الآن تقرأ
عصر الظلام – مصر في العهد العثماني (4/7)

“لم تكن الجثة التي تدلت من الحبل على باب زويلة هي جثة طومان باي، ولكنها في الحقيقة جثة مصر. ولقد ماتت قرونًا طويلة قبل أن يُكتب لها البعث من جديد! وجاء السلطان العثمانلي ودخلت مصر في سرداب التاريخ، وتحولت من سلطنة إلى ولاية، وخيم عليها الظلام وأصابها الضمور! وسيتحول الأزهر وإلى فترة طويلة من الزمان من بؤرة للثورة إلى وكر للجريمة، وستعرف مصر نوعًا من القتل لم يكن لها به عهد من قبل، وهو الموت على الخازوق! وكان لدى العثمانيين جلادون مهرة يعرفون كيف يدقون الخازوق في بطن الرجل، من دبره إلى فمه، دون أن يخترق مكانًا قاتلاً، بحيث يبقى المخزوق جالسًا على الخازوق عدة أيام وهو بين الحياة والموت، يعاني أشد أنواع العذاب، دون أن تمتد له يد بكوب ماء أو كسرة خبز أو حتى كلمة طيبة، وستشهد مصر مجاعات متتالية، وسيحصدها الطاعون أكثر من مرة، وسيتفشى فيها الحشيش واللواط، وستنطفئ شعلة مصر المقدسة وستخمد نارها.”

من كتاب “مصر من تاني”، للراحل “محمود السعدني”.

ويلخص “ابن إياس” أحداث سنة 1517 التي غزا فيها العثمانيون مصر:

“وكانت سنة صعبة شديدة على الناس، كثيرة الحوادث والفتن، جرى فيها أمور شنيعة لم تجر في سالف الأزمان، وقتل فيها من أهل مصر ما لا يحصى عددهم، ولعب السيف في أهل مصر سبعة أيام، وخرب فيها دور كثيرة، ونهب فيها أموال وقماش ما لا يحصى قدره، وتيتم فيها أطفال وترمل فيها نسوان، وجرت فيها مفاسد كثيرة ما لا يسمع بمثلها، ولم تقاس أهل مصر شدة أعظم من هذه إلا في زمن البخت نصر البابلي”.

ويقدم “ابن إياس” وصفًا للسلطان “سليم الأول”، وكان قد انقلب على أبيه السلطان “بايزيد” وقتل أخوته، فيقول:

“كان حليق الذقن، قصير القامة، في ظهره حنية، وافر الأنف، وقيل أن له من العمر نحو أربعين سنة أو دون ذلك، وليس له نظام يعرف مثل نظام الملوك السالفة، غير أنه سيء الخلق سفاك للدماء، شديد الغضب، لا يراجع في القول”، ويُضيف في موضع آخر: “وفي مدة إقامة ابن عثمان في مصر لم يجلس بقلعة الجبل على سرير الملك جلوسًا عامًا، ولا رآه أحد، ولا أنصف مظلومًا من ظالم في محاكمته، بل كان مشغولاً بلذته وسكره وإقامته في المقياس بين الصبيان المرد (الشبان الصغار أصحاب الوجوه الجميلة)! فكان لا يظهر إلا عند سفك دماء المماليك الجراكسة، وما كان له أمان إذا أعطاه لأحد من الناس، وليس له قول ولا فعل، وكلامه ناقض ومنقوض لا يثبت على قول واحد كعادة الملوك في أفعالهم”.

ثم ينتقل إلى وصف عسكر سليم:

“وأما عسكره فكانوا جيعانين العين نفسهم قذرة، وعندهم عفاشة في انفسهم زائده وقله دين، يتجاهرون بشرب الخمر في الأسواق بين الناس، ولما جاء عليهم شهر رمضان فكان غالبهم لا يصوم ولا يصلي في الجامع ولا صلاة الجمعة إلا قليلاً منهم، ولم يكن عندهم أدب ولا حشمة، وليس لهم نظام يعرف لا هم ولا أمراؤهم ولا وزراؤهم وهم همج كالبهائم”.

أما عن عدل السلطان العثماني، فيروي “ابن إياس”:

“ولما طلع ابن عثمان إلى القلعة احتجب عن الناس ولم يظهر لأحد، ولا جلس على التكة بالحوش السلطاني جلوسًا عامًا وحكم بين الناس وينصف الظالم والمظلوم، بل كان يحدث منه ومن وزرائه كل يوم مظلمة جديدة، من قتل وأخذ أموال الناس بغير حق، وكان هذا على غير القياس، فإنه كان يشاع العدل الزائد عن أولاد ابن عثمان وهم في بلادهم قبل أن يدخل سليم شاه إلى مصر، فلم يظهر لهذا الكلام نتيجة ولا مشى سليم شاه في مصر على قواعد السلاطين السالفة بمصر، ولم يكن له نظام يُعرف لا هو ولا وزراؤه ولا أمراؤه ولا عسكره، بل كانوا همجًا لا يُعرف الغلام من الأستاذ”.

هكذا كانت أي جماعة تريد تملك رقاب المسلمين تشيع عن نفسها الرحمة والعدل، وما أن تتولى الحكم حتى يظهر وجهها الحقيقي.

أما عن القضاء، فيقول “ابن إياس”: “وكان القاضي الذي قرره ابن عثمان يحكم في الصالحية أجهل من حمار، وليس يدري شيئًا في الأحكام الشرعية، ويضيع على الناس حقوقها”.

وعن احتقار العثمانيين للمصريين ونسائهم، روى “ابن إياس”:

“وفي يوم الأربعاء نادى السلطان في عسكره أن كل من متزوجًا بامرأة من نساء أهل مصر يطلقها وإلا يُشنق من غير معاودة”.

وروى في موضع آخر:

“وفي يوم الخميس نودي في القاهرة عن لسان ملك الأمراء وقاضي العسكر بأن امرأة لا تخرج إلى الأسواق مطلقًا، ولا تركب على حمار مكاري (كان الحمار هو وسيلة المواصلات وقتها والمكاري هو صاحب الحمار الذي ينقل الناس والمتاع مقابل أجر)، وكل من خالف من بعد ذلك من النساء تُضرب وتربط بشعرها في ذنب إكديش (الخيل غير الأصيل) ويطاف بها في القاهرة، فحصل للنساء بسبب ذلك غاية الضرر- ثم بعد ذلك بأيام اتفق بأن قاضي العسكر طلع إلى القلعة فرأى نسوة يتحدثن مع جماعة من الأصبهانية (من العسكر العثمانية) في وسط السوق، فعز ذلك عليه، فلما طلع إلى القلعة قال لملك الأمراء: إن نساء أهل مصر أفسدت العسكر (هكذا كانت نظرتهم لنساء مصر)، فتغير خاطر ملك الأمراء على النساء قاطبة، ورسم للوالي بأن ينادي بأن امرأة لا تخرج من بيتها مطلقًا، ولا تركب على حمار مكاري مطلقًا، وكل مكاري ركّب امرأة شُنق من يومه، ثم في عقيب ذلك رأوا امرأة راكبة مع مكاري في طريق صحرة فأنزلوها من على الحمار وهرب المكاري، فضربوها وقطعوا إزارها (ملابسها)، فما خلصت إلا بعد جهد كبير”.

ويتحدث د/حسين مؤنس عن رجال الدين في ذلك العصر، فيقول:

“وكان رجال الدين في هذه الأيام أضيق المسلمين عقلاً وأبعدهم عن فكرة الإنصاف والعدل والحكم الصالح”.

أما عن الزراعة، فيتحدث الأستاذ “محمد الششتاوي” في حاشية صفحة 113 من كتاب “تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب” لابن الوكيل قائلاً:

“انحطت الزراعة في مصر في العصر العثماني لعدم الاهتمام بحفر الترع وتطهيرها وإقامة الجسور وتسوية الأراضي الزراعية، فأصبحت مياه الري لا تصل إلى أراضي كثيرة من مصر، وقلما تفي المياه بحاجة الزراعة ولا يحدث هذا إلا إذا وافى النيل وزاد فيضانه زيادة كبيرة”.

وللحديث بقية…

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق