الآن تقرأ
فى مواجهة الشيخ “عليش” وتابعه “الشربتلي” بنهجهما غير القويم (2)

وفي أيامنا هذه جاء من يردد هذا الكلام من جديد ، ويتهم الأفغاني بأنه كان يشرب الخمر ، وأنه فاسق مرتد ، وعميل خائن ، كما قالوا عن محمد عبده أنه كافر ، بل أنهم صادروا أعماله التي دافعت عن الإسلام دين العلم والمدنية والحرية والاستنارة .. وكأن      الشيخ / عليش قد عاد من جديد .. ولكن الأمر الخطير أن نسخ عديدة من الشيخ عليش قد شاعت وانتشرت ، هؤلاء الذين لا يعجبهم العجب ، ولا حتى الصيام في شهر رجب ، الذين يلعبون هذه اللعبة من أجل مصالح أضحت معروفة ومفهومة .

أما الإمام / محمد عبده فقد جاءت إليه ذات يوم امرأة فرنسية سافرة الوجه ، وسألت عنه في الأزهر ، كي تستفسر منه عن بعض الأمور حيث كانت تعد دراسة عن الإسلام ، وهذا ـ في رأي حزب الشيخ / عليش ـ فجور ما بعده فجور !

كما أن ( محمد عبده ) شوهد ذات يوم سائراً على قدميه في شارع الموسكي القريب من الأزهر ، وقد اشترى (باكو بسكويت) ، وكان يأكل البسكويت على قارعة الطريق جهاراً عياناً ، والبسكويت من طعام الفرنجة ، وهذا يتنافى مع الشريعة ، ومع وقار العلماء ! (وفقاً لرأي حزب الشيخ / عليش وأتباعه) .

وأضاف نفس الحزب : أن ( محمد عبده ) يضع في قدميه الأحذية الحديثة ، ولا يضع قدميه في المركوب الأصفر الذي كان يتميز به علماء الأزهر في هذا العصر !

كانت كل هذه الاتهامات التافهة التي لا علاقة لها بجوهر الدين ، وبأُسس العقيدة الإسلامية السمحاء ، والتي كان يوجهها عليش وأمثاله ، هذه الاتهامات كانت تثير بعض المشايخ والمجاورين أي طلاب العلم في الأزهر ، أضف إلى ذلك أنه كان يقصد بها إثارة الناس العاديين ضد الأستاذ الإمام ، ولكن جماهير المسلمين من الخاصة والعامة ، أحبت الشيخ ووضعته في العقول والقلوب ، لذلك لم تتعاطف مع حزب عليش وأمثاله ، فقد ظلت دائرة هؤلاء محصورة في حيز ضيق خارج صحن الجامع الأزهر حيث تدور المعارك بين المؤيدين والمعارضين بالمراكيب ، وهي السلاح الأزهري الشهير في الأجيال الماضية .

كانت هيبة الأستاذ الإمام / محمد عبده ووقاره تكفي لإحباط كل الشائعات التي تثار من حوله ، كما كان التحدي بين الأستاذ الإمام وخصومه من بعض علماء الأزهر يتم دائماً بانتصاره الساحق الماحق على خصومه الذين كانوا أقل منه كثيراً في العلم والمعرفة ، فيعجزون عن مناقشته ومناظرته .

ولكن اتهام محمد عبده بإنكار الوحدانية الإلهية كانت هي القضية الخطيرة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث ، رغم أنها ـ من وجهة نظرنا الخاصة ـ لم تلق عليها الأضواء الكاشفة مع أهميتها البالغة جداً في تفسير اتجاهات الصراع بين التقدم والتخلف في بلادنا العربية والإسلامية ، قبل محمد عبده وبعده ، واستخدام الدين بطريقة مستترة ومستمرة في كل محاولات وقف حركة التقدم في البلاد العربية والإسلامية .

لقد ذكر المستشرق الإنجليزي الشهير / (إدوارد وليم لين ) الذي عاش خلال ظهور الشيخ / رفاعة رافع الطهطاوي أيام محمد علي ، أنه كان يسمع في دكاكين الوراقين الذين يبيعون الكتب المخطوطة قبل عصر الطباعة ، مطاعن كثيرة في عقيدة الشيخ / رفاعة ! .

وكانت هذه الدكاكين تقع في حي الأزهر ، ويجتمع فيها المشايخ والمجاورون بحثاً عن الكتب ، ثم يثرثرون في موضوعات كثيرة ، أصبح أهمها ، موضوع (رفاعة بك) الذي كان شيخاً أزهرياً ، ثم أصبح مثقفاً إفرنجياً يرطن بالفرنسية ، ويؤلف ويترجم في موضوعات لم يعرفها الأزهريون من قبل !

ويقول (إدوارد لين) : إنه كان يسمع من هؤلاء المشايخ مزاعم كثيرة تتعلق بالحياة الشخصية لرفاعة ، فقد زعموا أن الشيخ / رفاعة بعد أن أبحر من الإسكندرية على ظهر السفينة التي اتجهت به مع أعضاء البعثة المصرية التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا ، شرب الخمر حتى ثمل ، ثم علقوه على سارية السفينة ، وعندما كان في باريس أكل لحم الخنزير ، وراقص النساء في    المراقص … !

وقد سجل المستشرق الإنجليزي هذه الحكايات الغريبة الكاذبة المختلقة ، وكان بحكم تفكيره الأوربي يعجب كل العجب من تناولها أو ذكرها في معرض الحديث عن رجل مثل رفاعة الطهطاوي ، الذي كان يعد أكثر المثقفين المستنيرين وعياً وإدراكاً في عصره ، وكان يقود حركة فكرية جديدة في بلادنا .

وحدث بعد عصر محمد عبده أن اتهم بعض المثقفين في عقيدتهم بما هو أخطر ، ومثال على ذلك قضية كتاب الدكتور / طه حسين (في الشعر الجاهلي) والذي ظل بسببه عند أمثال الشيخ عليش متهماً في عقيدته والعياذ بالله ، ولا يعلم هؤلاء الذين يوجهون الاتهامات جزافاً ، أن حساب المرء مع الله وليس مع البشر ، وليس مطلوباً منا أن نفتش في ضمائر الناس أو في قلوبهم ، حتى لو كانت الاتهامات الكاذبة صحيحة ، ولكن واقع الحال يقول إنها اتهامات جوفاء تافهة لا تستحق الرد عليها بسبب وضوح زيفها .

إن البشر لا يستطيعون مهما كانت قوتهم ومراكزهم ومناصبهم والإمكانيات المتاحة لهم ، لا يستطيعون محاسبة البشر في أمور عقائدهم ، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يملك هذا الحساب يوم القيامة ، و إلا أصبح بعض البشر آلهة في هذه الدنيا يملكون حساب العقيدة ، ويصدرون فيها الأحكام بالكفر أو الردة أو الإيمان .. وهذا أمر لا يتفق مع الواقع أو العقل أو المنطق .

وقد حدث مثل ذلك عندما أصدر الشيخ / علي عبد الرازق كتابه الشهير (الإسلام وأصول الحكم) ، وحوكم محاكمة دينية ، وسحبت منه شهادة العالمية الأزهرية ، ثم ردت       إليه ! .

وكذلك عندما حوكم الشيخ / حامد الفقي رئيس جماعة السنة المحمدية بسبب عقيدته الوهابية ، وسحبت منه شهادة العالمية أيضاً ثم أعيدت إليه بعد ذلك ! .

وقد نسى الناس أن هذا الشيخ كان من الدعاة الصالحين ، وبالطبع كل إنسان حر في اعتناق المذهب الذي يريده ، فالمذاهب الفقهية هدفها التيسير على الناس ، المهم هي الثوابت التي لا يصح العبث بها أو تجاوزها ، ولكن السياسة استخدمت أسلحتها ضد الشيخ / الفقي عندما حاول الكلام والحديث عن دعوة الشيخ / محمد بن عبد الوهاب في مصر ، وهي لا تخرج عن دعوة الإمام / أحمد بن حنبل إمام أهل السنة ، وتلميذه / تقي الدين بن تيمية ، ولكن الملك / فؤاد ملك مصر ، الذي ورث عن جده محمد علي محاربة               الوهابية أو عقدتهم ووقف ضد الدولة السعودية عندما اشتدت شوكتها في العصر الحديث بقيادة الملك / عبد العزيز بن سعود ، ولذلك حاربت السلطة الحاكمة في مصر دعوة الشيخ / الفقي واضطهدته ، ضاربة بذلك حق أصيل من حقوق الإنسان ألا وهو حرية الاعتقاد والتفكير .

أما قضية الشيخ / أمين الخولي فقد كانت أعجب وأغرب ، وكان سببها رسالة جامعية أشرف عليها وقدمها أحد تلاميذه وهو الدكتور / أحمد خلف الله ، عن ( الفن القصصي في القرآن الكريم ) ، واستخدم سلاح الدين أيضاً في هذه القضية ، في محاولة للنيل من عقيدة الشيخ الجليل والعالم الكبير / أمين الخولي , وليس للطعن في التلميذ الذي استخدمت رسالته في  الموضوع ، قبل مناقشتها أو إجازتها ، كمخلب قط .

ولكن هذه الأقوال كلها تعتبر أقل قيمة من قضية الطعن في شيخنا الأستاذ الإمام / محمد عبده , رغم أن بعضها مازال يثار حتى يومنا هذا ، وتؤلف فيه الكتب ، وخاصة في طعن عميد أدبنا العربي / طه حسين .

نعم ، الاختلاف في الرأي ضرورة حيوية ، ولكن الاختلاف يجب أن لا يفسد للود قضية ، ويجب ألا يكون سوقياً أو مبتذلاً .

ومما لاشك فيه أنه توجد أسباب مهمة وكثيرة جعلت الكتاب والباحثين يغضون الطرف مع النظر عن الاتهام الكاذب الذي وجهه الشيخ / محمد الشربتلي ، صاحب جريدة (النهج القويم ) للأستاذ الإمام .

ولكن ليسمح لي القارئ المفضال أن أنظر إلى الموضوع نظرة أخرى ، وهذه النظرة الأخرى هي محاولة لتفسير هذه الظاهرة المؤسفة التي شاعت منذ بداية النهضة الحديثة في بلادنا ، ثم استشرت وازدادت في أيامنا الراهنة .

لقد اتهم : رفاعة الطهطاوي ، ومحمد عبده ، وطه حسين ، وعلي عبد الرازق ، وأمين الخولي ، وفرج فوده ، ونجيب محفوظ ، ونصر حامد أبو زيد ، والسيد القمني ، ومحمد عابد الجابري .. إلخ .. كل هؤلاء على اختلاف ظروفهم وأحوالهم وأقدارهم أضافوا إلي فكرنا الكثير الذي لا يصح أن ينكر .

اعتقد أن أهم أسباب هذه الظاهرة هو الصراع الذي مازال دائراً وقائماً ومستمراً بين التقدم إلى الأمام ، والتخلف الذي يجرنا جراً إلى الوراء ، ويعتبر محمد عبده بقيمته وشخصيته أهم أعلام هذا الصراع باعتباره مجدد الإسلام في عصرنا الحديث .

لقد بدأت جريدة (النهج القويم) جداً ، في غمز الأستاذ الإمام ، ولكنه لم يلتفت إلى ما تنشره لاعتقاده بأنها لا تساوي الرد عليها .

ولكن الجريدة الصفراء نشرت مقالاً عن حال الأزهر الشريف على لسان بعض مشايخ الأزهر ، وأذاعت في الناس أن الشيخ / محمد عبده أنكر وحدانية الله ، وقال : إنه لا يقوم عليها دليل !!

نشر الشيخ الشربتلي / التهمة في جريدته ، فطلبته النيابة العامة للتحقيق ، وأمرت بحبسه ، فقال : إنه تلقى الخبر من رجل من كبار  علماء الأزهر ، وهو الشيخ / سليمان العبد !

يُتبع

الحلقة الأولى http://qoll.net/%D9%81%D9%89-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%B4-%D9%88%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A8%D8%AA%D9%84%D9%8A/

(Visited 329 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق