الآن تقرأ
عصر الظلام – مصر في العهد العثماني (5/7)

لم يلبث أن تزين المماليك، بعد هزيمتهم من العثمانيين وإعدام سلطانهم، بزي العثمانلي ورطنوا بلسانه واشتغلوا تحت رايته واتحدوا معه في نهب ثروات هذا الشعب المسكين، وفي ذلك يقول د/حسين مؤنس في كتابه “الشرق الإسلامي في العصر الحديث”.

“بهذا ساد الإنكشارية والمماليك، فأما الأولون فقد استهواهم النوم الذي استولوا على سيدهم، وبدأ الكسل يطغى عليهم، وأما الآخرون – أي المماليك – فلم يكن ممكنًا أن يهدأ أمرهم، إذا أنهم لم يكونوا كالانكشارية خدمًا لسيد واحد، وإنما كانوا عبيداسيوفهم ترفعهم إلى مراتب الأحرار وعروش الملوك، فكانوا يحاذرون النوم مخافة أن يؤخذوا على غرة، وقامت بينهم المنازعات واتخذوا المزارع والأسواق ميادين لها فانقطعت عن الرعية موارد الرزق، ولم يبق أمامها إلا أن تقنع من العيش بالكفاف، وبدأت الأمراض والطواعين تفتك بها، وانتهى بها الأمر إلى حال من السوء ما عليها من مزيد”.

فقر وجوع

كانت نتيجة هذا التحالف المملوكي الانكشاري في السطو على ثروات مصر أن تكاثرت على البلاد الأوبئة والمجاعات، والحكايات في هذا الأمر لا تحصى، منها ما يرويه د/عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه “فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني”، حيث يقول:

وفي عامي (1106 هـ – 1107 هـ / 1694 – 1695)، اشتد غلاء الأسعار، وزادت حدة الأزمة الاقتصادية، وتأثر مجتمع القاهرة بها كثيرًا، حتى باع الناس أولادهم، وهجروا ديارهم”، وهي الأزمة التي يحكي تفاصيلها المؤرخ “يوسف الملّواني” الشهير بابن الوكيل في كتابه “تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب”.

“وفي يوم خامس عشر من محرم 1107 هـ / 26 أغسطس 1695 اجتمع جميع الشحاذين والفقراء الذين بمصر (القاهرة) من رجال ونساء وصبيان وطلعوا إلى القلعة ووقفوا بحوش الديوان وصاحوا جميعًا: يا مولانا الوزير نحن جيعانين من شدة الغلاء، فلم يرد عليهم أحد جواب، فأخذ الفقراء الأحجار ورجموا بها من في الديوان، فضرب الوالي الفقراء وطردهم فنزلوا إلى الرميلة فنهبوا جميع الحواصل التي بها من قمح وشعير وفول وغيره ونهبوا وكالة القمح وحاصل كتخدا الباشا وكان ملأنًا بالشعير والفول وكانت هذه الواقعة ابتداء الغلاء في جميع المأكولات، وحصل للناس بسبب الغلاء شدة شديدة في مصر وأقاليمها حتى أن غالب أهل البلاد والأرياف جاءوا من بلادهم وأتوا إلى مصر (القاهرة) وامتلأت حارات مصر وأزقتها بهم والأسواق واشتد الكرب حتى أكل الناس الجيف وافتقرت الأغنياء من أهل مصر ومات كثير من الناس جوعًا بحيث امتلأت الأزقة من الأموات وهلك أهل القرى حتى صار المسافر يمر بالقرية فلا يجد فيها من أهلها إلا القليل وتوجد الدور مفتحة الأبواب وأهلها داخلها ميتين، وصار الفقراء يخطفون الخبز من الأسواق ومن على الرؤوس ومن الأفران وإن كل من أراد أن يخبز خبزًا في الفرن لا يمضى إليه إلا ومعه رجلان في أيديهم العُصي يحرسونه من خلفه لئلا يُخطف الخبز، واستمر الأمر كذلك إلى أن عُزل “علي باشا” (الوالي).

ومنها ما يرويه شيخ المؤرخين “عبد الرحمن الجبرتي” في تاريخه المعروف باسم “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” في عدة مواضع.

ففي العام 1198 هـ / 1784 م: “انقضت هذه السنة كالتي قبلها في الشدة والغلاء وقصور النيل والفتن المستمرة وتواتر المصادرات والمظالم من الأمراء وانتشار أتباعهم في النواحي لجبي الأموال من القرى والبلدان وإحداث أنواع المظالم، حتى أهلكوا الفلاحين وضاق ذرعهم واشتد كربهم وطفشوا من بلادهم، ثم مد الجباه أيديهم إلى المواريث، فإذا مات الميت أحاطوا بموجوده سواء كان له وارث أو لا، وصار بيت المال من جملة المناصب التي يتولاها شرار الناس بجملة من المال يقوم بدفعه في كل شهر (كانت الوظائف تُشترى بالمال)، فحل بالناس ما لا يوصف من أنواع البلاء، وفسدت النيات وتغيرت القلوب ونفرت الطباع وكثر الحسد والحقد في الناس لبعضهم البعض، فيتتبع الشخص عورات أخيه ويدلي به إلى الظلم حتى خرب الإقليم وانقطعت الطرق وعربدت أولاد الحرام وفقد الأمن ومنعت السبل وجلت الفلاحون من بلادهم من الظلم وانتشروا في المدينة بنسائهم وأولادهم يصيحون من الجوع ويأكلون ما يتساقط في الطرقات من قشور البطيخ وغيره، فلا يجد الزبال شيئًا يكنسه، واشتد بهم الحال حتى أكلوا الميتات من الخيل والحمير والجمال، ومات الكثير من الفقراء بالجوع”.

“ودخلت سنة 1207 هـ / 1792 م: استهل شهر محرم بيوم الخميس، والأمر في شدة من الغلاء وتتابع المظالم، وخراب البلاد وشتات أهلها، وانتشارهم بالمدينة حتى ملأوا الأسواق والأزقة رجالاً ونساءً وأطفالاً، يبكون ويصيحون ليلاً ونهارًا من الجوع، ويموت من الناس في كل يوم جملة كثيرة من الجوع. وآل الأمر إلى أن صار الناس يفتشون على الغلة فلا يجدونها، وشحت النفوس، وكثر الصياح والعويل ليلاً ونهارًا، فلا تكاد تقع الأرجل إلا على خلائق مطروحين بالأزقة، وإذا وقع حمار أو فرس تزاحموا عليه، وأكلوه نيئًا ولو كان منتنًا، حتى صاروا يأكلون الأطفال، ولم يبق بالأرياف إلا القليل من الفلاحين وعمهم الموت والجلاء”.

وأما صاحب “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، فقد نقل قول القائل

لو نطق النيل قال قولاً                  يشفي به غاية الشفاء

قد كثر الجور فاعذروني               لما توقفت في الوفاء

أوبئة وطواعين

كثيرًا ما فتكت الأوبئة والطواعين بأهل مصر في العهد العثماني، نتيجة لانحطاط مستوى الرعاية الصحية والتخلف الحضاري الذي أصاب البلاد.

يروي صاحب كتاب “تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب”:

وفي سنة 1125 هـ / 1713 م،” وقع طاعون عم مصر وأقطارها وكان ابتداؤه من أول محرم سنة 1125 هـ”

بينما يروي الجبرتي في تاريخه:

واستهلت سنة 1171 هـ / 1757: وفي تلك السنة، نزل مطر كثير سالت منه السيول وأعقبه الطاعون المسمى بقارب شيحة، الذي أخذ المليح والمليحة. مات به الكثير من الناس المعروفين وغيرهم ما لا يحصى ثم خف وأخذ ينقر في سنة 1172 هـ وكان قوة عمله في رجب وشعبان”.

“واستهلت سنة 1205 هـ/1791 م: “وفي شهر جمادي الأولى كان ابتداء أمر الطاعون وداخل الناس منه هم عظيم. وفي شهر رجب، زاد أمر الطاعون وقوي عمله بطول شهر رجب وشعبان، وخرج عن حد الكثرة، ومات به ما لا يُحصى من الأطفال والشبان والجواري والعبيد والمماليك والأمراء، حتى كانوا يحفرون حفرًا ويلقونهم فيها، وكان يخرج من بيت الأمير في المشهد الواحد الخمسة والستة والعشرة، وازدحموا على الحوانيت في طلب العدد والمغسلين والحمالين، ويقف في انتظار المغسل أو المغسلة الخمسة والعشرة ويتضاربون على ذلك، ولم يبق للناس شغل إلا الموت وأسبابه، فلا تجد إلا مريضًا أو ميتًا أو عائدًا أو معزيًا أو مشيعًا أو راجعًا من صلاة جنازة أو دفن، أو مشغولاً في تجهيز ميت، أو باكيًا على نفسه موهومًا، ولا تبطل صلاة الجنائز من المساجد والمصليات، ولا يصلي إلا على أربعة أو خمسة أو ثلاثة، وندر جدًا من يشتكي ولا يموت، فيكون الإنسان جالسًا فيرتعش من البرد فيدثر فلا يفيق أو يموت من نهاره أو ثاني يوم”.

وقد نقل “ابن إياس” قول القائل:

نبكي على مصر وسكانها           قد خربت أركانها العامرة

وأصبحت بالذل مقهورة             من بعد ما كانت هي القاهرة

ولولا ضيق المساحة هنا، لذكرنا المزيد من الحكايات الواردة في هذا الشأن، والتي قد لا تسعها مجلدات كبرى، وإن جئنا بمثلها مددا.

وللحديث بقية…

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق