الآن تقرأ
خدعوك فقالوا… لا طلاق إلا لعلة الزنا

تربينا منذ الصغر على أن الزواج سر مقدس.. رباط حب أبدي يجمع بين الرجل وزوجته كما جمع الحب القائم على التضحية والبذل بين السيد المسيح الذي قدم حياته فداء لأجل الكنيسة “النفس البشرية”.

هذه التعاليم لو تعلمون عظيمة.. جداً..

فحين تخطر فكرة الزواج على قلب الانسان المسيحي لابد وأن يستحضر معها تلك الصورة المثالية التي تربى عليها، مقرنا الزواج بالحب والبذل الأبديين؛ بل أن تلك الصورة أصبحت ملهمة لدعوات الأسر المسلمة في الصعيد.. حتى أن عبد الرحمن الأبنودي تحدث في أكثر من مناسبة عن دعوات جيرانه للمتزوجين حديثاً بحظ زواج النصارى، وقال: “لقد ظللت معظم سنوات الطفولة أتعجب من هذا الدعاء الذى لا أفهمه.. ففي كل مناسبة تدخل المرأة الجارة أو القريبة في يدها رموز المجاملة: حناء، سكر، شاي، وتطلق زغرودتها في وجه العروس على أضواء اللمبات الخافتة المدخنة وتعقب الزغرودة بالدعاء الخالد بالعمارة و التمارة و”جيزة النصارى”.

هذا كله ينطبق على الزيجات التي جمعها الله ولا يمكن أن يفرقها انسان بحسب الوصية الكتابيةفماذا اذن عن مصير الزيجات التي لم يجمعها الله واستطاع ان يفرقها الشيطان؟

بدأت التعرف على أزمة قوانين الأحوال الشخصية من قرب حين عملت محررة للملف القبطي في جريدة البديل عام 2012، طلب مني رئيس التحرير الاهتمام بالملف، نظراً لفرض نفسه على الساحة العامة، حيث تحولت قضايا الأحوال الشخصية إلى شأن عام وليست مجرد أزمة كنسية.

قال لي خالد البلشي، رئيس تحريرموقع البديل وقتها: “تابعي الملف كويس.. قابلي ناس.. شوفي الدنيا من جوه ماشية ازاي.. لازم نخرج بلقطات مختلفة”.

تقابلت بالفعل مع متضررين، وحالات لها باع طويل من الوقوف أمام مكتب المجلس الإكليريكي المنوط به دراسة ملفات الأحوال الشخصية بمقره بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، سمعت قصة لأكثر من سيدة ارتضت بالتعايش مع الضرب والإهانة اليومية تنفيذا لتعليم الأباء الكهنة لها “معندناش طلاق يا بنتي.. شيلي صليبك واستحملي”.. ولا أعلم من أن يأتي الاحتمال في مثل هذه الحالات!..

وعلى الرغم من تحمل إحدى الحالات لهذه الحياة المهينة، إلا أن الطرف الآخر كان أكثر غلاظة من قبول ذل شريكته كمبرر لعيش حياة سوية، وقام بطرد صاحبة القصة من بيتها أكثر من مرة، وفي إحدى المرات وصل الضرب لحد الاقتراب من الموت، ومع ذلك كان في كل مرة الأب الكاهن بمعاونة أسرتها يتدخلون لإنهاء الأزمة بشكل صوري، حتى فاض بها الكيل لتطالب بفتح ملف في المجلس الإكليريكي..

سمعت قصص عن حالات لرجال رأوا زوجاتهم رؤيا العين مع آخر في فراش الزوجية، وكان عليهم إثبات تلك الواقعة من خلال الشهود أو صور لإقناع المسئول بوجود سبب كافي للطلاق.. بل تحدثت مع حالة سجل صاحبها لزوجته مكالمات ورسائل “إباحية” على الفيس بوك، لكن لم تقنع الاّباء تلك الأدلة بوقوع الزنا، الأكثر أن هناك حالة أرسل صاحبها صور زوجته الهاربة منذ سنوات للمجلس الاكليريكي وهي برفقة أكثر من رجل، لكنها أيضا لم تقنع المسئولين عن الملف بوقوع الزنا.. فعانى صاحب الأزمة مشقة البحث عن إثباتات أخرى امتدت لسنوات لتأكيد واقعة الزنا على زوجته.. ولا أعلم إذا كان حصل على طلاق حتى اليوم أم لا..

باختصار.. عاينت وسمعت قصص مخزية ومعقدة تعجز كلمة “كارثية” عن إضفاء المعنى الحقيقي لها.. ومع ذلك كنت أتعامل مع كل القصص بتحجر قلب وغلظة وبمنطق “ايه اللي وداها هناك؟”.. كنت أراهن على أن يكون الخطأ متساوي بين الطرفين.. الضحية والجاني على السواء.. متسائلة: “أزاي شخص يقدم على الزواج دون دراسة الطرف الآخر؟”.. وما كان يرسخ لتلك الفكرة الشاذة داخلي تلاعب البعض بهذا الملف، والتربح من وراءه أو استغلاله لشهرتهم الخاصة على حساب أوجاع وهموم الآخرين..

فكنت لا أفرق بين الحقيقي و المزيف في الأزمة فأساوي بخسة بين كل الأطراف.. واعتبر أن الأمر منتهي بالنسبة لي لأنه.. لا طلاق إلا لعلة الزنا. .. واللى مش عاجبه يشرب م البحر..

خدعوك فقالوا… لا طلاق إلا لعلة الزنا..

 عزيزي المسيحي المتزمت.. الذي لاتزال تفكر بنفس منطقي الساذج سابقاً وتساوي بين الضحية والجاني.. استعد للصدمة..

لا توجد أية واحدة في الكتاب المقدس تقول لا طلاق إلا لعلة الزنا..اتصدمت؟ .. لقد كنت مثلك مصدومة حين سمعت عن الأمر.. وبحثت وقرأت بنفسي.. لذلك تعلمت من أخطأني.

هو الدين بيقول ايه؟!

 يقول إنجيل متى: وجاء إليه الفريسيون ليجربوا “المسيح” قائلين له هل يحل لرجل أن يطلق امرأته “لكل سبب”؟ كان هذا السؤال لأن الرجل اليهودي كان يطلق امرأته “بالإرادة المنفردة” لكل سبب ولأي سبب، وكانت توجد فرقتين في اليهودية واحدة ترى أن الطلاق لكل سبب مثل أن يكون الطعام سيء المذاق، أو أن المرأة لا تتجمل لزوجها أو تضجر في وجهه، والفريق الآخر يرى أنه لا يحق للرجل طلاق امرأته لكل سبب، لذلك جاء السؤال عن الطلاق بالإرادة المنفردة للرجل.

وكانت إجابة السيد المسيح: “أقول لكم: أن مَنْ طلق امرأته إلا بسبب الزنى وتزوَّج بأخرى يزنى” (متى 19: 9)،وفي أية أخرى: “أن مَنْ طَلَّق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني” (متى 32:5).

وباقي الرد يعني أن الرجل اذا أراد أن يطلق امرأته لسبب قوي فعليه أن يتحدث معها، ولا يطلقها بإرادته المنفردة.. إلا إذا وجدها متلبسة في واقعة الزنى..

وبالعودة إلى حديث المسيح مع اليهود.. قال لهم: “إنه من البدء خلقهما ذكرا وأنثى، وإن ما جمعه الله لا يفرقه إنسان”، قالوا له: “فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق؟”،  قال لهم: “إن موسى من أجل قساوة قلوبكم إذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا”.

اذن الحديث هنا عن عدة أمور: الطلاق بالإرادة المنفردة لأجل كل سبب، ولم يتحدث عن الطلاق بعد حوار الطرفين واستحالة العشرة بينهما ولأسباب قوية تدفع لطريق مسدود ومنها الطلاق، كما أنه لم يتحدث عن حالة طلب المرأة للطلاق بل كان حديثه عن الرجل القاسي الذي يطلق إمرأته لأتفه الأسباب.

 وفي حديثه عن موسى.. لم يقل المسيح إن موسى أخطأ وعلينا تصحيح مساره، لكنه قبل الطلاق إذا وجدت قساوة القلب.. والسؤال هنا: ماذا عن قساة القلوب في كل عصر وزمن؟ ألم ترسخ المسيحية لقاعدة “أن الله يريد رحمة لا ذبيحة؟” أي الرحمة في عرف المسيحية أهم من تنفيذ الشريعة!.

 ولإيضاح الأمر أكثر.. استكمل السيد المسيح حواره معهم موضحاً إن المطلق الذى يتزوج بأخرى يزنى،أو الذي يطلق يجعلها تزنيوكان هنا يتحدث عن واقع، لأن المرأة التي كان يطلقها زوجها تصبح بلا مأوى فتضطر للعمل في الدعارة، ولأن العلاقة لاتزال قائمة لأن سبب الطلاق تافه وجاء بإرادة منفردة، فإن زواج الرجل من أخرى زنا أيضا..

فجاء رد تلاميذه: “إن كان هذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج”، فقال لهم: “ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم”.

في هذا الحديث وضع السيد المسيح قاعدة هامة: أن الأمر لا تستطيع كل الحالات قبوله والعمل به، هناك بالطبع استثناءات لا يمكنها تحمل القاعدة الأساسية “ان الزواج تأسس ليبقى.. ليكون ا لاثنان جسداً واحداً” فهناك من يرفض تلك القاعدة لصعوبتها، والسيد المسيح يقبل جميع الحالات ولا يوبخها.

 شىء آخر..لابد أن نضع في الاعتبار المعنى اللغوي لكلمة “طلاق” فالترجمة مأخوذة عن كلمة يونانية بمعنى “التهجير”، أو “التسريح” لكن لأن مرادفها في اللغة العربية غير مفهوم فترجمت لأقرب كلمة “الطلاق”، أي أن الحديث عن الطلاق بمعناه التشريعي والمدني غير موجود في حديث السيد المسيح في تلك الآيات.. وهناك دراسة يمكن مراجعتها أعدها الأنبا نيقولا المتحدث بإسم الروم الأرثوذكس تبطل وجود آية “لا طلاق إلا لعلة الزنا” وتتحدث عن أصل كلمة “الطلاق” في اليونانية.

اضغط هنا

 لكن ما الدليل على أن الكنيسة فهمت النص بهذا المعنى؟

أول القوانين التي وضعت في ملف الأحوال الشخصية كانت في عهد البابا غبريال الثاني سنة 1131، أي أن الكنيسة عاشت قرابة الخمس قرون لا دخل لها بالزواج والطلاق، كان ما يحكم الأمر هو الامبراطورية الرومانية وقوانين الدولة المدنية، بل لم تطالب به الكنيسة ولم تعتبره من اختصاصها.

ونصت إحدى القوانين التي وضعت،”التي تم الاستعانة بها فيما بعد في لائحة 1938 و أتاحت الطلاق لتسع أسباب مستلهمة من تعاليم الأباء الأوائل”.

نصت على: أن الزيجة تفسخ بثبوت الزنا على المرأة، وبرهبنة المتزوجين برضاهما، وإن أقام الرجل ثلاث سنين ولا يمكنه أن يعمل ما يخصه، كما تطلق المرأة التي تصرع كثيرا أو بها جزام أو برص إن ذلك حل بيها بعد زيجتها وأراد الرجل مفارقتها، إذا غاب أحد الزوجين أكثر من سبع سنين، وزادت عليها لائحة 38 أنه يجوز أيضا للزوجة أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بمرض العنة، وإذا اعتدى أحد الزوجين على حياة الآخر أو اعتاد إيذاءه إيذاء جسيما يعرض صحته للخطر.

هل كانت الكنيسة غير مؤمنة في هذه القرون؟ هل كان جميع المطلقون زناة؟ بل وحتى في كنائس الروم الأرثوذكس التي تشترك معنا في الايمان تتيح الطلاق لتسعة أسباب.

كما فسر القديس يوحنا الذهبي الفم، في تعليقه على الأمر قائلاً: “إنّ فسخ الزواج أفضل من الهلاك”، فهناك حالات خاصة تفرغ فيها الحياة الزوجية من جوهرها، ولا بدّ للكنيسة من أن تأخذ منها موقفاً خاصاً لخلاص الإنسان. كل هذه التفاسير وغيرها ترجمتها لائحة الرحمة عام 1938 وكان لإلغائها عام 2008 بقرار منفرد من البابا شنودة دون العودة لمجلس الشعب بالغ الأثر على الزيجات المعلقة التي تقدر اعدادها بمئات الالاف، هذا بالنسبة للقادرين على رفع قضية ومواجهة المجتمع، لكن ماذا عن الغير قادرين؟ بالطبع لا يمكن حصرهم.

أخيراً.. ما الحل؟ لا أعرف! لكن كل ما أعرفه أننا طالبنا ولازلنا نطالب بدولة مدنية، لا تفرق في قوانينها بين المسلم والمسيحي، وبالطبع المطالبة بزواج مدني عام لكل المصريين ضرب من الخيال في الوقت الحالي، لاصطدامه مع المادة الثانية من الدستور، لكن المطالبة بالتعاطف مع تلك الحالات والزيجات المعلقة والأسر المهددة أصبح واجباً على كل صاحب عقل، واذا لم نستطع التعاطف .. فعلينا الصمت أمام ازمات الاخرين احتراماً لمشاعرهم، وما اعرفه أيضاً أن الأمر أصبح بالأكثر واجباً انسانياً تجاه الكنيسة ازاء أبنائها وبناتها المتضررين في الأساس بسبب حفنة من البنود في لائحة تسبب إلغاء العمل بها تدمير حياتهم بالكامل!.

عن الكاتب
مارسيل نظمي
1التعليقات
  • سلمى
    5 فبراير، 2016 at 4:37 م

    المادة التانية مش هي اللي مانعة طلاق المسيحين، الكنيسة هي اللي فارضه نفسها و تشريعاتها في ما يخص رعاياها من مئات السنين زي ما ذكرتي في المقال، و قانون الاحوال الشخصية المستلهم من الشريعة الاسلامية منصف و مرن و اقر الخلع من ييجي 10 سنين المشكلة في التزمت الكنسي و كمان رعايا الكنيسة بيرفضوا حتى يغيروا الطائفة للروم الارثوذكس ويحتكموا للقانون العام المبني على الشريعة، يعني حتى لو في زواج مدني الناس المتدينة اللي مش عايزة تخالف الكنيسة مش هيلجئوا ليه لنفس السبب

أضف ردك