الآن تقرأ
عصر الظلام – مصر في العهد العثماني 3-7
بعدما دخل “سليم الأول” إلى مصر وأخضعها بالسيف، واستباح القاهرة لجنوده، استطاع سلطان مصر المملوكي “طومان باي” أن يعيد تنظيم صفوفه مرة أخرى وأن يواجه جنود سليم في معركة أخرى، إلا أن الحظ لم يحالفه وهُزم مرة أخرى. إلى هنا والأحداث تبدو عادية، ولكن ما فعلته الجنود العثمانية بعد هذا أمر رهيب.
يروي صاحب كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، في الجزء الخامس، ص 171: “فلما انتصر ابن عثمان على عسكر مصر، قطع رؤوس المماليك من الجراكسة، وقطع رؤوس جماعة كثيرة من العربان (العرب) الذين كانوا مع السلطان طومان باي، فلما تكاملت قطع الرؤوس، رسم ابن عثمان (أمر) بإحضار مراكب، فلما حضرت وضعوا فيها الرؤوس، فلما عدوا إلى بر بولاق صنعوا مدارى خشب (أعمدة خشبية) وعلقوا تلك الرؤوس وحملها النواتية (المراكبية) على أكتافهم ولاقتهم الطبول والزمور، ونادوا في القاهرة بالزينة فزينت زينة حافلة، وشقوا بتلك الرؤوس من باب البحر إلى باب القنطرة وطلعوا بهم من على سوق مرجوش وشقوا بهم من القاهرة، وكان لهم يوم مشهود. وقيل كان عدة الرؤوس الذي قتلوا في هذه الوقعة ودخلوا القاهرة نحو ثمانمائة رأس، والذي قتلوا هناك وألقوهم في البحر أكثر من ذلك.”
إننا لو جئنا بأعظم مخرجي الرعب في عصرنا الحالي، فلن يستطيع أبدًا تصوير مثل ذلك المشهد الهمجي الذي لا يتصور أحد أن يرتكبه بشر طبيعيون.
تخيل أن تنظر من نافذة منزلك فترى جيوش جرارة تطوف في الشوارع حاملة رؤوس مقطوعة، يزيد عددها عن ثمانمائة رأس، على أعمدة خشبية، فكيف سيكون رد فعلك؟ إننا نرى الجماعات المتطرفة تفعل هذه الأمور في زماننا الحالي، فهل تلك الجماعات هي ورثة الدولة العثمانية؟ يقول الدكتور “مراد وهبة” في كتابه “جرثومة التخلف” تحت عنوان “العثمانيون”: “التيارات الفاشية والجماعات الإرهابية هي الوريث الشرعي للدولة العثمانية. ولم يتصد أحد لجوهر هذه التيارات خوفًا منها”، ويوضح في الفصل نفسه أن الانفتاح على الثقافات الأخرى من أهم عوامل النهضة والتنوير، بينما الانغلاق الذي جاء مع الاجتياح العثماني كان من أهم أسباب التخلف الحضاري، فيقول: “عوامل القوة كانت في العصر العباسي عندما كان هناك انفتاح على الثقافات اليونانية، بدون تحفظ، وبالتالي حدث التأثير والتنوير، وكانت قمة هذا العصر هي عهد الخليفة المأمون حيث امتد التأثير إلى أوروبا. كانت البداية عند ابن رشد، وعنده أيضًا كانت النهاية بعد الانغلاق على الثقافة ودخول كل شيء دائرة التحريم”، ويستطرد: “فعندما وطئتنا الدولة العثمانية بسنابكها انطمس ابن رشد إلى الأبد”.
ذكر آخر سلاطين مصر من المماليك، السلطان “طومان باي”
يروي ابن إياس: “قبض عسكر العثمانية على السلطان “طومان باي” ووضعوه في الحديد وتوجهوا به إلى ابن عثمان، وتمت الحيلة على السلطان طومان باي، وخانه “حسن بن مرعي” بعد أن حلف له على المصحف الشريف وأركن إليه، وكان “حسن بن مرعي” من أعز أصحاب “طومان باي”، وله عليه غايه الفضل والمساعدات من أيام السلطان الغوري وأقام عنه بما عليه من المال، فلم يذكر له شيئًا من ذلك ولا أثمر فيه الخير”.

إن قصص الخيانة تملأ صفحات التاريخ!

“وكان السلطان “طومان باي” لما قبضوا عليه أقام في الوطاق عند ابن عثمان نحو سبعة عشر يومًا، ثم أتوا به إلى باب زويلة وهو لا يدري ما يُصنع به، فلما أتى إلى باب زويلة أنزلوه من على الفرس وأرخوا له الحبال ووقفت حوله العثمانية بالسيوف، فلما تحقق أنه يُشنق وقف على أقدامه على باب زويلة، وقال للناس الذين حوله: اقرءوا لي سورة الفاتحة ثلاث مرات، فبسط يده وقرأ الفاتحة ثلاث مرات وقرأت الناس معه، ثم قال للمشاعلي: اعمل شغلك.”
وما زال بعض الناس إلى يومنا هذا تقرأ الفاتحة ثلاث مرات عند باب زويلة باعتبارها عادة، دون أن تدري كيف نشأت هذه العادة.
“فلما شُنق وطلعت روحه، صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف، فإنه كان شابًا شجاعًا بطلاً تصدى لابن عثمان ووقع منه في الحرب أمور ما لا تقع إلا من الأبطال، وكان عندما تسلطن أبطل من المظالم أشياء كثيرة مما كان يعمل في أيام الغوري، ولما وصل ابن عثمان إلى الشام وقصد أن يخرج إليه فشكى أن الخزائن خالية من الأموال، فقالوا له الأمراء وجماعة من المباشرين: افعل كما فعل السلطان الغوري وخذ أجر أملاك القاهرة سبعة أشهر، وخذ على الرزق والإقطاعات خراج سنة، فلم يسمع لهم شيئًا وأبى من ذلك، وقال: ما “أجعل هذا أن يكون في صحيفتي”.
“وكان ملكًا حليمًا قليل الأذى كثير الخير، وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، وكان في هذه المدة في غاية التعب والنكد وقاسى شدائدا ومحنًا وحروبًا وشرورًا، وآخر الأمر شُنق على باب زويلة، وأقام ثلاثة أيام وهو مُعلق على الباب، وفي اليوم الثالث أنزلوه وأحضروا له تابوتًا ووضعوه فيه، وتوجهوا به إلى مدرسة السلطان الغوري عمه، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه هناك، ودفنوه في الحوش الذي خلف المدرسة”.
وقد رثاه ابن إياس بأبيات من الشعر جاء فيها:
لهفي على سلطان مصر كيف قد ولى وزال كأنه لن يذكروا
شنقوه ظلمًا فوق باب زويلة ولقد أذاقوه الوبال الأكبرا
يا رب فاعف عن عظائم جرمه واجعل بجنات النعيم له قرا
وللحديث بقية…
عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق