الآن تقرأ
لارس فون تيرير..المشاغب وقوة الجنس

بخلاف ما أعرفه عن السينما، فى أبسط تعريفاتها التى تتناولها كصورة وصوت، المشهد الأول كان شاشة سوداء، لن أقول مظلمة، أو فارغة، ولا صوت هناك.

ثم تسلل ذلك الهدير الخافت، تلاه مزيج من الأصوات أشعرتنى بالمطر، أما عن أول صورة، فلا سماء هناك، ولا مطر، أنابيب المياه الصدئة، وجدران مهترئة لأحد الأزقة، وتنزل الصورة مع الماء المتسلل بين شقوقها نحو الأرض، حيث ذلك الجسد المرتمى، الشخصية الرئيسية فى الفيلم، ومع اقتراب الصورة منها، نعم هى كانت، لعله لو كان هو لقال أشياء تختلف تماما، عما استطاع الفيلم بالفعل أن يقول، لابد أن أختلف تماما مع كل من رأى صورة الفيلم صادمة، أو مبالغ فى تعديها على

المرأة، الشخصية الذكورية على الفوركانت سيتم تأويلها إلى أشياء أخرى، ربما تتعلق بالدور، والملكية، وصراع السيادة.

المرأة، وكذلك الحال فى العديد من أفلام تِريير، والتى يناقش فيها تحديدا غرائز إنسانية موغلة فى العمق( الشر المطلق مثلا فىهى، كرمز،أقرب للطبيعة، للأرض، لذلك النداء المشترك بيننا جميعا، وأعنى جميع الأحياء، منذ أن لم نَعُ دْبعدُ كتلة بروتينة مهملة، دبت فيها الحياة لسببٍ لا بمكن لوعينا، والحال كذلك، أن يتبين إن كان باعثه من الخارج أم من داخلٍ لم نعد نذكره.

هذا ما تعلنه جو بحسم، بعد أن أنكر عليها سليجمان تصنيفها لنفسها بالشبقة، بأن ليست تلك الطبيعة التى أراد الإله المسيحى الإنسان عليها.

ربما فى ديانة لم توجد بعد.. ربما عن إله لم يعلن عن نفسه بعد

لعل هذا هو الفيلم الأكثر قابلية للاستمتاع به، نسبيا، فى الثلاثية التى يمكن بسهولة أن نربطها مع بعضها البعض من أفلام المخرج المشاغب، الغريب، الساعى، على حد قول بعض النقاد، خاصة بعد استبعاده من مهرجان كان السينيمائى منذ عامين حين ألقى دعابة اعتبرت تأييدا منه لهتلر النازى، نحو الحد الأقصى من الفشل العلنى لارس فون تريير، وهى Melancholia 2011،Antichrist 2009، وأخيرا Nymphomaniac 2013 بجزأيه والذى يضعنا تريير من خلاله أمام أكثر صور الشبق تطرفا، لكنه وبذكاء شديد يخفف من حدته، بل وربما يبرره على لسان سليجمان المتقوقع داخل شقته المتواضعة متوحدا مع حبه للكتب، والذى لا يكف عن استدعاء الطبيعة، والصيد، والشخصيات التاريخية، والفن التشكيلى، وصوتيات برامز، فيما يقاوم قسوة جو على نفسها وهى تحكى له قصتها، وقد ألقى تريير على لسانه ما بدا كاعتذار عن دعابة مهرجان كان من تفريق سليجمان بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، داخل إطار من الصور المليئة بالحيوية، والألون، وربما بعض المرح، ربما توقف تريير فى هذا الفيلم عن وخز جراح الأرواح المعذبة لمراقبة ملامح الألم وهى تعلو وجوههم، ليُظهر، أخيرا، شيئا من النضج الفنى.

من المؤكد أن تريير حافظ على الكثير مما اعتدنا عليه فى أفلامه من مشاهد الجنس الصريح الفعلى، الصادمة حتما للمشاهد، والتى تماشت مع أهدافه السابقة فى Melancholia 2011، وAntichrist 2009، والتى سعت فيما بدا نحو استكشاف كآبته الشخصية، غير أنه هنا بدا كما لو كان يسعى نحو ما هو أكثر عالمية وشيوعا، وربما أقل غرابة نسبيا.

وحتما ليس هذ فيلما عن معالجة سيكولوجية محفوظة ومكررةللشبق، إذ لا يوجد ما يمكن استخراجه من أى من شخصياته الأساسية كحل لهذا الإدمان، بل هو فيلم يستعلى بمعالجته، وبشكل خاص المشهد الذى يستعرض بطريقة احتفالية أشكال الأعضاء الذكورية التى مرت على جو على مدى مغامرتها الجنسية،فوق أحاسيس العار والخجل التى عادة ما ترتبط بمثل هذه العاطفة.

وكعادة تريير فى تقسيم أغلب أفلامه إلى مقاطع، يصلح كل منها كفيلم قصير قائم بذاته، كانت بنية هذا العمل، ولعل أقواها كان ذلك المتعلق بالزوج الذى هجر زوجته وجاء ليقيم بشكل دائم مع محبوبته جو، التى كان الحب هو آخر ما يخطر لها على بال، والذى تألقت فيه الجميلة أوما ثورمان، الزوجة المغدورة، اليائسة،والتى جائت لتُرى أبنائها فراش العهر الذى تركهم والدهم لأجله، ليتجسد وبشكل صارخ عبر هذا المقطع الإحساسبالعار، والتعرض للخيانة، وربما شىء من الشفقة المضحكة على الزوج الأبله، والمعشوقة الغير مبالية أصلا، ورد الفعل الهستيرى لكن المهذب للزوجة.

وبعد استعراض قدر كبير من مراهقة وشباب جو الحافلين بمطاردة اللذة، التى بقدر ما كانت مثيرة ومشبعة، بقدر ما كانت مؤلمة ومثيرة للإحباط، ينتهى الجزء الأول بها وهى تعلن لجيروم فقدانها للإحساس فى عضوها الأنثوى، ما كان حافزا مشوقا لانتظار الجزء الثانى، والذى استمر فى منحناه الصاعد المستكشف السابر لغور روح جو الطامحة نحو أقصى درجات الاستمتاع الحسوى، فيصل الأمر بها مثلا إلى هجر زوجها وولدها من أجل موعدها مع المعالج السادى، الذى وفر لها مستوى جديدا من الإشباع لمازوخيتها، ما يلقى المزيد من الضوء على مأزق جو الروحى، فرغبتها فى الإشباع الحسوى تتخطى، وبحسم، حاجتها للعلائق العاطفية، صحيح أن الجزء الثانى أكثر قتامة من الأول، كما أنه يعرض كل هذا بمنتهى التحرر من ثقل البراءة، والوعظ، وإطلاق الأحكام، إنه فقط يستكشف.

لامجال للتعاطف فى هذه المعالجة لمثل هذا الموضوع الشائك، والذى هو ولا بد ثقيل على المعدة العربية حتى وإن ادعت قدرا من الثقافة والتحرر، فقط جو تكرر سؤالها إن كانت شخصا جيدا أم لا، بوصلتها القيمية محطمة تماما، غير أنها فى منتهى الاعتزاز بذاتها وهويتها، كما أعلنت ذلك فى خطبتها التى انهالت بها على رؤوس زميلاتها فى جلسة علاج إدمان الجنس.

” عزيزاتى، لم يكن الأمر سهلا، لكننى أفهم الآن أننا لسنا متشابهين على الإطلاق، ولن نكون، لست مثلكن، تمارسن الجنس لإثبات الصلاحية، ولقد حصلتم عليها حين رغب أحدهم أن يمارس معكن الجنس أول مرة، وقد بلغتم ذروة إشباعكم منذ زمن، وما إدمانكن للجنس إلا لرغبتكم القميئة فى الامتلاء بأى شىء كمحاولة لإخفاء احتقاركن لذواتكن، وهذا التعاطف المزيف المتبادل بينكن ما هو إلا غطاء لكونكن فى الحقيقة جزء من الشرطة الأخلاقية المجتمعية، والتى تسعى لمحو أمثالى من الوجود، لكى لا تشعر البورجوازية بالامتعاض، لست مثلكن، أنا شبقة، وأحب نفسى لكونى كذلك، وفوق كل شىء أحب شهواتى الدنيئة القذرة.”

وبعد أن تركتهم مصدومين، ازداد توغلها نحو الجانب المظلم، لتعمل لحساب أحد جامعى الديون، ونظرا لخبراتها الجنسية/الإنسانية الواسعة كانت فى قمة آدائها الوظيفى، خاصة ذلك المشهد المهيب حيث استخدمت مهاراتها النفسية فى الكشف عن ميل أحد ضحاياها لحب الاطفال، ما دفعه للانهيار ودفع المبلغ المطلوب.

كنت أسائل نفسى طيلة مشاهدتى لجزأى الفيلم” كيف سينتهى الأمر؟”، هذه الرحلة السينيمائية المثيرة والشجاعة، والتى أكدت أن تريير مخرج لا يعرف الخوف، ولا ترهبه الاعتبارات المجتمعية، وأنه على استعداد لخوض ما قد يراه المخرجين الأخرين انتحارا سينيمائيا،والتى قدمت لنا امرأة تعلن أن الجنس هو الغريزة الأقوى لدى البشر، كما هى الأشد إثارة للحيرة، وفى مقابل قسوتها ومركزية خبراتها الشخصية، يدافع عنها سليجمان، بقراءاته الموسوعية، وشاعريته المخنثة، والتى تكشَّفت فى النهاية عن وجه قبيح حين حاول مضاجعتها بعد أن نامت، متعللا بأنها فعلت ذلك مع آلاف الأشخاص، هنا عادت الصورة إلى سواد البداية، لكنه سواد حمل إصرار جو على المضى فى طريقها، وكانت هذه أول مرة، بالنسبة لى، أرى فيها هذا فى فيلم سينيمائى، فى مشهدين، إن صح التعبير، بلا صورة، فقط الأصوات تخبرنا أن جو قتلت سليجمان، والفضل له أن شرح لها لماذا لم يعمل المسدس أول مرة، ثم قتلت جيروم والفتاة التى تركها من أجلها، بل واعتدى عليها بالضرب، ما ألقاها دامية فى أول ظهور لها بالفيلم.

ما باليد حيلة إذا، صار الأمر بهذه النهاية عصيا على التأويل، يقترح العودة إلى أول الفيلم مرة أخرى، ولنقبل حكاية جو بالكلية، أو نرفضها بالكلية، لكننا لن نستطيع حتى أن نناقش واقعية القصة من عدمها.

عن الكاتب
هانى قربة
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق