الآن تقرأ
القرار.. قصة قصيرة

القاهرة – الإسكندرية 2015

في هذا الضوء الشحيح مع ألم أسناني وضروسي الذي ينبئ أني سأفقدها في غضون بضعة أعوام، بينما تتشبع دمائي بهرمونات الخمول والبلادة الناتجة عن جرعات مكثقة من المخدر أجلس ذاهلا بشكل جزئي عما حولي وأشعل سيجارة جديدة وأفكر فيما قمت به من لحظات.

انعزلت وحيدا بجوار رفيقيّ وهما يتابعان فيلماً شهيراً، لأجلس إلى نفسي أقلّب في مقولاتها وأخبارها وصورها، بعدما فشلت في العثور على ما أشغل به وقتي. متغافلا عن النوم الذي لا أرغب في الذهاب إليه ليلا ولا أرغب في البعد عنه نهاراً كحال كل الزملاء المكتئبين المخضرمين في هذا المجال المظلم.

أتصفح الأخبار بدئب وتقصي يغلفه برد شديد. تتأتي إليّ فرص عدة. فرصة للقاء غداً وفرصة للإبهار بعد عدة أيام، فلا أجد في نفسي طاقة أو في قلبي مشاعر مزهرة لإغتنام هذه الفرص السانحة.

كنت قد أعلنت على مدار الأيام السابقة للرفاق عن رغبتي في التخلص من هذا العبء والفكاك من براثن هذا الحب الجديد في تاريخه، القديم في حاله ومآله. فهذه تشبه تلك. ربما أقصر قليلا، أذكى بعض الشئ، أكثر نجاح منها ومني. لكنها نفس البرج، نفس الطباع، نفس الحالة العاطفية من الجرح والألم. نفس التحيز النسوي ضد كل ما هو ذكوري ورجولي بعيدا عن الموضوعية أو الإنصاف.

منذ آخر لقاء مدبر – والذي لم يتجاز ربع الساعة – فقدت أغلب مشاعري وإنبهاري بها وكل رغبتي في المضي قدما من أجل الوصول إليها والوصل معها. اليوم وغداً أعرف مكان ووقت وجودها بشكل محدد ودقيق وأكاد أضمن فرصة لقائها، لأفوتها متعمداً. أعرف يوم ميلادها والذي يأتي بعد أيام قليلة، وأعرف ما  ترغب فيه كهدية والتي -على الرغم من صعوبة الحصول عليها- تعتبر فرصة مثالية للإبهار وإجتياز باب التسلل الى قلعتها.أفوت هذه الفرص جميعها بعناد المجروحين وإباء المهزومين. فقد خسرت معركتي الأولى دون أن تبدأ بعد.

خبراً غامضاً غير معنون وغير موجه، يأتي مصاحباً لرسمه تصف ما حدث بشكل هزلي. يحملان معاً – دون حاجة للكشف عن غموضهما – رفضاً صريحاً لا يقبل تأويل أو تحويل. رفضاً قاسياً صارماً، سحب قناع الأكسجين عن قلب مريض في أحرج فترات نقاهته. فكان كغيوم رعدية تحمل أمطار كبريتية حجبت الشمس عن حقول تحمل براعم خضراء هزيلة بدأت لتوها في الإنبات بعد بوار وموت لأعوام اربع، سبقتها أربع أخرى من الزرع والحصد الجائر. لتصبح تلك الأرض مشروع خرائب أسطورية تستحق أن تتحول إلى مزار سياحي لكل السذج والواهمين المتأملين في وصول الصعلوك لبنت السلطان.

لندن 2185

سيداتي آنستي ساداتي، أهلا بكم في هذه المحمية الطبيعية التي عثر عليها بعض أطباء التشريح لأحد القلوب الآدمية من القرن الماضي. حيث تعرضت هذه البقعة من اللحم البشري لعدة كوارث بشرية أدت إلى إنفجار عدة براكين في الشمال الشرقي للمكان، مع حدوث رياح حارقة وعواصف رملية ورعدية على الجنوب حتى الوسط. مما أدي إلى تلف كافة المحاصيل وتحجر تام في التربة، بشكل يحول دون امكانية إنباتها لأي مشاعر جديدة بأي حال من الأحوال في المستقبل. بينما نتجه من الوسط إلى الشمال الغربي حيث تمتلئ هذه المنطقة بعدد من المستنقعات الطينية والتي تتراوح بين الضحلة إلى شديدة العمق والخطورة لذا وجب اتخاذ الحذر وإحاطة هذه المنطقة بسور من الاسلاك الشائكة المكهربة لمنع الغافلين والسذج من الولوج لهذه المنطقة شديدة الخطورة ومن يتقدم إليها ذنبه على جنبه.

القاهرة – الدلتا – الاسكندرية 2005 – 2015.

السيجارة الثانية تقارب على الإنتهاء ولازلت أعاند النوم وأفر منه رغم حاجتي إليه، لما ينتظرني في الغد من معاناة.حسنا سأكحي لكم عن المرآة واللقاء على البحر.

أعرف في نفسي مهارة المرآة. فما يحمله الشخص أمامي من مشاعر تجاهي تنعكس علي بشكل تلقائي مباشر. فتمثل شعوري نحوه.

أذكر أني طوال الوقت مع أسطورتي الأولى كنت أشعر أنها لا تنتمي إلي بشكل ما. أنها بعيدة أو مقصرة أو غير كافية وأني لا أحبها بالشكل الكافي. رغم أني لم أكن أرى أو أرغب في غيرها. كانت هي فتاتي وسيدة قلبي ومن وهبتها العمر والقلب. كانت من أستطيع أن أتلقى رصاصة طائشة أو مقصودة فداء لها عن طيب خاطر وأنا مبتسم.

لأكتشف بعد سنوات طوال من المغالطة والتحليل أن ما كنت أشعر به نحوها في لحظات البعد والجفاء لم يكن سوى شعورها نحوي طوال الوقت. كانت تراني من منظور “أحسن الوحشين” وأن إحتياجها لوجودي كان أكبر من رغبتها في التخلص مني للبحث عن هذا الأفضل. كذلك إشفاقها علي وإستمتاعها بما أقدم وأغدق عليها من مشاعر كان أكبر من إحترامها لي وإحترامها لذاتها في إتخاذ موقف قوي صارم لإنهاء هذه العلاقة العرجاء. علاقة يمكن تلخيصها بكلمتين فقط: لا حب – لا بعد.

وهذا ما لم أستطع أن أغفره لها بعد كل هذه السنوات. ذلك لأني عندما تعرضت لمثل هذه التجربة بعدها. دفعتني الأقدار لأكون في مثل موقفها مع وجود تلك المتيمة بحبي. والتي لم تكفي مشاعرها ولا مجهوداتها لتتحول من وصيفة في الحريم إلى سيدة للقلب. فلم أحتمل أن أتحول إلى مصاص دماء. أتغذى على مشاعر وقلوب العذراوات. ليصبحن كاهنات في معبد الظلمات. يجلسن لإصطياد الفرسان والسذج للتغذي على قلبوهم وأرواحهم.

فاتخذت ذالك الموقف القوي الصارم، وأغلقت كافة الأبواب أمام تلك الوصيفة. بصورة تمنيت أن تكون جارحة بما فيه الكفاية. فأتحول في نظرها من أمير أسطوري إلى نذل حقير لا يستحق أن تعطيه من قلبها أو عقلها سوى قليل من اللعنات لتمضي في طريقها قدما.وهو ما لم يحدث للاسف.

قصة حزينة أكررها طوال الوقت ولم اسئم منها بعد. لكنها هنا شاهد وضرورة لشرح فكرة المرآة. فما تشعر به نحوي يا صديقي ينعكس على وأشعر به نحوك بشكل مباشر. والآن يأتي دور اللقاء والبحر.

ففي ذلك المكان العالمي الذي يبعد عن مدينتي اكثر من 185 ميلاً. ذلك الذي شهد تاريخا عريقا وملاحم وفظائع وانتصارات وانكسارات للعلم وللسيف وللحب والكره على التوالي والتوازي والتقاطع طوال الالاف السنين، كانت هزيمتي التي قررت ان تكون الاخيرة.

تقدمت اليها في تؤدة ناتجة عن إرهاق السفر وإنعدام النوم وطول الإنتظار. لتقابلني بديق في عينيها وكلمتها الأثيرة والتي أقسم أني لو قابلتها مرة أخرى ولو مصادفة وقالتها في وجهي ثانية، فسأرد عليها بسباب يعاقب عليه الشرع والقانون.

“إحنا إتقابنا قبل كدا” كلمة أصبحت من المستفزات لأعصابي وإنضمت إلى قائمتي الشخصية للكلمات سيئة السمعة. لم أعلق يومها على هذه الكلمة سوى بهزات صغيرة من الرأس. لأبداء في الحوار الذي اخذت أكثر من أسبوع  في الاعداد له. واستعنت بالعديد من الرفقاء في التحضير، حتى أني استعنت بالأميرة العرافة (أسطورتي الأولى) ذاتها في مفارقة مضكحة مبكية لا تحدث سوى لشخص أسطوري النزعة مثلي.

لم يخرج هذا الحوار على خير مايرام. لم يكن في ابهى صوره، كما توقعت. لكنه لا يزال في نطاق المقبول المفيد. أنهيت الحوارفي دقائق قليلة. بعد أن ألقيت الكرة في ملعبها، وتأكدت أنها سجلت رقم هاتفي لديها، لتتواصل معي في حال وجود أي تأثر ايجابي من ناحيتها تجاهي. هكذا كانت الخطة أن أترك رقم هاتفي وأمضي من حيث أتيت. لتأخذ مساحتها في التفكير دون ضغط أو تصرفات حمقاء تصيبها بالفزع. وتتواصل في حال وجود إنطباع إيجابي لديها نحوي.

ما حدث بعد ذلك كان هو العجب بعينه. فبمجرد أن إختفت عن عيني وإنطلقتُ في طريقي، أصابتني حالة من خيبة الأمل، تلازمها وتتفوق عليها أمواج من مشاعر الرفض لهذه الإنسانة صغيرة الحجم كبيرة القدر.

رغبة ملحة في عدم إكمال هذا الأمر، وهاجس شبه مؤكد بأني مرفوض، ينافسه زهد شديد فيها وفي القرب منها. ظللت أيام عدة أقاوم هذه المشاعر المتضاربة، والتي تكاد تفتك بقلبي وتذهب عقلي. لتتملكني حالة من الغضب الشديد ورغبة في العند، دفعتني إلى إتخاذ قرار بإنهاء هذا المشروع الفاشل قبل أن يبدأ.

لم يعد في قوس القلب منزع للألم أو الخسران او التضحية في سبيل الحب ذاته دون الحصول على المحبوب. فبعد عشر سنوات في دوامات الحب والعلاقات، لا أستطيع أن أقول أني قد حصلت على علاقة سوية. أو أني حصلت على حبيبة لي بشكل كامل. فمن أحب لم تكن تحبني. ومن أحبتني لم أستطع أن أحبها.

فياله من قلب بائس حزين، ذلك من تجرع كل هذا المرار لمدة عشر أعوام كاملة تتراوح بين الألم والعذاب والخسران والذنب والوحدة والرفض والرفض مجدداً.

الآن أستطيع أن أقول أني إكتفيت من كل هذا. لم أعد أرغب في المزيد من العذاب. وأني اؤمن بالقدر. واؤمن أن الحب رزق. فإن كان مقسوما لي هذا الرزق فسيأتي إلي، حتى إن فررت منه فرار الجبان من الموت.

فها أنا ذا أصعد البرج لأعد لمملكتي. حتى أكون ملكاً فارساً محارباً. فإن أتت مليكتي ألبستها تاجها وأجلستها على عرشها. وإن لم يكن لي ملكة، فالجواري كثيرات.

عن الكاتب
أحمد حلمي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق