الآن تقرأ
عصر الظلام – مصر في العهد العثماني (6/7)

العمارة:

ازدهرت العمارة في عهد الدولة المملوكية المستقلة ازدهارًا كبيرًا، وأبدع الفنان المصري فيها إبداعًا يفوق الوصف. قال المؤرخ “أحمد حسين” في موسوعته التاريخية:

“يقول أمين باشا سامي وهو يغلق كتاب المماليك: ومن راجع مدة سلطنتهم على الديار المصرية يجد أنهم أنشأوا بها عمائر شتى من قناطر وجسور ومدارس كثيرة بها مكتبات فيها كتب قيمة ومساجد وجوامع وأوقفوا عليها الضياع وغيرها مما يقوم بسيرها سيرًا حسنًا. وهي في متانة بنائها كالأهرام كجامع السلطان حسن وجامع قلاوون وغيرهما. وترفت العمارات وأتقنت في عصرهم النقوش والزخارف العربية اتقانًا فائقًا، وبالجملة فقد سعدت البلاد في مدتهم وترقت أدبيًا وماديًا كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته في عدة مواضع”.

ورغم انعزال الشعب المصري عن السياسة وأمور الحكم في عهد دولة المماليك المستقلة، إلا أن هذه العزلة لم تمنعه من الإبداع، ومن تشييد الصروح العظيمة التي ما زالت تبهر العالم حتى يومنا هذا. يقول صاحب كتاب “الشرق الإسلامي في العصر الحديث”:

“بيد أننا لابد أن نذكر أنهم – أي المصريين – قد قاموا في هذه العزلة بأخلد ما يذكر لهذه الأيام، فبنوا العمائر الفخمة، وصنعوا الطرف الثمينة وحملوا لواء الحضارة المادية ورفعوه عاليًا رفيعًا، وجعلوا من ذلك العصر المملوكي أوج الفن الإسلامي في الصناعة والهندسة والتصميم والزخرفة والنسيج”.

ويقول الأستاذ “جمال الغيطاني” في كتابه “تجليات مصرية”:

“خلال الدولة المملوكية المستقلة أبدعت الجماعة المصرية أروع ما في مكنونها، في العمارة، في الأدب، في الموسيقى. لقد تحققت الخصوصية المصرية رغم أن حكام البلاد كانوا رقيقًا وافدين، لكن يجب ملاحظة أن هؤلاء وفدوا على مصر أطفالاً صغارًا، تربوا فيها وتعلموا على أيدي علمائها وشيوخها، أي أن تكوينهم كان مصريًا”.

ويستطرد:

“وبدأ الزمن العثماني، وشمل القاهرة تغييرات عديدة، ظهر الطابع العثماني في العمارة، وانتصبت المآذن النحيلة في الفراغ فوق المساجد التي أقيمت في هذا الزمن، المآذن الخالية من الزخرف”.

وتحت عنوان “عمارة الوهن”، يروي:

“وعرفت مصر خلال ظلام الاحتلال العثماني أسود مراحل تاريخها، أهينت وانكسرت أرواح المبدعين المصريين بعد أن نهب السفاح العثماني حضارة كاملة”.

ويتحدث الأستاذ الغيطاني عن مسجد المحمودية في القاهرة كنموذج للعمارة العثمانية الفقيرة مقارنة بالعمارة المملوكية الثرية التي ازدهرت في زمن الدولة المستقلة، فيروي في “تجليات مصرية”:

“ها أنا ذا اتجه إلى مسجد المحمودية، بناه الوالي محمود باشا (تولى سنة 973 هـ / 1566 م)، وكان عسوفًا، غشومًا، تصفه المصادر المعاصرة بأنه كان ظالمًا، شديدًا، جائرًا في أحكامه، وقد استولى على أموال كثيرة من الناس، ولاقى حتفه في مصر ودُفن بها، والمسجد نموذج للعمارة المصرية في أزمنة الهوان وسيادة الأجنبي”.

“كانت مصر بعد الغزو العثماني قد أصبحت ولاية تابعة كأنها محافظة صغيرة، وهذا في رأيي من كوارث الدهر. كان الولاة العثمانيون الغلاظ يعينون من السلطان العثماني الذي تحول مع الزمن إلى خليفة بفضل فتاوى وتبريرات العلماء المنافقين وفقهاء السلطان، كان الولاة يجيئون إلى مصر ليحكموا بلدًا لا يعرفونه، همهم الأول أن ينهبوا أقصى قدر من الثروة في أقل مدة لأنه مؤقت”.

“المسجد نموذج لعمارة التحول من الطراز المملوكي المعبر عن الشخصية المصرية زمن استقلاليتها إلى الطراز العثماني”، “لا هو مدرسة ولا هو مسجد، الجدار الشرقي يتوسطه محراب بسيط عار من الزخرف، أجرد، هذا هو وهن الروح المبدعة”.

“فوق المحراب الفقير نافذة من جصى، بجواره منبر من الخشب، له درابزين من الخشب الخرط، كل التفاصيل توحي بالفقر؛ الفقر الإبداعي، باستثناء شبابيك من زجاج معشق بالخص، ألوانه جميلة ولكن أين ذلك من نوافذ المارديني والإسحاقي وقايتباي؟!”

“نرى القاعدة الأسطوانية التي تنبثق منها المئذنة عثمانية الطراز، الخالية من الزخرف، مئذنة القلم الرصاص وتبدو واضحة في شكلها العثماني الجاف الذي يذكرنا بحراب الحرب وليس بالسمو”.

“القاعدة الأسطوانية تحت المئذنة مقتبسة من السلطان حسن، مرة أخرى، ما أبعد الفارق!، لا يمكن المقارنة، لا في الهيبة ولا في الحجم، المئذنة قريبة من الطراز العثماني، القبة قاعدتها جميلة، لكن القاعدة لا تتناسب مع القبة، لم أعرف قبة بهذا الهزال والفقر، كأنها برتقالة جفت، هذا طبيعي، فمصر المبدعة لم تعد في هذه الأزمنة هي مصر المملوكية المستقلة، فلنقارن بالبصر بين ثراء وروعة قبة قاني باي الرماح على بعد أمتار، وبين فقر قبة محمود باشا، قبة تخلو من أي زخرف، وفي لوحات الخط الجميلة، والنوافذ الجصية المعشقة بالزجاج الملون، نرى انتفاضات الروح المصرية، كذلك نرى انطفاءها في هزال البنيان، لا شيء يكسر روح المصريين إلا الإهانة والعسف وجهل القائمين على أمورها بقيمتها وقيمة شعبها”.

ويستطرد قائلاً:

“إن المساجد والتكايا والزوايا والخانات وما تبقى من عصور مختلفة، ليست عمارة من أحجار وزجاج وخشب وجص وما تيسر، إنها تاريخ حي ماثل أمامنا”

“تاريخ لمراحل الصعود”

“ولمراحل الانهيار”.

وللحديث بقية…

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق