الآن تقرأ
ثورة الغلّ .. لماذا السعى لرجم “25 يناير “حتى الموت؟

(1)

تعيش ثورة يناير الآن نفس أجواء المشهد المروع الذى جسده المخرج الامريكى “كيريوس نورستيه” فى فيلمه الإيرانى “رجم ثريا”، وقد حشد فيه كل أدواته من أجل تصوير بشاعة عقوبة الرجم، التى نفذت ضد سيدة ثلاثينية (ثريا منوتشهري) بعد مؤامرة دبرها لها زوجها “على” المنتمى للحرس الثورى الإيرانى (وصاحب اليد العليا على أطراف المؤامرة) للخلاص من عبء “ثريا” الاقتصادي المتمثل فى نفقتها إذا ما طلّقها، إضافة إلى استعداده للزواج من فتاة مراهقة، فما كان له إلا أن فكر بإتهامها بالزنا والفجور، لتنتهي حياتها بيد الملا “حسن” (قاضي البلدة) وإبراهيم (عمدة القرية)، وهاشم (شاهد الزور)، وبمعاونة أهل القرية الذين رجموها، تحت تأثير صورة ذهنية مقيته سوّقت ضد “ثريا” من أجل الدفع لتركها وحيدة بلا سند.

مشهد الرجم فى فيلم رجم ثريا

مشهد الرجم فى فيلم رجم ثريا

 (2)

لماذا يجب رجم “ثورة 25 يناير” حتى الموت؟

لانها ثورة تشكل عبء سياسى على أجهزة متعددة، يناير ثورة لها حقوق أصيلة لم تصلها بعد، وشهداء بالمئات، قتلوا ولازال قاتلهم حر طليق، ومصابون بالالاف، عُجّزوا والفاعل سالم آمن من العقاب، لاتزال مطالب يناير مرفوعة على رؤوس اللافتات “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية”، شعارات لم يتحقق أيا منها إلى الان، بعكس ثورة 30 يونيو التى تحقق هدفها “يسقط حكم المرشد” وقد سقط، هو وأعوانه، وقدموا للعدالة.

ثورة يناير لابد أن تموت، لان لها ثأر قديم، ممتد، مع نظام مبارك الفاسد، العائد إلى المشهد بهدوء، وقوة.

أنصار مبارك يحتفلون ببرائته في المحكمة

أنصار مبارك يحتفلون ببرائته في المحكمة

لقد خُلع مبارك، وقضى سجنه منعمًا على الاسرة المعقمة فى المشافى الدولية، ورموز نظامه تمتعوا جميعا بالبراءات، فى نفس الوقت؛ كان شبابنا ممدد على أدراج المشارح الباردة، بأبدان مثقوبة بفعل شر رصاصات خطفت أرواحهم، فقط، لمجرد أنهم حلموا ببلدهم بلا حاكم فاسد يرى الوطن عزبة يأول ملكها إلى صبيه الوريث.

ثورة يناير لابد أن تموت لان هناك حسابات ما تزال مفتوحة مع ناهبى هذا الوطن وقاتلى أولاده. حسابات مع المتقاعسين عن حماية البلد فترة الثورة وقبلها، وهم بالمناسبة المسئولين الأصليين عن الفوضى التى عمّت مصر أعقاب 28 يناير.

قوات الجيش اثناء تأمين ميدان التحرير عام 2011

قوات الجيش اثناء تأمين ميدان التحرير عام 2011

(3)

لم تكن ثورة 25 يناير مجرد صراع بين شعب ونظام حكم، بل أمتد ليشمل أطراف أخرى استهوت  هذا الصراع، كونه يعبر عن توجهاتها ونواياها.

مثلا المؤسسة العسكرية كانت رافضة لما حلمت به “الهانم” فى أن يصبح ابنها حاكمًا لمصر، وظل الحلم يتنامى مع عنت الصبى الوريث وتمسكه بالوصول إلى قصر الرئاسة ولو على جثة الوطن، وتحت وعى أبوه الذى ترك الحكم للحاشية وغطّ فى سبات عميق.

حلم “الهانم” كان مرفوضًا كونه يهدد شكل الدولة التقليدى القائم منذ 1952.

فى نفس التوقيت، لاح فى الأفق أحتقان شعبى متزايد ضد نظام الحكم، رصده اللواء عبد الفتاح السيسى (عندما كان مديرا للمخابرات الحربية) فى تقرير قدمه لمبارك، حذره فيه من ثورة شعبية قد تندلع فى مايو 2011 بالتزامن مع وصول الصبى الوريث إلى الحكم، وهو ما قوبل ـ على ما يبدو ـ بتجاهل من مبارك، لذا، قرر الجيش دعم الشعب مع أول هبّة له، لمعاونته على الخلاص من حكم مبارك ومشروع التوريث، وقد عجلت ثورة تونس بثورة المصريين، لتجىء فى “يناير” وليس كما توقع الجيش فى “مايو”.

إذن “25يناير” ثورة شعبية، لها دفوعها القوية، لم تكن لقيطة، ولم تكن مفاجئة، بل كانت الدولة تتحضر لاستقبالها، وتمرير مطالبها بصدر رحب.

أن ثورة يناير فعل وطنى نبيل، دعت لتغيير كان يدور فى خلد الجيش، لكن عقيدته كانت تمنعه من التدخل فى هذه المنطقة الخطرة، تاركا الأمر للشعب الذى تقدم وفتح له الطريق للحفاظ على شكل دولة 1952، تمامًا كما حدث وتكرر فى ثورة 30 يونيو.

(4)

إذن لماذا يقولون أن ثورة يناير مؤامرة؟

عندما أرادوا الخلاص من “ثريا” (وهى قصة حقيقية وقعت فى يران عام 1986)، قالوا أنها زانية، لم يمسكوها فى سرير مع فاحش، ومَن رجموها ولم يروها فى وضع مخل، كل ما حدث أن العابئين بها أطلقوا عليها جرمًا فمويًا، خدّم عليه شهود الزور، فلُصق بها فى خضم “ثورة الغل” التى تعتمل فى نفوس المتربصين بها.

قس على ذلك ما يتم مع ثورة يناير، يتهمونها أنها صنيعة تمويلات ومؤامرات، خطط لها عدد من شباب الثورة، فى حين أن هؤلاء الذين تدور حولهم الشبهات لم يكونوا معروفين فى الشارع قبل الثورة، وبالتالى نسب الثورة لهم، وتصوير أنهم مَن حركوا الشارع، أمر غير منطقى وفيه غش، ويدعو لأن نسأل: لماذا لا تقدم الدولة هؤلاء الخونة، المتأمرين، للقضاء؟

خمس سنوات مرت على الثورة وهم يشوهونها بأنها صنيعة مؤامرة، فى حين لم نجد حكم قضائى واحد صدر ضد شخص بأى تهمة من التى تروج! فشباب الثورة، الذين يقولون أن حولهم شبهات، مسجونين بتهم لا علاقة لها لا بتمويل ولا مؤامرات، لقد سجنوا لأنهم “خرقوا قانون التظاهر”!

أن قضية التمويل الأجنبى الوحيدة، التى عرفناها، وقدّم متورطيها للقضاء، كان فيها 16 أجنبيًا، قامت الدولة بتهريبهم رسميًا!، وأُعيدوا إلى بلادهم سالمين (بالمخالفة للقانون) على ظهر طائرة حربية أمريكية حطت فى مطار القاهرة (مساء الخميس غرة مارس 2012) وأخذتهم وطارت.

متهمو التمويل يغادرون القاهرة إلى قبرص1

متهمو التمويل يغادرون القاهرة إلى قبرص1

عن أى مؤامرة يتحدثون؟ نريد أن نفهم. مَن يتأمر على مَن؟

 (5)

من ناحية أخرى يقول “ثوار الغلّ” أن ثورة يناير كسرت جهاز الشرطة، وهو أمر مغلوط وفيه لبس. فوزارة الداخلية تضررت ـ فقط ـ لوجستيا، بإحراق سياراتها وأقسامها، لكنها بالمعنى الأمنى لم يتأثر جسمها كما يشاع.

جهاز الأمن فى مصر عميق، متمكن، ومتوغل فى الدولة، وأغوط من أن يتم تفكيكه أو كسره بثورة أو اثنين أو حتى ثلاثة.

أن الإنسحاب المتزامن، والممنهج، لرجال الداخلية من على الأرض يوم 28 يناير، لا يعنى تحلله. فلا أذيع سرًا عندما أقول أن جميع أفراد الأمن كانوا موجودين على الأرض فى الشوارع بداية من صبيحة يوم 29 يناير، كانت معسكرات الأمن المركزى تعمل بانتظام، كلٌ فى خدمته (ماعدا تسرب نسبة ضعيفة جدًا من المجندين الذين فروا عائدين إلى قراهم) أفراد الداخلية كانوا يتحركون على الأرض بزى مدنى وبدون سلاح، كانوا يباشرون مهامهم الأمنية، بشكل مستتر، خشية من الشعب الغاضب.

الجهاز الامنى فى مصر ليس “شوية” مبانى ومنشاءات، بل هو فكر وطريقة، الأمن “جهاز معلوماتى” وهذا الجهاز لم يمس بسوء، ويدلل على ذلك المكالمات التليفونية التى سجلوها وسربوها لنشطاء أعقاب 28 يناير، حيث كان (الامنيون) يعملون وقتها بكامل طاقتهم.

من بين التسجيلات المسربة يوجد عدد من المكالمات تحوى أحاديث لنشطاء سجلت لهم قبل الثورة بسنوات، وهو ما يزيد التساؤلات ـ التى لا إجابات لها ـ  سؤالا إضافيا: طالما أن جهاز الأمن كان يرصد تحركات لأشخاص يحيكون مؤامرة ضد البلد منذ 2006، لماذا لم يقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة لحماية البلد؟

أن هؤلاء الشباب، بالمناسبة، كانوا يسافرون خارج البلاد لتلق ورش عمل على “كفاح اللاعنف” تحت سمع وبصر أجهزة الدولة، وكانت الدولة تسمح لهم بذلك!

هل اكتشفت الدولة فجأة أنهم متأمرين؟  هل نعتبر هذه مؤامرة برخصة؟

 (6)

من الأفتراءات على ثورة يناير أيضا القول أنها هى مَن أتت بجماعة الأخوان إلى الحكم، وهذا الأمر سيحيلنا إلى حكم محكمة جنايات القاهرة في قضية الهروب من سجن وادي النطرون واقتحام السجون، والتى قضت فيها المحكمة بالاعدام على ما يزيد عن 90 أخوانيا على رأسهم الرئيس المعزول محمد مرسي. وهو ما يدفع للسؤال: مَن الذى مرر محمد مرسى (المتهم الهارب من السجون المصرية) إلى قصر الرئاسة؟ مَن أمّن على أوراق ترشحه وأقر أنه حسن السير والسلوك؟ وقال للشعب: إن هذا الرجل (المجرم) يصلح أن يكون رئيسا لمصر!!

ما أعرفه أن ثورة يناير لم تقم بهذا الفعل الشنيع. تمامًا مثلما هى بريئة من تسمين جماعة الإخوان فى السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، ثورة يناير لم تعطى الاخوان ثلث البرلمان فى 2005 بنظام الصفقات، ولم تجعل منهم ماكينة اقتصادية ضخمة مولت الارهاب برحابة.

ثورة يناير بريئة من كل هذا.

(7)

استعار “ثورة الغلّ” للنيل من “ثورة يناير” سيعمق الإختلاف فى الشارع، فالجيش عندما تدخل فى المشهد السياسى بالانحياز للشعب فى ثورة 30 يونيو، ساق فكرة أنه يفعل ذلك من أجل إنهاء حالة الإنقسام المتنامية فى الشارع. هذا الانقسام سيعود مجددا إذا لم تتوقف “ثورة الغلّ”.

فثورة يناير لها مريديها وضحاياها، وتعبر عن أوجاع جيل بكامله عومل (قبل الثورة وبعدها) على أنه جيل فاسد، تافة، مخرب. وركب الجميع موجة التعالى على أفكاره وأحلامه، وكيلت له الاتهامات، ما دفعه للانسحاب من المشهد محتجا.

أمهات_شهداء_ثورة_الخامس_والعشرين_من_يناير

أمهات_شهداء_ثورة_الخامس_والعشرين_من_يناير

صمت الدولة على “ثورة الغل” والإتجاه لمحو “عيد الثورة” ليحل محلها “عيد الشرطة”، سوف يعمق الفرقة، ففى الوقت الذى نرفع فيه شعار “كل الدم المصرى حرام” نجد مَن يعظم ويكرم شهداء الشرطة دونما سواهم، وهو أمر خطير. فثورة يناير لها مئات الضحايا والشهداء، وليس من العدل أن تنساهم الدولة وتعظم فقط شهداء الشرطة، هذه الحالة من الانكار تذكرنى بالشعار الاخوانى المقيت الذى رفعوه فى وجه المصريين: “قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار”.

(8)

لقد تكتل الجميع ضد “ثريا”، رجموها حتى الموت، وأمد المتأمرون راجميها بالدبش والحجارة، صحيح ماتت “ثريا” لكن صوتها لم يمت، تجللى بعد سنوات طويلة من قتلها، فخلدت فى التاريخ الانسانى بأعمال وثقت رحلة الغدر، ولسوف تعيش ثورة يناير رغم “ثورة الغل” التى تسعى إلى إخراس  صوتها الذى يزعج الظالمين.

(Visited 588 times, 1 visits today)
عن الكاتب
أحمد الرومي
صحفى ومذيع مصري
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق