومكذب ، وكانت هذه الشائعات المغرضة الكاذبة تحدث بلبلة في عقول العامة ، ومازالت هذه الظاهرة غير الحميدة منتشرة في تجمعات المثقفين أو من يسموا بهذا الاسم  في أيامنا ، وقانا الله جميعاً شر ذلك .

قال الشيخ / عليش ذات مرة أن الشيخ / جمال الدين الأفغاني يجلس في مشارب البيرة بحي الأزبكية ، ويجالس النساء السافرات الفاجرات !

والحقيقة أن الأفغاني في بعض الأمسيات كان يضيق صدره ، فيترك مقعده الشهير في مقهى (البوستة) بميدان العتبة ، ويأخذ عصاه في يده ويتجول حول حديقة الأزبكية ، وتقوده قدماه أحياناً إلى حي الملاهي حيث توجد صالات الرقص والغناء ومشارب البيرة ، وغيرها من الأماكن التي كانت في هذا الحي ، وبالطبع دون أن يدخلها .

وفي إحدى جولات الشيخ لاستنشاق الهواء في جو الصيف الخانق شاهد امرأة رائعة الجمال تجلس أمام منضدة عند باب مشرب من مشارب البيرة ، فلمعت عيناه وشع منهما اللهب ، فقد وضعت المرأة أمامها قدحاً من البيرة ، وعلى طرف منضدتها كرسي خال ، فجلس الأفغاني عليه .

وعجبت المرأة من جلوس هذا الشيخ المعمم أمامها فسألته إذا كان يحب شرب قدح من البيرة (كانت هذه المرأة صاحبة هذا المكان) ، ولكنه لم يجب ، بل سلط عليها عيناه فخفضت رأسها خوفاً ورعباً ، ثم أشار إلى ذراعها اليمنى قائلاً لها : حرام أن يشوى هذا الذراع الجميل في النار ! ، ثم أشار إلى كفها وقال لها : حرام أن تحرق هذه الكف الجميلة في النار ! ، ونظر إلى وجهها الناصع ، وهو يقول لها : حرام أن يصبح هذا الوجه الناصع الرائع في نار وقودها الناس والحجارة !

فألقت المرأة كوب البيرة على الأرض محطمة إياه ، ثم هبت واقفة ، وهي تصرخ في كل من حولها طاردة كل رواد مشرب البيرة ، وأخرجت عمالها من المكان ، وأغلقت الباب بيديها ، وهي تقول للأفغاني : لقد تبت على يديك أيها الشيخ الصالح .

وأخذ الأفغاني عصاه ، وعاد إلى كرسيه في مقهى البوستة ليعقد ندوته المسائية كالمعتاد .

ولكن الشيخ / عليش قال : إن الأفغاني يرتاد مشارب البيرة في مواخير الأزبكية ، ويجالس النساء الفاسدات ، وقد شوهد هناك !

 

يُتبع..

 

(Visited 254 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق