الآن تقرأ
قصة قصيرة .. الجانب الآخر

مساء خريفي عاصف، تُمطر بين الفينة والأخرى، وخلف النوافذ المغلقة، وتحت غطاء

العودة ودفء الموقد، تتشابك أصابعهما، تسحق الأشواق المُنسكبة بيده من سنوات الحنين يدها

حتى العظام، ترتجف فيحتضن رأسها بيده الأخرى حتى تهدأ وتخمد بالوصل الأنات. يستلقي

بجوارها مُسترخيا و مبتهجا. وبين الدهشة والحقيقة يتوسد شعرها يتنشقه، يقترب من أذنها قائلاً؛

_ كم كنا نحلم أن يحدث ذلك في مثل هذا الطقس

_ ألازلت كثير الأحلام ؟

_ كنت.

_ واليوم؟

_ توقفت عن الأحلام والتمني حتى أننى مؤخرا لم أعد أحلم بأن أراكِ ثانية.

_ الأهم أن تهجرك هي

_ الوحيدة التي لم تهجرني

_ها نحن سوياً

_ أتريدين فنجان شاي أمْ كوب قهوة ؟

_ لم تتغير عاداتك على ما يبدو

_ لمَ ؟

_  ها أنت تشرب القهوة بكوب والشاي بفنجان
ينظر لها لا يعرف أهو سعيدُ لأنها تتذكر تفاصيلاً دقيقةً عنه أمْ يحزن على كل السنوات

الماضية من حرمان وشوق، لكنها تخرجه من الصراع المُحتدم بين الماضي والحاضر قائلةً؛

_ أريدك أنت

_ كما أنتِ لا تهابين المبادرة

_ وأنت أصبحت تتحدث كثيراً


     يُطفىء الأنوار، فتُضاء الغرفة من وهج الموقد الخافت، يُقبل قدمها فصاعداً تجذب رأسه

و يتبادلان القُبل حتى ينصهرا، وقفا معا على حافة الأبدية حيثما يتداخل النور والظلام، المكان و

الفضاء، خفة الروح وأعباء الجسد، الذروة بالوصل وعذابات الشوق القديم الذى ازداد بالوصال.

_ أهو ابنكِ ؟

_ بالتبني

_ لكنه يُشبهكِ

_ لأنه ابني

_ قُلتِ بالتبني

_ كي تجد معنى

_ لا أبحث عنه

_  فلم نحن هنا الآن؟

 

يتوقفان عن الكلام، ويسود الصمت. ((هو)):  بين اليقظة والنوم. يتجلى له طفل صغير حالم،

وساخط كذلك، يقطع ماشيا ممرا ترابي ضيق، مسقوف بفروع الأشجار المتلاقية، مفروش

بظلالها ومُرصع بالنخيل. حتى يصل وأطفال معه إلى أرض الحصى والرمل، يركلون الحصى

أمامهم، ويقفون كفواصل الكتابة خلف الأسلاك الشائكة، يصبون وابلاً من السباب والشتائم على

شاب في الجانب الآخر؛ يقف منتبها في تململ وحذر داخل برج مراقبة  شديد الارتفاع، وكلما

علقت طائرته الورقية أو طائرة أحد رفاقه الصغار بأسلاك علوية تقبع في الهواء كالصقر كلما

ازدادت لعناتهم لكل من يصعد برج المراقبة وإن كان غير مبال بهم. وبين الأسلاك الشائكة نبت

بري يقاوم الإنحناء ويتشبث بالحياة عبثاً.

 

أما ((هي)):  تستحضر من ذاكرتها تلك الطفلة الجميلة الجالسة بعيدا عن صخب ولهو

الصغار، مجدولة ضفائرها بشريط أزرق، مُستندة بظهرها إلى نخلة قصيرة، تنتظر صديقها كي

تعطيه شيئا من حلوى أمها التمرية. يأتي مرهقاً معه طائرته الورقية ويجلس بجوارها يُحادثها

وهما يأكلان سويا؛

_ سببت رجل برج المُراقبة

_لمَ؟

_ أكرهه كما أكره الطائرات المموهة وهديرها في سماء بلدتنا

_ لكنه لا يقود تلك الطائرات

_ كل منهما يمنعنا من شئ

_ ممَ يمنعك هو؟

_ من المرور للجانب الآخر

 

تنتبه على صوت الرياح العاصفة خارجا، وطرقات حبيبات المطر لزجاج النوافذ. كانا

عاريين تماما، فتتحسست الفراش باحثة عن يده، بينما هو يتأملها تبتسم ابتسامة قناعة ورضا

فتدمع عيناه. تسحب شرشفا أبيضا من تحت أقدامهما، بمنتصفه قطع طولي، يجمعان جسديهما

داخله وتُقبل عينيه الدامعتين…

 

_ أود أن أخبرك سراً قديما

_ قديم إلى أي مدى ؟

_ أواخر المُراهقة

_ أتظنين أنني ربما أرفض الإنصات؟

_ لو كنت مكانك سأرفض الانصات والسر معاً

_ لكنني لا أملك تلك الجُرأة على كبح الفضول ولذة الانصات إليكِ

_ يوما تشجعت وذهبت حيث الأسلاك الشائكة مع بعض صديقاتي اللواتي كن مُغرمات ببعض

الشباب من الجانب الآخر، فتبادلت الحديث مع شاب يقضي خدمته ببرج المراقبة القريب؛ كان

يريد أن تبتاع له إحداهن بعض الأطعمة من بلدتنا، فرفضن جميعا لكنني وافقت. وتكرر

الموقف  عدة مرات، وأخر مرة ذهبت قبل الرحيل لأودعه سألته عن أهم أمنياته فقال لي

السفر، قُلت له إلى أين؟، قال إلى أى جانب آخر بعيدا عن هنا. يومها تذكرتك وأنت تقول لي_ و

نحن صغار حين كنت الأقرب لديك وقبلما تسرقك أحلامك مني_ أنك تسب وتلعن رجال برج

المراقبة لأنهم يمنعوك من ولوج الجانب الآخر.

_ وأنتِ وحدك من رحلتِ

_ لم أتمن الرحيل يوما رغم جحيم الحياة بتلك البلدة

_ أكان الحب أم حب الوطن ؟

_ لا أعرف أيهما كان يجتذبني إليه اكثر لكن كل ما أعرفه أن الحُب يكمن وراء رغباتي

_ وهل انتهى الحب فرحلتِ

_ بل رحلت لأحتفظ بالحب

_ فجأة ذهبتِ وفجأة عُدتِ

_ أخبرتك

_ قبلها مباشرة

_ أُجبرت

_ ربما

_ غاضب أنت

_ بل مُعذب بالبحث. وجدتك حيث لا تتوقعين

_كيف ؟

_ في وجه زهرة تستقبل في حفاوة نيسان، على جذع نخلة، مرسومة من التقاء الظل والضوء

على صفحة ماء، في أمطار الشتاء وكآبة الخريف وقيظ الصيف، مع كل قطرة أتنشقها من

قارورة عطر جديدة، في رائحة خبز أمي، وجه القهوة في كوب، تدلي العناقيد من كرمة كريمة و

صوت العصافير قبيل الصباح.

_ جعلتك شاعراً

_ بل جعلتني مؤمناً

 

_ أتزوجت؟

_ أب لطفلتين

_ ما اسمهما ؟

_ الكبرى سميتها باسمك والصغرى باسم أمها

_ عادل !

_ بل عاشق قدر طاقتي

_ أُحبك

_ فإبق
تُجيبه بالصمت. إرتدت ثيابها وهو كذلك، وقفا متقابلين، إنسالت منه نظرة فلمح قبس من نور

كخيط رفيع يتخلل خصلة من شعرها، فلثم جبينها وطوق في رقة وشاحها حول عنقها، ولملم

شعرها من تحته وطرحه خارجا. كانت تعكس صورتيهما مرآة بها شرخ، رابضة بجوار الباب.

تركت على المنضدة علبة سجائرها الفضية. على عجلة من أمرها طبعت على خده قبلةً وتوجهت

صوب الباب.

 

 

 

عن الكاتب
نهى سليمان
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق