الآن تقرأ
“ميديا” الحاشية .. حكاية الجبهة السرية لشباب الرئاسة في الإعلام

(1)

إعلام الدولة يهتم بالدولة فوق كل اعتبار، وإعلام الرئيس يُعلي الرئيس فوق الدولة، وعندما يعلو الرئيس فوق الدولة يصاب بالتعمية الممنهجة (مبارك نموذج: كان لا يقرأ سوى الصحف القومية، ولا يشاهد غير التليفزيون الرسمي، وكلاهما كانا يسبحان بحمده، فتعالى وعَلى، إلى أن هوى في حمم الغضب الشعبي فى ثورة يناير، التي قصمت ظهره، عندها لم يتحرج  ـ ذلك الإعلام ـ فى النيل من سيدهم، حتى جعلوا سمعته تقطر دمًا).

(2)

تلك هى المنصة التى سننطلق منها للحديث عن الإعلام والرئيس، وصولا إلى “ميديا الحاشية” التي تشكلت مع تولي المشير مقاليد الحكم، فالصوت الواحد منهاجها، والفكر الواحد فكرها، ولا مجال لأي رأي مغاير يتعلق بأداء الرئيس، ليبقى السؤال: كيف تعول الدولة ـ ممثلة في مؤسسة الرئاسة ـ في معاملاتها مع المواطنين، على تكوينة بهذا التركيب؟ فالشعب الذي اختار الرئيس ليس فقط من حقه أن يُعلم ويُخبر بكل ما يجري في الدولة، بل من حقه أيضًا أن يجد مَن يعبر عنه وعن مواجعه، وأن لا يغض الطرف عن جميع السوءات التي تحيطه، بغية إرضاء الرئيس!

(3)

لقد شُكلت “ميديا الحاشية” بعد ثورة 30 يونيو، وتحديدًا فى أواخر 2014. منذ ذلك الوقت لوحظ تغييرا فى الخريطة الإعلامية، يتم بآليَّة غير مفهومة، تعتمد على تصعيد مفاجئ لشخصيات بعينها، وتسليط الضوء عليها، والعمل على إكسابها “هالة رسمية”، ليبدو هؤلاء أنهم المستظلون بظل الرئيس. ما يرسم علامات استفهام ضخمة حول الطريقة التى تتعامل بها مؤسسة الرئاسة مع الإعلام، والتي أرى فيها  تدخلًا، ناعمًا، سافرًا، في عمل “الميديا”. هذا  الأمر ليس مذموم فقط، بل مهين لفكرة “الإعلام الوطني” الذي  يحتاجه البلد.

فمن الخطر سعي هؤلاء لترسيخ فكرة أن “الرئيس هو الوطن” عن طريق  استخدام عدد من الزملاء الصحفيين والمذيعين الذين تم ترقيتهم، ورشّهم في المناسبات حول الرئيس، بداعي ودون داعي، تحت مسمى “شباب الإعلاميين” ليتولوا نشر هذه الفكرة، بعدما وجدت الدولة أن إعلاميين ما قبل ثورة يناير قد انكشفوا فى الشارع، ويستوجب خلق جيل جديد من “إعلاميو الرئيس” الذين يروجون لأنفسهم على أنهم “إعلام الدولة”.

(4)

إن استراتيجية “إعلام الرئيس” اختراع مباركي بحت، استوحاه الرئيس الأسبق من دولة 1952 وتبعاتها، وطوره، واعتمد عليه لسنوات طويلة في إدارة حكمه، إلى أن أودى به إلى السجن، بل تسبب الخطاب الإعلامي لرجاله في عزله عن الوطن، واستعداء الرأي العام عليه، فعاش مبارك وحيدًا في قصره، بينما الشعب كان يتكتل ضده بهدوء في الشارع، ولم يلتق شعبه إلا وهو في قفص الاتهام.

(5)

يؤكد رئيسنا المنتخب ـ دائمًا ـ على احترامه للدستور والقانون، وأنه لا يتدخل في عمل الإعلام أو الصحافة، لكنه في نفس الوقت يعلق على أداءه بامتعاض، وتحديدًا تناولات منتقديه: ” هو كل واحد ماسك قلم أو قاعد قدّام ميكروفون يقول أى حاجة… ميصحش كده!” هكذا قال الرئيس في أحد اللقاءات، التي هدد خلاله الإعلاميين صراحة: “هشتكيكم للشعب”

الظاهر، إن الإعلام لا يعجب الرئيس، رغم أنه نفس الإعلام الذي دعم  ثورة “30 يونيو” التي عضدت وصوله إلى الحكم، حينها كان إعلامًا وطنيًا وزي السكر، وكان الإعلاميون يعملون في حماية الدولة، أذكر أن أول مكان نزل إليه الجيش يوم 26 يونيو (فى إطار خطة الدولة لتأمين الشعب فى 30 يونيو) كان مدينة الإنتاج الإعلامي، حدث ذلك عندما كان الرئيس وزيرًا للدفاع، كان حريصًا أنذاك على حماية الإعلاميين، من أجل العمل على توعية الناس بفوائد الثورة ومزاياها، وتعبئتهم وتشجيعهم على النزول إلى الميادين.

(6)

إذن، ماذا يريد الرئيس؟

هو  لا يريد إعلام 30 يونيو وما قبلها، ولا يريد إعلامًا بالمعنى المتعارف عليه ديمقراطيًا، بل يريد إعلامًا لا يناقش، لا يُسائل، خلاصة القول الرئيس، كما هو ظاهر، يريد إعلام يعمل لديه موظفًا.

ولأن هذا النوع من الإعلام لم تجده مؤسسة الرئاسة جاهزًا، تفتق ذهنها إلى تصنيع جبهة من الإعلاميين الجدد، ليتمترس الرئيس خلفها.  ولأن كل شئ في الدولة يتم تمريره تحت يافطة الشباب، قرروا أن تكون هذه الجبهة من شباب بوجوه “فوتوجونيك” وأجسام “موديل” وأضافر مقلمة ـ والأهم ـ رؤوس لا تفكر إلا في تلميع الرجل بدعوى “الوطنية” و”الحفاظ على الدولة”.

(7)

المدهش أن الجميع ينكر حكاية “شباب الإعلاميين” هذه، فالرئاسة غسلت يدها من هؤلاء أكثر من مرة، بتصريحات عن عدم وجود شىء تبع للرئاسة اسمه “شباب الإعلاميين”، والإعلاميون الشبان أنفسهم، تبرأوا من علاقتهم بالرئاسة ـ رغم لقاءاتهم المتعددة مع الرئيس، وهى لقاءات غير مفهوم مناسبتها! ولا معروف ماهية المعايير التي اختيروا على أساسها؟ ولا مَن يمثلون؟ ـ الجميع ينكر صلته بالآخر، بطريقة ترتقي لتصنيف الوضع ـ مجازًا ـ  بأننا أمام “جبهة سرية لشباب الرئاسة في الإعلام”

(8)

العلاقة بين ممتهن العمل الإعلامي والسلطة أمر مشروع، بل يجب أن يكون لدي الصحفي مصادره في مؤسسات الدولة لاستقاء المعلومات، لكن هناك خط فاصل في التعامل مع المصادر، هناك فرق شاسع بين حصول الصحفي على معلومة من المصدر، كان يبحث عنها أو التقطها بحسه الصحفي، وبين قيام المصدر باستخدام الصحفي للترويج والدعاية له، في الأخيرة يتحول الصحفي من كونه مندوبا لجريدته أو قناته لدي مؤسسة المصدر، إلى بوق للمصدر داخل مؤسسته الإعلامية، هنا تسقط عنه وظيفته!

(9)

أذكركم بما قاله رجل أعمال معروف، عن سبب رحيل أحد المذيعين من قناته التليفزيونية، كاشفا علمه بأن المذيع “شتم” شخصية سياسة في برنامجه بناءً على تعليمات وصلته من جهة رسمية (لم يسمها رجل الأعمال) لذلك طرده من القناة.

هذا المذيع بالمناسبة واحدًا من “شباب الإعلاميين”.

إذن الحكاية ليست كما يروج هؤلاء الشبان، أنهم  تم اختيارهم حول الرئيس لأنهم يعبرون عن اتجاهات فكرية مختلفة، وأنهم يشكلون جسرا للتواصل بين جيل شباب الإعلاميين وبين الرئيس، وأن الرئيس يلجأ إليهم للتعرف على مشكلات هذا الجيل، ويسمع منهم أطروحاتهم حول وضع البلد.

ما أعرفه أن هؤلاء لا يقدمون شىء مفيد للرئيس، وبالتالي السؤال يطرح نفسه:  مَن خدع الرئيس وقال له أن هؤلاء الشباب يمثلون صحفيي وإعلاميي مصر، المقدرون بالألاف؟  مَن صور له أن هؤلاء لديهم القدرة على مساندة الدولة بخطابهم العامر بالمحاباة واللزوجة الممنهجة ـ الساعي إلى حصد عطايا تمكينهم (وإن أنكروا) ـ مَن هيأ للرئيس أن اصطفاء هؤلاء سيضيف لرصيده  ولن يخصم منه؟ والسؤال الأهم: هل يقرأ أو يشاهد الرئيس ما تتلفظ به تلك “الحاشية”؟

(10)

المتعرض للخطاب الإعلامي الذي ينتجه هؤلاء الشبان يلاحظ أنه لا يعدو خطابًا تطبيليًا دقاقًا، لا يعبر عن الواقع. إنما يعبر عما يظنون أنه سيعجب الرئيس.

ففي تقديري أن الرئيس ـ حتى وإن كان غاضبا من التناولات الإعلامية المنتقده لأداءه ـ هذا لا يعني أنه مبسوط من جو النفاق اللزج، الغارق فيه “شبابه من الإعلاميين”، فالرئيس تربى في بيئة عسكرية، تعلو فيها عزة النفس على أى شىء، وأعتقد أنه لا يحترم المنبطحين ولا الأفاقين، ولديه القدرة على كشفهم. لكن أعود لأسأل: إذا كان اعتقادي في الرئيس صحيحًا، لماذا يبقي على هؤلاء حوله؟ هل سيسقيهم عزة النفس بالملعقة؟ هل سيُطعّمَهُم من داء النفاق العضال؟ هل سيوزع عليهم برشام منع الغش الذي يمارسونه على الشعب؟ هل سيخرق لهم الطبلة؟

النفاق لا يبني دول، والمنبطحون لا يسندون أوطان، إنما الدول تُبنى بالمصارحة والمواجهة، والأوطان تتقدم بالسعي إلى القضاء على نواقصنا التي تجرنا للخلف ألف خطوة، قبل التهليل والتطبيل لتقدمنا نصف خطوة.

(11)

إذا كانت مؤسسة الرئاسة شغوفة ومصرة على أن يكون لها إعلامًا خاصًا، يتمترس خلفه الرئيس، فلا مانع في ذلك، هي حرة، ولكن عليها أن تختار إعلاما يليق بوطن؛ مات من أجله أفضل من فينا، عليها أن تختار مَن يحسن التعبير عنها، ولا يشوه في نفس الوقت جيل كامل من الإعلاميين الشباب، وعليها أن تعي جيدًا أن كل خطوة يخطوها الرئيس محسوبة عليه، وكل شخص يقترب من قصر الحكم يوضع تحت ميكرسكوب تقييم الشعب للرئيس وأداءه.

فانصياع الناس للتوجيه، في فترة ما، لا يعني أبدًا أنهم ساذجون، فمخطئ مَن يظن أن الشعب الذي قام بثورتين في ثلاث سنوات، لايزال على سجيته وعفويته يا أولي الألباب!

 

 

عن الكاتب
أحمد الرومي
صحفى ومذيع مصري
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق