الآن تقرأ
مشكلة البيئة وعلاقتها بالتقسيم الدولي للعمل

د / إسلام جمال الدين شوقي

أشياء كثيرة بدأت تذوب ، وتنصهر في النظام العالمي الآخذ بالتشكل منذ عقود ، فقانون القيمة أصبح عالميًا والسوق عالميًا والسعر عالميًا ورأس المال عالميًا وأصبحت الثقافة عالمية ، وها هي الشركات العالمية والمنظمات العالمية ، وها هي مشكلة البيئة تصبح جزءً من العالمية ، ولتصبح أكثر المشاكل العالمية إلحاحًا والأكثر تشابكًا بين دول وأمم العالم ، والتي لا يمكن النظر إليها إلا من منظور عالمي.

إن مشكلة البيئة ليست مشكلة محلية فحسب ؛ وكأن المواد الضارة والملوثة تقف عند الحدود الإقليمية للدولة ، بل علينا أن نأخذ بالحسبان الآثار العالمية للسياسة البيئية التي يمكن أن تنتقل عبر التجارة العالمية أو غيرها من قنوات العولمة.

إن التقسيم الدولي الحالي للعمل هو بعبارة بسيطة أن البعض يتخصص بالربح ( البلدان الصناعية المتقدمة ) ، والبعض الآخر يتخصص بالخسارة ( البلدان النامية) ، ولقد تسارع بيع الثروات الخام الطبيعية في العقود الأخيرة ، وبشكل خاص بعد أن أصبحت هناك سهولة في عمليات النقل والاتصال .

وبعد التطور الكبير في وسائل المواصلات فتطور البنية التحتية للمواصلات أثر تأثيرًا سلبيًا على نوعية البيئة لسببين جوهريين:

الأول ؛ التسارع الكبير في استخراج ونقل الثروات الطبيعية ، أي تسارع عمليات تدمير البيئة ، والثاني انهيار الأسعار الناجم عن الفائض في عرض الثروات الباطنية والسلع الطبيعية في السوق العالمية.

لقد أدّى التطور السريع لوسائل النقل والمواصلات إلى تطور آلية التقسيم الدولي للعمل لصالح البلدان الصناعية المتقدمة ، حيث تتمركز الشركات العالمية العملاقة ، وتتوزع فروعها في مختلف أرجاء المعمورة.

حتى بداية السبعينيات والثمانينات كانت البلدان النامية تظن أن موقعها السيء ضمن إطار التقسيم الدولي للعمل مجرد ظاهرة مرافقة لعصر الاستعمار، وبالتالي فإن التحرر من الاستعمار سيقود بشكل أتوماتيكي إلى تحسين موقع هذه البلدان في التقسيم الدولي للعمل ، وعلقت هذه البلدان آمالاً عريضة على منظمة الأمم المتحدة التي تشكل البلدان النامية الأغلبية العددية فيها .

ففي الوقت الذي بدأت فيه منظمة الأمم المتحدة تخسر الكثير من ثقلها ، وتأثيرها الدولي مقارنة ببداية عهدها ، وعندما تمكنت دول الأوبك عام 1973 من رفع أسعار النفط اعتقد السياسيون والمفكرون في البلدان النامية بأن وضع المصدرين للخامات الأولية قد أصبح بخير ، وأن البلدان الصناعية المتقدمة المتعطشة للموارد الأولية الخام ستصبح في موقع التبعية للبلدان النامية المصدرة للمواد الأولية الخام ، لكن الوضع لم يكن كذلك فبعد مرور مدة من ذلك التاريخ ( أزمة النفط عام 1973) لم يستطع مصدرو المواد الأولية الخام أن يحسنوا اقتصادياتهم في شيء ، وإنما حصل العكس وانهارت الآمال وأصبح الوضع أكثر سوءً.

لقد رفع التقسيم الدولي للعمل الإنتاجية بشكل إجمالي ، وقاد هذا الارتفاع في الإنتاجية إلى استنزاف ، ونهب الثروات الطبيعية للبلدان النامية ، فبماذا تستطيع البلدان النامية أن تسدد فوائد وأقساط عربونها ؟ إنها لا تمتلك في الغالب سوى الموارد الطبيعية تبيعها في السوق العالمية ، وبشكل جزئي تبيع هذه البلدان هواءها وماءها وأرضها للبلدان الصناعية المتقدمة، فعندما يقوم الأمريكيون أو الأوربيون أو اليابانيون بنقل أو بالأحرى تهجير صناعاتهم الملوثة للبيئة إلى البلدان النامية ، أو عندما يقومون بدفن نفاياتهم الملوثة للبيئة في أراضي هذه البلدان فإن ذلك يعني أن البلدان النامية تبيع أرضها وماءها وهواءها.

لقد بلغ حجم التدفق الصافي من البلدان النامية إلى البلدان الصناعية المتقدمة في السنوات الأخيرة منذ عام 2000 مائة مليار دولار سنويًا ، والقسم الأعظم من هذا المبلغ هو من أجل خدمة الديون ( الفوائد ) فقط ، ويتم تحصيل هذه المبالغ بأغلبيتها عن طريق بيع الخامات الطبيعية المعدنية وغير المعدنية ، أي أن خدمة الديون وأقساط الديون نفسها تسدد عن طريق بيع الثروات الطبيعية ، أي من خلال استنزاف الموارد البيئية في هذه البلدان.

وختامًا فإنه من وجهة نظري يمكن القول أن المشكلة الأولى في البلدان النامية هي ليست مشكلة البيئة أو مشكلة الزيادة السكانية ، وإنما المشكلة الأولى هي فشل التنمية الاقتصادية في هذه البلدان ، والمشكلة البيئية هي في قسمهما الأعظم إفراز للاخفاقات التنموية في هذه البلدان.

 

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق