الآن تقرأ
“رفعت إسماعيل VS رجل المستحيل”‎

لو لم تكن من مواليد الثمانينيات و التسعينيات الذين قضوا طفولتهم في شراء و تبادل روايات الجيب فهذا المقال لا يناسبك تقريبا و لو كنت فمرحبا بك

, تحدث المخرج  الأمريكي ” تارانتينو ” على لسان أحد أبطاله يوما قائلا أن أكثر بطل يأسره من أبطال الكوميكس هو ” سوبر مان ” لأن الرجل الوطواط  و العنكبوت كليهما رجل عادي , تلك هي هويته الحقيقية و لذا يحتاج لأن يرتدي زي يبرز هويته  الإستثنائية كبطل , أما سوبر مان هويته الأصيلة أنه بطل خارق جاء من كوكب آخر لكنه يتنكر بيننا في زي ” كلارك كينت ” البشري الخجول ذو العوينات , يري تارانتينو أن القوة هي هوية سوبر مان و أنه يساعد البشر لأنهم ضعفاء و أقل ثقة بقدراتهم ,

هكذا أراد الكاتب لرجل المستحيل أن يكون , خارقا , يضرب بأطرافه الأربعة في آن , يواجه كل تحدياته بابتسامة ساخرة , هو العين الساهرة لحماية الوطن بنكران ذات لا متناهي , أراد الكاتب لأدهم صبري أن يكون المعادل الأخلاقي لجيمس بوند , هو بطل في ثوب إنسان

يحمل رجل المستحيل دوما صيغة المخلص المنتظر و كل رواية هي خلفية و كواليس معدة بإتقان و بصعوبات تتزايد علي مر السلسلة ليعبرها البطل بكفاءة جواد عربي يتخطي حواجز معقدة , نحن جمهوره و لكننا لا نري فيه أنفسنا إطلاقا بثقتنا المهتزة و لهجتنا المتلعثمة و خجلنا المستمر من ألا نكون قدر التوقعات , فرجل المستحيل هو كما قال ” كونديرا ” عن أبطال رواياته ” هم قدراتي الشخصية غير المتحققة ” , هو ما ليس فينا بل الحل السحري لكل أمورنا , معيار التفوق الجسدي و المهاري و الأخلاقي الأسمي و مستوي كمال يثير التقزز من نفسك , يشبه النصائح المثالية المكتوبة في ظهر كتب الوزارة التعليمية  ,

,,,,,,

علي الجانب الآخر يقابلك ” رفعت إسماعيل ” و هو عجوز سبعيني لا يحمل صفات جدك الذي يتشدق في كل مجلس عائلي ببطولاته و بالحديث عن الزمن الذي لم يعد كما كان و يملي عليك نصائحه من منبر وعظي يتخيل أنه يقف أعلاه , رفعت عجوز الجسد طفل القلب , سمته الدائمة السخرية من نفسه قبل الجميع , و السخرية تعني قدرة الشخصية على إدراك التناقضات و الفوارق بين الموجود و المفروض و صياغتها بقالب ذكي , لا يعدك رفعت إسماعيل بحل مشاكلك و لا جعل حياتك أفضل , كل ما يأمله أن يحافظ على تسليتك و أنت تستمع لحكاياته مع قدح من الشيكولاتة الساخنة

رفعت لا يملك إدعاء دوجمائي أنه يعرف كل شيء فرغم كبر سنه إلا أنه يردد دوما ” و كالعادة كنت ساذجا ” , ينقد ذاته على الدوام و يقدم حياته لك كدرس لا يجب أن تكرره أبدا

,,,,

دعا الرسام الراحل ” محيي الدين اللباد ” لمراجعة الكتب التي تشكل وعينا و أفكارنا لكونها مليئة بما سماه الحواديت الاخلاقية المسطحة و التي تتدثر برداء وعظي يقمع كل طاقات المراهق و الطفل ويحوله لمتلقي دائم لنصائح مثالية تحوله لمخلوق بلا خيال يسعي طوال الوقت للحاق بنموذج مثالى هو ليس ما يريد إنما هو ما يطابق المعايير الصارمة للمجتمع , و إستشهد بالنقد الحاد الذي وجهه كثير من الكتاب الأوروبيين لقصص الفرنسي ” فونتين ” حول الصرصور الكسول الذي رقص و لعب طوال الصيف ولم يجمع ما يكفيه للشتاء و كيف أنها تجعل الواقع متطرف إما العمل الجاد الاخلاقي أو اللعب و الميوعة و الواقع ليس كذلك

,,,,,,

بمراجعة روايات الجيب التي تحملتنا طوال مراهقتنا نجد أنه رغم أن أدهم صبري كان شاب ثلاثيني و رفعت كان شيخ سبعيني إلا أني شعرت دوما أن الوضع معكوس فأدهم يمثل لي كل صيغ وصاية الدولة الأبوية التي تخبرك باطمئنان أن هناك عين ساهرة تعرف ما تفعل و تصدر لك قيم الوطنية و حب مصر بمضامين نمطية , و تصور القائمين على شئون الوطن بفرقة عدالة كاريكاتورية لا تخطيء أبدا , لا تنقد ذاتها أبدا , لا تشبهك أبدا , فأنت جمهورها المصفق و هي كل قدراتك الغائبة , هكذا عبر رجل المستحيل الثلاثيني عن قناعات وصاية دولة أبوية تفوق في عمرها ستة عقود , و هكذا حمل الشيخ السبعيني قلب طفل ساذج كل ما يملكه هو عقله و فضوله و يعلن بوضوح أنه يكره لي أعناق القصص لتحوي مغزي تربوي ما أو وعظي , يعتذر دوما أنه مخيب لآمالك لكونه هادم للأساطير أكثر منه مثبتا لها , لذا هو دوما يشبهني , و يشبه جيل كامل تتسارع قناعاته بالتطرف و الهياج ثم السكون و النقد , جيل لا يكف دوما عن ترديد ” كنت ساذجا ” ,

لم أتخل عن الشعور أن رجل المستحيل هو ابن الدولة _ وبالتأكيد لم يقصد كاتبه تقديمه كذلك _ و ابن المعايير الأخلاقية و الإجتماعية و مقاييس البطولة التي صنعها الأسبقون لما يجب أن يكون , أما رفعت هو عكس كل ذلك و أشبه بصورة سلويت أو نيجاتيف للبطل

تصدر لنا الدولة أن كل رجالها هم رجل المستحيل و تدعونا بإستمرار للثقة بها,فهي تعرف الحل , و هي مستهدفة من كل أجهزة المخابرات المعادية , وتخاطب الدولة شوفينيتنا الوطنية الملتهبة بفيديوهات شئون معنوية نجد فيها البطل ” أحمد عبد العزيز ” الذي تخطي حاجز الشباب نحو الكهولة و هو جندي وطني متحمس بأداء مفتعل و مبالغ كعهده معنا ليخبرنا عن إنجازات الوطن , تتوق الدولة لأن نثق بها كما وثقنا في طفولتنا برجل المستحيل الذي لا يخطيء فهو ( ن_1 ) , وعلى الجانب الآخر نقف نحن لنشاهدها  كشباب عشريني و ثلاثيني تحمل في خمس سنوات ما جعل روحه سبعينية كرفعت , نسخر بمرارة مثله , و نخبط علي رؤوسنا قائلين لرجل المستحيل الذي شكل كل توقعاتنا عن البطولة و الوطن  ” كنت ساذجا , كنت ساذجا “

(Visited 3٬986 times, 1 visits today)
عن الكاتب
حسام الدين السيد
شاب عشريناتي يتأمل بفعل الكتابة مجتمع متغير
1التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق