الآن تقرأ
رأي في خبر نائب رئيس الوزراء التركى الذي يقترح تزويد إسرائيل بالمياه

د/ إســـلام جـمــال الـديــن شـــوقـي

نقلًا عن صحيفة “راديكال” التركية الصادرة الاثنين 18 يناير 2016  أن نائب رئيس الوزراء التركي يقترح تزويد إسرائيل بالمياه ، عن طريق مشروع إمدادات المياه لقبرص الشمالية التركية ، والذى افتتحه أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو فى أكتوبر الماضي ، وقد اعترض نواب حزب العدالة والتنمية ووسائل الإعلام الموالية للحكومة على المقترح ، حيث أن قيمة مشروع نقل المياه من تركيا إلى قبرص الشمالية هو 6 ر1 مليار ليرة تركية ، ويوصف بـ “مشروع القرن” .

حيث يهدف لسد احتياجات قبرص الشمالية التركية ، التى لا تعترف بها أى دولة فى العالم سوى تركيا ، من المياه على مدار 50 عامًا ، وكان توركيش نائب رئيس الوزراء التركي قد أكد إمكانية تزويد إسرائيل بالمياه ، وهو ما أثار غضب عارم من الصحف الموالية لحكومة العدالة والتنمية .

      في وجهة نظري وتعليقي على الخبر : أرى أن هذا يندرج تحت مؤشر الصراعات المائية في حوض النهر الدولي حيث ينصرف مفهوم الأمن المائي وفق هذا المؤشر إلى الحالة التي ينعدم فيها وجود الصراعات و النزاعات المائية بين الدول المتشاطئة على حوض مائي دولي ، وبمنطق المخالفة يتأثر الأمن المائي سلبيًا كلما زادت الصراعات المائية فيما بين دول حوض التصريف المائي الدولي ، ويمكن القول إن الصراعات المائية في أي حوض مائي التي يعد الأمن المائي دالة في درجة حدتها و شدتها – تتوقف على أربعة متغيرات تؤثر في أنماط التفاعلات الهيدروبوليتيكية التي تحدث داخل النظم الإقليمية المائية ، والتي تتباين من منظور قوة / ضعف الدولة ، والرضا / عدم الرضا عن الوضع الراهن .

وبالنظر إلى النظام الإقليمي لحوض نهر الفرات نجد أن تركيا التي تصنف على أنها دولة قوية نسبيًا أو الدول التي تصنف على أنها ضعيفة نسبيًا مثل العراق وسوريا نجد أن بعضها يعبر عن عدم رضاه عن الوضع المائي والقانوني القائم ، ويتجلى ذلك من خلال رفض تركيا للاتفاقيات القانونية الموقعة بشأن مياه النهر ، وإن تفاوتت درجة عدم الرضا من دولة لأخرى ، وإن تباينت في شدتها وحدتها من فترة زمنية لأخرى ، ونتيجة ذلك فإن تلك الدول تسعى كل بحسب قوته ونفوذه وقدرته على تكوين تحالفات خارجية نحو تغيير الوضع الراهن وإحلاله بوضع آخر .

      وبتطبيق “نظرية تحول القوة ” Power Transition Theory ) ) :                                                                                     

فإن الدول القوية نسبيًا وغير الراضية ستكون أكثر حرصًا على تبديل الوضع القائم وأكثرها إثارة للصراع والتوتر، وبطبيعة الحال فإن احتمالات تبني سياسات خارجية ذات طبيعة صراعية من جانب الدول القوية نسبيًا وغير الراضية ، تتزايد في حالتين ، الحالة الأولى : حينما تتحالف معها الدول الصغيرة والضعيفة نسبيًا وغير الراضية في الحوض ، عندئذ ترى الدول القوية نسبيًا أن ثمة تحولاً قد طرأ على قوتها ، فتسعى إلى ترجمة ذلك التحول الإيجابي في قوتها نحو افتعال سلوكيات صراعية تسعى من خلالها إلى تغيير الوضع القائم ، وفرض واقع جديد يحقق لها مزايا إضافية ، الحالية الثانية : حينما تتحالف الدول القوية وغير الراضية مع أطراف خارجية سواء كانت قوى إقليمية ( كإسرائيل ) أو دولية ( كالولايات المتحدة أو أي دولة مانحة ) ، وعندئذ تتزايد احتمالات تصاعد الصراع المائي استنادًا إلى النظرية المذكورة .

أما الدول الضعيفة نسبيًا وغير الراضية ، والتي تمثلها في حالة نظام حوض النيل هذه الدول ،  فليس أمامها إلا أحد بديلين إما الانزواء داخل النظام ، أو السعي للحصول على رضا الأطراف القوية المسيطرة على النظام ، وإذا ما تبنت تلك الدول البديل الثاني ، فإنها تكون أمام خيارين ، أولهما : السعي للحصول على رضا الأطراف القوية ( والراضية ) عن الوضع القائم ، وثانيهما : السعي للحصول على رضا الأطراف القوية ( وغير الراضية ) عن الوضع القائم ، ومن ثم التحالف معها لتكوين جبهة مشتركة تجمع كلاً من الدول غير الراضية ( القوية والضعيفة معًا ) ، وتعملان معًا من خلال إثارة القلاقل ، والنزاعات ، والتوترات والصراعات الهادفة إلى تغيير الوضع الراهن ، وبما يحقق لها درجة الرضا المنشود ، وهو ما يتحقق من خلال توقيع الدول القوية كتركيا وإسرائيل على اتفاقية جديدة ، لممارسة نوع من الابتزاز السياسي والاقتصادي على العراق وسوريا.

       وأرى في وجهة نظري :  أنه يمكن فهم وتفسير التحول الراديكالي والدراماتيكي الذي طرأ على مواقف وسلوكيات تركيا في الآونة الأخيرة وتحديدًا عندما قررت إنشاء سد أتاتورك ، واعترضت العراق وسوريا ، وبدأت المفاوضات بينهم ، وانتهت تركيا من بناء السد، بل وأقامت عشرات السدود الأخرى بعده ، وما زالت المفاوضات سارية حول السد حتى الآن ، وانهارت حصة العراق من الماء، وانتقصت بما لا يقل عن 25 مليار متر مكعب ، دون الأخذ في الحسبان الاعتراض العراقي والسوري ، وهو الأمر الذي يهدد الأمن المائي للدول العربية ، ثم خرج أردوغان بكلمته الشهيرة عندما قال : ” سنجعل من برميل الماء ، أغلى ثمنًا من برميل النفط “.

لذلك إنه من المفترض أن تتصدر قضية ” الأمن المائي ” أجندة الاهتمام الوطني للدول العربية ، حيث تشير الدراسات والتقديرات لكميات المياه المتاحة ، والاحتياجات المائية للأغراض المختلفة ، إلى تنامي الفجوة بين العرض والطلب على المياه ، فضلاً عن ظهور مؤشرات تنبئ عن صراع على المياه بين إسرائيل وتركيا ، والدول العربية ، وكذلك الحال في دول حوض النيل ، حيث تغذي الصراع سياسات قوى خارجية لها مصالحها في تأجيج التوترات في حوض النيل ، بالإضافة إلى تأثير التغيرات المناخية في مياه نهر النيل ، مما يوضح خطورة الموقف المائي في مصر والدول العربية.

كما يجب الإشارة إلى أن الدول العربية ومصر تشرف حاليًا على مرحلة مصيرية ، عند اتساع الفجوة بين المتطلبات المتزايدة والإمكانيات المتاحة للمياه مع الزمن ، لاسيما بعد أن بدأت تظهر كثير من مهددات الأمن المائي .

 

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق