الآن تقرأ
أبحث عن شروق الشمس – قصة قصيرة‎

الاثنين 23فبراير

“صوت المحمول”

تخرج نغمات ذلك الجهاز من داخله , تقفز الواحدة تلو الأخرى على “مرتبة سوست” تظل تقفز وتقفز في طابور منتظم وموجة عرضية عالية التردد , يقتربون في حركات القفز تلك من رأس أحدهم تغط في السبات العميق, تلك رأسي التي ترسو على وسادة صخرية فوق تلك المرتبة المتعِبة , تدخل نغمة منها تلو الأخرى داخل الحفرة اليمنى لرأسي , تتوغل رويدا رويدا حتى إذا ما وجدت غشاء طبلتي دقت عليها بعنف شديد , فيستيقظ صاحب الرأس منزعجا من ذا الذي يقرع الطبول في بيته , ينزعج عقلي ليصدر أوامره لباقي الأجهزة معلنا حالة التأهب والطوارئ.

أغلق عيناي بشدة ثم أفتحهما لوهلة مرارا وتكرارا , أفركهما بشدة , زحفت راحة يدي تشق صحاري المرتبة ببطء شديد حتى تصل لذلك الجهاز وتخرسه, أمسكَتْ به تريد أن تسحقه لكن أمرا جاء من الأعلى يأمره بالنظر في شاشته أولا ,

نظرت عيناي في شاشة المحمول , كان رقما غريبا , متصل غريب لا أعرفه , نظرت في ساعتي وجدتها الرابعة و ثماني واربعين دقيقة , كان الظلام حالكا فاستنتجت أننا وقت الفجر , وتأكدت حينما سمعت صوت المؤذن يدق على غشاء طبلتي الآخرى ,

أمرت إبهامي بالزحف نحو الزر الأخضر والقفز عليه , رددت على المتصل , هذه المرة  تسلل صوت ذو موجة عرضية جميلة التردد

 

–         صباح الخير

–         صباح الخير

–         قوم اصحى يلا صلي الفجر

–         مين معايا !

–         ههههههه أنا المنبه بتاع حضرتك

–         اها طيب هقوم اصلي الفجر اهو

 

أغلقت الخط وأنا كلي ثقة بأني لا أعلم من المتصل , غير أنها أنثى ذات صوت جميل , وميزتي أنه اذا ما تحدثت مع أحد لا أعرفه فإني أجاريه دائما مدعيا معرفتي به , لكنها لابد وأنها تعرفني حق المعرفة حتى تتجرأ وتوقظني فجرا لأداء الصلاة .

أدركت اني قد أكون لازلت تحت تأثير النوم

نهضت من على المرتبة القابعة على الأرض , وهناك إحساس ينغص على تفكيري , هناك شئ ما أود معرفته حقا , هناك إحساس بالفضول يجتاح حيز التفكير في رأسي , نظرت حولي أبحث عن الإضاءة , أضأت كشاف المحمول الذي وجدته باحثا عن زر إضاءة في ذلك الكهف , حين وجدته طارت يدي دون الانتظار وأخْذ الإذن مني نحو الزر وضغطت عليه , حين أضيئت الغرفة اجتاحت أشعة النور عيني , أغلقتها من الألم , وحاولت حمايتها بمعصمي وكفي الأيمن , مر الوقت طويلا حتى تكيفت عدساتي مع كمية الإضاءة المفاجئة , فتحت عيني ,

أنا لا أعلم أين أنا ! , غرفة بها دولاب طراز ايديال قد يكون من الثمانينات , أغراض مبعثرة هنا وهناك , أوراق , كتب , المرتبة التي كنت استلقي عليها على الأرض ,فوقها بضع قطع من الملابس المتناثرة , بطانية , ووسادة صخرية

نصف الحائط من السيراميك المتصل بالأرضية , هناك حوض يشبه أحواض المطبخ المعدنية وعليها أطباق وأكواب , بجوار الحوض طاولة تعلوها قطعة من الرخام الأبيض .

الآن، أنا أعلم أني في مطبخ في مكان ما , لكن ماهو وكيف ومتى أتيت هنا , طمأنت نفسي بأنه لابد من أنه التعب قد نال مني وتلك ظاهرة طبيعية أن تستيقظ من نومك دون معرفة أين أنت .

أتى إلى صوت المؤذن مرة أخرى معلنا قيام الصلاة , توضأت من حوض المطبخ ذاك وتحسست طريقي للخروج من الغرفة والاتجاه صوب باب المكان أيا كان هو , أتعامل مع الأمر كانه مكرر , لابد أنه يحدث لي أحيانا , خرجت من المكان واكتشفت بأنها شقة في الطابق السفلي , نزلت خمس درجات تحديدا لأجد نفسي في الشارع , تتبعت صوت الإمام لأصل إلى المسجد , دخلت وأديت الصلاة , سلم الإمام على جنبيه فسلمت , إلى الآن أنا لا أتذكر أين أنا , اقتحم عقلي فضول آخر أشد من ذي قبل , وجدت نفسي أسأل سؤالا لنفسي, سؤالا أصابني بالدهشة

من أنا ؟! , من أكون أنا , أنا لا أتذكر اسمي !

حاولت إقناع نفسي بأن السؤال يقبع داخل ظاهرة التعب , قد لا أدرك أين أنا لكن عدم معرفة من أكون قد تكون الفاجعة .

الأحد 15 فبراير

اليوم حافل بتلك الحصص المتكدسة بطالبات الثانوية العامة, إنها العاشرة صباحا الآن, مهمتي هي إعادة هيكلة المركز وإعادته إلى حالته الطبيعية , فمع انتهاء كل يوم ومع تدافع الطلبة للدخول والخروج ينقلب المكان رأسا على عقب ,يمتلئ بغبار أحذيتهم وروائحهم النفاذة وأوراقهم المتقطعة وأقلامهم الفارغة , حتى أنهم يتركون أثرا لعقولهم التافهة أحيانا.

الساعة الآن الثانية عشرة إلا خمس دقائق , أجلس أمام شاشة اللابتوب منتظرا تدوينة جديدة من أحدهم

انتظر نتائج رقصات أصابعها على لوحة المفتايح وما ستخرجه تلك الرقصة من إبداع في التعبير , انتظر تدوينة شمس

شمس هي تلك الفتاة الجريئة التي  أتمنى رؤيتها , ليس ببصري بل بقلبي

أجلس منتظرا مقالها اليومي , تستطيع الكتابة عن أي شئ كان , لا أتذكر أول مرة قرأت لها , لكنني أعلم أنني أتمنى أن اقرأ لها كل يوم وكل ساعة , لا أراها سوى بضع من المرات كل شهر في الجامعة , هي تلك الوردة البنفسجية النضرة

جميلة وجريئة, مرحة وعقلانية , تنعكس تلك الشخصية في كتابتاها وتظهر واضحة جلية لكن ليس لأي قارئ , فقط من يقرأ لها بقلبه قبل بصره .

الساعة الثانية عشرة والنصف , لماذا لا أرى مقالة اليوم , ترى ماذا حدث , لا أريد الانتظار ولا أحبه , بدأت أعصابي بالتوتر وصار قلبي يضرب نفسه بأضلع القفص , أغلقت اللابتوب كي أهدأ قليلا

-ايه ياعم أحمد أنت كل يوم عالموال ده

-عايز ايه يا طه

-عايز سلامتك يا حبيبي , يابني مانا قلتلك روح قلها ترد عليك وتنجز , أنت قلتلها بحبك دي من ييجي 3 شهور

-طب ما اروح أخطفها أسهل , غور ياض من هنا عايز أشوف شغلي

-شغل ايه يابو شغل , قوم ادي السنتر وش تسييق كدة في حصة الساعة 1

حصة الساعة الواحدة لم تكن كأي حصة , تجمع طالبات الصف الثالث الثانوي لمادة التاريخ هو أشبه بمؤتمر نسائي ممل يقام عندي في هذا الوقت من كل أسبوع , جيل جديد يصغرني بخمس سنين من التغيرات الكاملة والتكنولوجيا

وبسبب تأخر مدرس التاريخ دائما ما تقلب القاعة لمعرض أزياء أحيانا أو مؤتمر عام للنمّ على تلك وعلى ذاك , كلهن كن مزعجات في المشي وفي الملبس وطريقة التعامل والنظرات , إلا عبير , فقد كانت دائما مختلفة , هادئة الطباع هادئة الجمال , صوتها وعيناها منخفضين دائما يتوجهان ناحية الأرض .

كلما أتى اليوم الذي أرى فيه عبير أتذكر نفسي قبل ثلاثة أشهر كنت يائسا عابسا لا أرى في الحياة فرحا أو حزنا ,كنت فارغا بحق , كل تفكيري كان منصب على شيئين , العمل دون هدف , أو محاولة التقرب لشمس

 

ثم رأيت عبير بهدوئها , على الرغم أنها لا تشبه شمس أبدا إلا أن هدوئها يذكرني بشمس كثيرا

-يابني قوم يابني امسح السنتر

-قايم ياصفار البيض قايم , الواحد ميعرفش يستكنيص أبدا

-بقولك ايه عبير دي عينها منك ياض يا أحمد

-ما تحترم نفسك ياض , وبعدين تبص لمين ياهبل دي خلقة يتبص عليها

-خلاص ياعم انا غلطان خليك قاعد كدة سرحان في شمس , دي حتى برة الأرض وبعيدة عنك

-اقسم بالله لو ما سكت لاسيق وشك مع ارضية السنتر

صديقي طه, مستفز دائما , وعلى حق دائما

 

الساعة الواحدة والربع

يدخل أعضاء المؤتمر النسائي واحدة تلو الأخرى , وأنا على لساني بضع كلمات , اسمك ايه , معيش فكة, طب ابقى خدي الباقي وانتي خارجة, الأستاذ زمانه جاي, خشي قاعة ثلاثة ….. الخ

الساعة الواحدة والنصف , عبير لم تاتي بعد , ليست عادتها التأخير هكذا , ومالي انا بها , سالقي نظرة على المدونة

ألقيت تلك النظرة مرة أخرى لترتفع ضربات قلبي أكثر , لم تكتب شمس مقالتها بعد , وأنا متوتر حائر أفكر ترى لِم لَمْ تفعل لِم لَمْ تنشر جرعة اليوم , أصبحت أدمنها وأدمن مقالاتها , اتابعها يوميا طيلة شهرين , أشعر دائما انها توجه كلماتها إلى واتمنى أن تكون حقا تقصد ذلك.

تمر ساعة تلو الأخرى وانا مسمر أمام الشاشة , طه أخذ وظيفتي اليوم في تنظيم الحصص  وتسجيل الطلاب

وأنا جلست على مرتبتي في المطبخ أنظر لشاشة اللابتوب دون أن أغفل , أحدث الصفحة باستمرار

ومع كل مرة أحدث فيها الصفحة أدعو ربي ان تظهر مقالتها , وكلما طالت المدة كلما زاد توتري وخفقان قلبي .

 

الساعة الآن العاشرة مساءا ولازلت لا أرى المقالة , انتقلت من حالة التوتر إلى حالة الغضب

كيف لها ألا تقدر قلقي عليها , كيف لها ألا تقدر شغفي بها , كل ما كنت أسمعه منها بأنها لا تريد أن تخذل أحدا , لا تريد أن تضع نفسها في موقف كهذا , أنانية منها أن تفكر في موقفها ولا تفكر في موقفي أنا , كلما طالت المدة بين المقالة والأخرى كلما شعرت بقلة قيمتي , ليس ذنبي فما أشعر به لا أتحكم به ,

الساعة الثالثة صباحا , اختفى شعور الضيق لدي , وبدأ الفراغ القاتل يجتاحني , وكل ما يجول برأسي جملة واحدة

لابد أنني لاشئ .

الساعة الخامسة صباحا

أكملت ثلاثا وعشرين ساعة مستيقظا على حالتي تلك , بدأ التعب والإرهاق يجتاحني وبدأت الغفوات تغزوني لدقيقة أو اثنتين , حدثت الصفحة لآخر مرة كمدمن شارف على الموت وأمله في تلك الجرعة التي قد تبقيه حيا

وكأي مدمن له سقف من الصبر , أغمضت عيني رغما عني وأنا أصارع الجفون بالبقاء عاليا , لكنني لم استطع محاربتهما

الاثنين 23 فبراير – الساعة السادسة صباحا

لازلت لا أذكر من أنا حقا – خرجت من المسجد وكان الضوء بدء يتخلل السماء ومعالم المكان تظهر شيئا فشيئا

أنا أعرف هذه المباني جيدا , تلك الشوارع والبيوت أعرفهم جيدا , في باطن عقلي أعرفهم , لكنني لا اتذكرهم

دخلت من باب العمارة ووقفت أمام باب الشقة , كلمة المركز التعليمي ملصقة على الباب , لا يمكنني الاندهاش الآن لأن حالة الاندهاش تلازمني منذ استيقاظي , كيف سأفتح الباب , خرجت ولم انتبه أنني لا أملك المفاتيح , لابد أنني لا أنتمي لهذا المكان , وجدت نفسي أمد يدي داخل علبة الكهرباء المعلقة بجانب الباب , وجدت بها مفتاحا لابد أنه لذلك الباب , باب لا أعلم كيف دخلت وخرجت منه , فتحت الباب وتجولت بالداخل , 4 غرف سميت بالأرقام , قاعة 1,2,3,4

استنتجت انه مركز للتدريب أو استضافة الدروس الخصوصية , دخلت ذلك المطبخ مرة أخرى , فتحت الدولاب الحديدي علي أجد شيئا ذا قيمة يخبرني من أنا وأين أنا ,

وجدت جهاز لابتوب تشع الحرارة منه . فتحته فإذا بي أجد محادثة بين شخصين , أحمد وشمس

يوم الاثنين 16فيراير

-ازيك يا شمس

-الحمد لله تمام

-لسة مأخدتيش قرار في الموضوع

-أحمد أنا المدة ما بينا لازم تطول شوية ده صحي أكتر ليا وليك

-انا مبحبش الانتظار

-انا خايفة أخذلك , ودي آخر حاجة ممكن أفكر فيها اني أأذيك

-ماشي أنا مش هضغط عليكي سلام

-سلام

 

يوم الثلاثاء 17 فبراير

-ازيك يا شمس

……..

لابد أنها لم تجب في ذلك اليوم حتما , ترى من هي شمس ومن هو أحمد ؟!

أخذت أتوغل في محتويات اللابتوب , إنه أنا في كل مكان , لا بد أنني أحمد , لكن لماذا لا أتذكر من هي شمس , وماهو ذلك الموضوع الملح الذي كنت أنتظر ردها عليه

أثناء توغلي وجدت مذكراته والتي تبدأ من يوم الأربعاء 18فبراير

مذكرات

الأربعاء 18 فبراير

اليوم الثاني على التوالي وشمس مختفية لا ترد على بريدها الإلكتروني , محمولها مغلق , تدوينتها لا تتحدث

وأنا أزيد في قلقي عليها وليس منها الا تجيبني في ذلك الموضوع , أريد الاطمئنان فقط

الخميس 19 فبراير

إنه اليوم الثالث ولا حياة لمن تنادي , أشعر بالارهاق فأنا لا أنام إلا ساعتين متقطعتين في اليوم , والباقي أجلس متسمرا أمام الشاشة منتظرا أي إشارة منها , أشعر بالصداع طيلة النهار كأن أحدهم يعتصر دماغي كبرتقالة.

الجمعة 20 فبراير

اليوم الرابع على التوالي , فقدت توازني اليوم أمام الطلبة في المركز ووقعت أرضا بسبب الإرهاق الذي تملكني

ينصحني الجميع الآن بالنوم لكنني لا أستطيع

السبت 21 فبراير

أشعر بالارتياح الشديد , الآن أنا اقرأ مقالة جديدة لشمس ,

أشعر بالضيق الشديد فقد كانت المقالة عبارة عن اعتذار للجمهور وقرارا منها بالانسحاب بهدوء من المدونة وعدم الكتابة بها مجددا

الأحد 22 فبراير

……………………….

كانت تلك هي المذكرات التي أنا أو أحمد هذا كتبها , لكنني لا أتذكر من أنا ولا أين أنا ولا من هي شمس ولا أعلم أين هي كي أسألها عن أي شئ

دخل شخص ما إلى الشقة ,

– يا أبو حميد صح النوم

-انت مين

-أنا طه يابني صاحبك , انت لسة في الحالة بتاعتك دي

-حالة ايه

-انت مش فاكر انك عييت جامد يوم السبت ووديناك المستشفى ودخلت في غيبوبة ولما فوقت تاني يوم قعدت تقول انك مش فاكر حد خالص

-انا دلوقت مش فاكر أي حاجة خالص, لو أنت تعرفني , تعرف مين شمس اللي أنا بتكلم عليها هنا دي

-اهدى بس انت وريح وسيبك منها بقى ,هي السبب في اللي انت فيه ده

-في واحدة كلمتني صحيتني الفجر , تفتكر ممكن تبقى هي

– كلمتك ازاي يابني انا واخد موبايلك معايا من أول امبارح

اليوم هو الاثنين , الساعة الآن الثامنة صباحا , سأخرج من هذا المكان لأبحث عن شمس , لو كانت هي من تسببت لي في تلك الحالة التي يتحدث عنها ذلك الشاب , فعلي أن اسألها لماذا فعلت ذلك , وكيف ؟ .

 

عن الكاتب
محمود ماهر
طالب في كلية الزراعة جامعة القاهرة ولا افقه شيئا في الزراعة, مصمم جرافيك, مِزَاجِيّ في انتقاء الموسيقى والكتب, كاتب قصص قصيرة مبتدئ, خيالاتي لي وحدي وما أكتبه مُستنبط من واقِعي
1التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق