الآن تقرأ
كيف نواجه وحش الاكتئاب (عن تجربة حقيقية)

عن معركتي مع الاكتئاب سأكتب لكم اليوم، لكن من أخادع عندما أقول ‘اليوم’ ؟ لم أكتب مقالا في الإنترنت من قبل، الفكرة ظهرت فجأة اليوم و ذلك للعدد الهائل من الأفكار المتناحرة في رأسي، ففكرت ربما أن الكتابة ستساعد لتصفية ذهني، و كذلك ربما يفهم المجتمع هذا المرض أو على الأقل يعترف بخطورته. فاسمحولي واعذروا  تعبيري و كلماتي.
المعركة بدأت منذ أن كان عمري 15 سنة، و طول مرحلة الثانوية وصولا إلى السنة الأولى من الجامعة. طوال هذه الفترة لم أكن أعرف ما يصيبني مرارا و تكرارا لجهلي التام بالمرض (كنت أحسب الاكتئاب هو نفسه الانهيار العصبي)، عرفت أن شيئا ما يصيبني، شيئا ما أو بالأحرى شخص آخر غريب يعيش بداخلي يكبح طاقاتي و يجرني إلى أسفل القاع معه. هل أنا أعرف الكثير على المرض ؟ لأ. أنا لم أفهم المرض جيدا، ما زلت لا أستطيع أن أضع حتى قائمة بسيطة حول كيفية التخلص منه و مقاومته، لازلت أكافح يوميا للتخلص منه أو حتى قدرة التعايش معه.
أعرف أن الاكتئاب ليس له أسباب محددة، فهو ليس كأي مرض أين هناك السبب و العلاج، لكن في حالتي، يمكن أن أحصر السبب في الغياب ‘شبه’ التام للأصدقاء، العلاقات مع الجنس الآخر و أخيرا التفكير الزائد عن حده. لكن مع كل هذه السوداوية و السلبية هناك بعض الأمور تعلمتها من خلال هذا الصراع حول المرض سأحاول ذكرها مع بعض الحلول المقترحة.
على عكس ما هو شائع في المجتمع (اللي هو بالمناسبة حاسب أن الاكتئاب ليس مرض حقيقي بل إنه مجرد حالة تافهة)، الاكتئاب ليس مجرد الشعور بالحزن، فهو خليط من الحزن، اليأس، القلق إلى أن يصل الأمر بالمريض إلى فقدان الاهتمام بأي شيء في الحياة، فالحياة تصبح أمر ‘زايد ناقص’ يعني الحياة ليس لها أي قيمة و أهمية لدى المريض.
1- أعتقد أن أول خطوة و أصعبها بالمناسبة في هذا المرض هو الاعتراف بالمرض، و يتمثل هذا الاعتراف بإخبار العائلة، الأصدقاء أو الذهاب إلى أخصائي نفسي. في حالتي، لم أطلع العائلة عن الأمر، و لدرايتي الشاملة أن الناس سوف لن تفهم شعورك، لكن أطلعت صديق في العالم الافتراضي حول هذا الشعور، و لحسن الحظ هذا الصديق (اللي هو من غزة بالمناسبة) سبق أن مر بهذه المرحلة، فأول نصيحة كانت هي استشارة أخصائي نفساني. عملت بالنصيحة و ذهبت في نفس اليوم (الي كان يوم خميس، و يعتبر أصعب يوم في حياتي) حيث كانت الطبيبة مستمعة جيدة و شخصت حالتي بأني أعاني من ‘أعراض الاكتئاب’ و ليس بالضرورة الاكتئاب. الجلسة أفادتني كثيرا، و صرت لا أخجل بالمرض بعد تلك المحادثة. فالعديد من الناس ينتظرون مدة طويلة قبل الذهاب إلى الطبيب، فكلما أسرعت كلما كانت النتيجة إيجابية.

2- تعلمت أيضا أن للاكتئاب خاصية تميزه عن باقي الأمراض ألا وهي ‘الكذب’، فهو لا يتوقف عن محاولة إقناعك بأمور غير حقيقية. فمثلا، الآن و أنا أكتب هذه الكلمات، نفسي تقول لي أن هذا المقال سوف لن ينشر أبدا، وحتى إذا نشر فإن الناس سوف تضحك علي و على كلماتي. فهكذا يقنعك الاكتئاب أنك غير صالح لأي شيء، أنك فاشل…
3- هناك أمل في الشفاء، فهناك العديد من الأدوية خصيصا لهذا المرض. لكن في رأيي الشخصي، العلاج النفسي هو الأفضل، فالمحادثة مع الأخصائيين قد تساعدك كثيرا، كذلك تكوين صداقات مع ناس مكتئبين أو كان عندهم اكتئاب قد يساعدك كثيرا، فمشكلة الاكتئاب هي عدم فهم المجتمع لحالتك، هذا الامر يزيد من حدة المرض. كذلك أسلوب مجموعات المحادثة الذي هو مهم جدا، فتبادل الأفكار و الأحاسيس مع الناس الأخرى تساعدك على الشفاء أو تجديد الامل في الشفاء.
4- غياب الأصدقاء من الأسباب الرئيسية للاكتئاب. ففي حالتي، أنا إنسان غير اجتماعي و منعزل كثيرا و علاقاتي مع الجنس الآخر منعدمة. فالوحدة و الروتين هم أصدقاء الاكتئاب، فالوحدة تجعلك تنعزل عن العالم و تجعل برنامجك اليومي شبه عادي و روتيني، و الروتين يعتبر تربة خصبة للاكتئاب. فالحل هنا إدخال بعض التغييرات حول برنامجك اليومي، تحديد أهداف قصيرة المدى لتنفيذها، تجديد تلك الأهداف يوميا و اكتساب صداقات جديدة، و إذا نجحتم في الأمر الأخير، أفيدونا بارك الله فيكم.
5- كما يمكن في بعض الحالات أن يكون الاكتئاب مرئيا كتمييز حالة الملابس و المظهر و كذا الحزن الدائم و الانعزال. الاكتئاب يكون غير مرئيا غالبا، فحالتي مثلا، أنا دائم الابتسام و ملامح السعادة ظاهرة على وجهي، فالعديد من الناس يحاولون إخفاء تعاستهم بالضحك و التظاهر أن كل شيء بخير، لذا الإفصاح عن المشاعر –مهما كان صعبا- يعتبر عامل جد مفيد.
آخرا و ليس أخيرا عندي شبه نصيحة لغير المكتئبين اللي ربما يكترثون لنا، من فضلكم لا تسألوا أي شخص مكتئب ذلك السؤال الاعتيادي الممل ‘لماذا؟’، لأن الاكتئاب ليس علم دقيق حيث توجد الأسئلة و الأجوبة، إنه أكثر من ذلك، فحتى المكتئب نفسه لا يعرف غالبا ما به و يكتفي بقول ‘أنا بخير’. عوضا عن ذلك حاولوا أن تفهموا حجم المعاناة و السوداوية التي يمر بها، و حالوا أن تستمعوا له حتى و لو لم تفهموا، فمجرد وجود شخص يسمع همومنا فهذا أمر أكثر من رائع. سوف لن أكذب عليكم و أقول أن مصاحبة شخص مكتئب هو أمر سهل، لأ ليس سهل، لكن مصاحبته و محاولة المساعدة سيكون أنبل شيء تفعلونه في حياتكم.
أخيرا أنصحكم بشيء: إياكم و الوحدة، كونوا صداقات، ادخلوا في علاقات حب، لا أكترث، المهم لا تتقعدوا وحدكم و تتركوا الاكتئاب يقتل روحكم.
ملاحظة: أود أن أشكر صديقي الغزاوي الذي شجعني على رؤية الأخصائي و الكتابة، و شكرا للفتاة الغزاوية التي نشرت شيئا من موقع ‘قل’، الأمر الذي جعلني أعرف هذا الموقع.

عن الكاتب
عثمان
5التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق