الآن تقرأ
عن الأحلام والمشاعر والنضج

يرتبط النضج بشكل أساسي بالأحلام والمشاعر، فإذا وددنا معرفة إلى أي مدى وصل نضجنا ؟ فلزاما علينا أن نتفحص أحلامنا ومشاعرنا ونتحسسهم لنعرف ظاهرهم وباطنهم.
فأحلامنا مؤشر دقيق لمدى فهمنا للحياة وللواقع الذي نحياه والأهم فهمنا لأنفسنا، وكما قال زياد الرحباني “الإنسان متى عرف الحقائق سقط عن سرير الأحلام”.

فمثلا، إذا كنا ما نزال نريد العيش في حلم قضى نحبه ودفن في رمال الواقع الغزيرة ومازلنا نتحسر على وفاته المفجعة، فيجب أن نعرف أننا لم ننضج بما فيه الكفاية.
أو إذا كنا نحاول تكرار تحقيق أحلام تحققت في عهد سابق وواقع وزمن مختلف، فيجب أن نعرف أيضا أننا لم ننضج بما فيه الكفاية. (أو عندنا شلل أطفال غالبا(
وما الأحلام الكبيرة التي لا تتناسب مع قدراتنا الضعيفة بمثال بعيد علي انعدام النضج وتأخره، ولا القدرات الكبيرة التي لا تجد إلا أحلاما صغيرة أمامها لتحققها إلا تجليا أيضا لضعف إحساسنا بالنضج.

وهكذا …

وفي كتابه أفراح الروح يقول سيد قطب: “وليست الحياة بعدد السنين، ولكنها بعدد المشاعر”
أعتقد أنه كان محقا إلى حد كبير، فكل شعور جديد نحياه ونعيش تفاصيله – سواء كان هذا الشعور سيئا أم جميلا – هو تقريبا بمثابة عام يضاف إلى أعمارنا، هو خبرة وحالة جديدة تضاف لحيواتنا، فكيف نتعجب إذاً من شباب شابت رؤوسهم ؟.!

وهنا قد أجد تفسيرا جيدا لوجود شباب على دراية وخبرة لم يتحصل عليها من بلغوا الستين والسبعين من أعمارهم، فربما قد عاشوا مشاعر لم يجربها أو يتذوقها من عاش 100 عام فأضافت – هذه المشاعر – إلى أعمارهم الصغيرة سنوات طوال وهم يظنون أنهم ما لبثوا إلا يوما أو بعض يوم.
فكل شعور نحياه يزيد في أعمارنا عاما تقريبا، يعرفنا على أمر جديد في العالم أو في أنفسنا، ومن ثم يزيد من نضجنا.
وهنا، نستطيع أن نؤكد أن النضج من هذه الزاوية سيئ وكئيب ويولد انعدام حب الحياة، وهذا أمر حقيقي نوعا ما لو لم يقترن النضج – أو المعرفة لأن النضج تقريبا يساوي المعرفة – بالقدرة على تذكر الماضي وتذكر حقيقة أننا نضجنا.

وأظن أن شاعر العامية مصطفى إبراهيم عندما قال كلماته الآتية:

الجهل جميل
بيقربلك سقف النشوة
و الحزن كمان

كان يدلل على ثقل المعرفة، وكيف أنها عبئا ثقيلا لمن تبحر فيها وملأ خلايا مخه بها وأصبح قلبه ينبض بها فأنضجت عقله وكبحت جماح مشاعره.

وأقتبس من زياد الرحباني مرة أخرى من كتاباته المعنونة بـ “صديقي الله” قوله في هذا المقام:

لا أحسدك على معرفتك مصير كل منا

لأنك قد تبكي على مصير حزين، بينما صاحبه سهران يضحك

وتعرف الفرح قبل وقوعه، فلا ترى مثلنا لذة المفاجأة

مرة أخرى يؤكد الرحباني أن المعرفة عبء ثقيل، يخفف من تأثير تألق المشاعر وإلحاحها جميلة كانت أم عصيبة، فتصير – أي المشاعر-  كنقطة مطر على ورقة شجر في صورة معلقة على جدار في البيت قد لا تلقي لها بالا، ولا أبالغ حين أقول أنها – أي المشاعر – عبء لا يضاهيه عبء  وثقل لا مثيل له.

في فيلم The Little Prince هناك جملة ملهمة بخصوص هذا الأمر تقول: “Growing up is not the problem, Forgetting is”
فعلا !، فعلى عكس المثل المشهور (النسيان نعمة) يصبح النسيان في هذه الحالة من البشاعة بمكان، نسيان روح الطفولة وأحلامها الصغيرة وإحساسها بالحياة وفرحها بالتفاصيل والإنتصارات الصغيرة، ونسيان حقيقة أننا نضجنا وعرفنا الحقائق وتغيرت الدنيا بالمعرفة الجديدة، وكوننا ما زلنا نتعامل مع الدنيا بمنطق الطفولة الساذج.
والتوفيق بين استحضار روح الطفولة وإحساسها بالحياة، وتذكر حقيقة أننا نضجنا، هو النضج بعينه.

عن الكاتب
محمد اسحاق
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق