الآن تقرأ
بين الأرصفة.. قصة قصيرة

يا لجمال السماء .. يمكن لأي إنسان أن يقول ذلك أمامي ، فلا ترتشف شفتاي الابتسامات و لا أذكر ما يدل على ذلك ، فقط أكون جالس بأريحية شديدة دون النظر للسماء ، ما جدوى جمال السماء بالنسبة لي ، أنا لا أنظر لشىء على الإطلاق … لا إنه فقط الملل ، لماذا أنظر لأشياء أشاهدها طوال الوقت ، ما النفع من ذلك !!! فبعدما أنهيت دراستي ، لم يعد لي الكثير ، غادر الجميع حياتي الأوراق المزدحمة على فراشي ، أكواب القهوة التي لم أستطع تذوقها فقط كنت ابتلعها ، الصديقة التي رحلت في ثوب زفاف ، والحبيبة التي أصبحت أم طفل لا أعرف من أباه ، ومن المأكد أني لست أب على كل حال ،  يمكنني أن أكون  نموذج جيد لخيبات الأمل ، أجد بعض الأعمال المتقطعة فى بعض المحال التجارية ،  رفيقى هو النوم المتواصل أو التسكع و حسب   ، اما عن الأحلام  حتما سقطت … نعم سقطت!!! أتدري لماذا نلقي بقبعات التخرج في الهواء لنتناسى الأحلام و نرتطم بالواقع مثلما ترتطم قبعتنا ، الأمر أصبح معتاد بالذات في الفترات التي لا أجد فيها أي وظيفة خالية ، فيصبح كل ما تبقى مني هو التجوال في أحياء القاهرة … لقد اقتربت من المقهى أخيرا .

في الحقيقة أنا لا أحب المقاهي ولكن جيبى لا يحتمل غيرها ، سأجلس قليلا قبل أن يأتي أحد الشبان و يتلو عليّ قصائد من المتاح ، فسأدعي الصمت قليلا ثم أدعي أننى أفكر .. ثم سأبدأ سريعا في طلب كوب من الشاي فهو الأرخص دوما ، يتراوح بين الثلاث أو الأربع جنيهات و إن زاد فلا أتكلف عناء الطلب فقط أواصل السير دون توقف حتى اتناسى فكرة المقهى ، المقهى في نهاية الأمر محطة لاستراحة طويلة حتى ينتهي البرد ، و يبدأ عصر جديد من السعال و الحديث البذىء أو الطاهر ، يبدأ الارتجال في أنفون المثقفين أو هكذا يطلقون على أنفسهم ، الذين يجيدون التحدث عن الحريات و رغم ذلك يسبون العاهرات !! وكل منهم يجالس إحدى الفتيات ليحدثها عن الإلحاد و بعض الكتب العالمية و انجازاته العظيمة التى لم يسمع عنها غيره وهو فى الحقيقة  يتلصص على أخر استراجيات صدريتها ، هكذا هو الأمر ، ولماذا نصدق أنهم مثقفين ،لأنهم يطلقون ذلك على أنفسهم ،  لماذا نصدق كل ما يقال لنا ؟ لأننا في نهاية المطاف حمقى لا نبحث عن الحقيقة  ، و على طاولة أخرى تجد بعض موظفي الدولة يتحدثون في أحد عناوين جريدة  قد انتهت صلاحيتها ، ولكنها كافية حتما  للاختباء من صبيان المقهى ، و هذه الفتاة التي تجلس على الطاولة الى اليمين ،  و هى تقبل إحدى السجائر و تنفر الدخان فى وجه زميلتها ، لابد أنها تشعر بزهو ، و كأنها تصفع كل من بالمقهى بالسباب في كرامتهم ، و في الواقع لا أحد يشعر بوجودها ، ولا أحد يلتفت لها ، ولكنها تعيش الوهم جيدا ،كل منا يريد أن يكون محور حياة الآخرين ، وعندما لا يجد أن ذلك ممكنا ، يصاب بنوبة من الجنون قد تهلكه ، ولكنها في أغلب الظن تصنع منه شخص آخر جيد في السباب أو جيد في الأوهام ،  أنا كما ذكرت لا أحب المقاهي …و لكنها مأوى يضم كل ما تبقى مني … لها فوائد عدة ، تحمي من  البرد و المطر و في كثير من الأوقات من الفراغ و الوحدة … فلا يمكنك أن ترى حقيقة العالم سوى على أحد مقاعد المقهى  في نهاية مكان يبدو مظلم ، دخانه يلوث الهواء و يدفئه ، أمامنا طاولة يجلس عليها  شاب يحاول ملامسة حبيبته ،و ينظر له الجميع ولكنه ببساطة لا يكترث ، أترى المرأة ذات الألوان النابضة تجلس في رتابة.. إنها هناك في الزاوية على اليسار  .. نعم أمامها  رجل يبدو ضخم الجسد منتفخ البطن .. يمسك طوال الوقت بأحد الجرائد .. أتعلم أن الجرائد التى يحملها مقلوبة … أنا متأكد لقد رأيته من قبل ، هذا فعل أحد صبيان المقهى لضحك عليه بالطبع ،  نعم هو  يتلصص على الجميع هنا  ،  ولا يدفع مطلقا لصبي المقهى .. ولا يجرؤ أحد على مضايقته أو مقاطعة نظراته الحادة المخيفة ، فقط يجلس كل من بالمقهى  و هو يحاول تجاهله إلا بعض الشبان الذين يتبادل كلا منهم نظرات الاحتقار للرجل و هو أيضا ، نعم المرأة ترتدي ملابس ضيقة لا تليق بعمرها   و الألوان الصارخة من وجهها .. أشعر أن تريد الاعتراف  له بكل ما قضت من تأوهات فى الليل و تقدم ضريبتها كمواطنة صالحة ، ألا ترى أنها مواطنة صالحة تسدد ضرائبها مثل الجميع ؟؟ أتعلم يا عزيزى نحن نتحدث دوما عن الحرية ، ولكنها قاسية … قاسية جدا ، فلا يمكنك أن ترى كل هؤلاء الأشخاص دون أن تتحدث عنهم ، لا تصدق أن البلاد الأخرى حرة أنها فقط تحبس كل ما ينطق به لسان حالها بداخل رأسها ، ولماذا تقول أنها مغفلة لانها تظن أنها صالحة ؟؟؟ هى تعلم جيدا أنها ليست صالحة في عين أحد ولكنها ترضى بالوهم مثلها مثل الجميع ، لم تعد تخشى البرد و لم تعد تخاف نظرات الآخرين ، فإنها اعتادت الأمر تقضي أغلب لياليها تعلم الطلاب ما لم يتعلموه صراحة بين طيات الصحف العارية ، تبلغ الأربعين وهى لا تزال شاحبة تغطي تجاعيدها بألوان لا تهم زبائنها ، أنظر جيدا يمد الرجل يده ليلمس جسدها ،أنها لا تفعل شىء .. انتظر فإن هذه الابتسامة ستوقف حماقه فعلته ، لا لا لست متعلق بها أو بأحد آخر ، أنا أذوب بين كل هؤلاء يا رجل دون أن أعرف منهم شخص واحد ، فقط أراقب ما يحدث ، يصبحون عائلة لى دون التزامات لذلك أحب كلا منهم بلا استثناء حتى يأتي صبي ملعون يطلب مني الحساب ،  أو بمعنى أدق ازدحم المقهى ولابد أن يرحل البعض  ليجلس غيرهم ، فيبدأ بي  لأنني لن أقدر على تبادل المشدات معه ، و أستكمل ما أفعله في السير و تلعق عيني الأرصفة باحثة عني أحد الكتب التي كنت أقراها ذات يوم ، أبدأ في تصفح إحداها حتى يكتشف أمري صاحب الفرشة و يقوم بطردي و السباب لي و أنا ألتقط قدمي التي علقت في إحدى الأشجار التي تخنق الرصيف ، أحاول الإمساك بما تبقى لي من كرامة ولكني لا أستطيع تحمل الجو القاسي أقف أمام أحد الجدران و أبدأ في تلاوة بعض المياه العالقة في جسدي ، و استكمل طريقي بين الأرصفة .. أحاول أن أصبح أكثر مرونة و حركة ولكني جائع ، آخذ ما تبقى من قوتي لإحدى عربات الكبدة فلقد نفذت زخيرة الفول الآن من العربات ، أتناول بسرعة و أنتهي و ارحل مجددا   ، فقط ارتحل من مكان لآخر بين الأرصفة دون توقف ، حتى ينتهي اليوم ، حتى تنتهي أنفاسي ، يفتح أبى لى الباب موبخا و محتقرا حالتي ، و تضع أمى أمامي بعض الطعام ولكني لا أهتم ، كل ما يدور بداخلي هو الفراش ، فألقي بنفسي فوق الفراش محدثا ضجة من الأصوات الغير مفهومة و أتمنى أن لا يأتي الصباح ثانية ، ولكنه يأتي بمقهى جديد دوما .

صبي  المقهى : يا أستاذ يا أستاذ أنت بتكلم نفسك …. بسم الله الرحمن الرحيم … أنت بخير !!!

تمت

 

(Visited 611 times, 1 visits today)
عن الكاتب
مريم عاذر
1التعليقات
  • نهاد معاطي
    18 يناير، 2016 at 10:50 م

    لغة جيدة ، وصف ممتاز ، رسم رائع للشخصيات ولملامحها وروحها ، فقط تفتقد القصة صراعا ونقطة تحول ، على الرغم من إعجابي بالصراع الضمني في نفس البطل والأبطال من حوله، إلا أنها تفتقد نقطة التحول التي تجعل من القصة القصيرة حدث حقيقي مركز ومكثف يترك علامة مباشرة وسريعة ووامضة.
    أعجبتني القصة كثيرا 🙂 تحياتي وبالتوفيق دائما 🙂

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق