الآن تقرأ
الواقي الذكري الذي كشف عورة المجتمع

” الواقي الذكري ” بكل تعريفاته أصبح الكلمة الأكثر تداولاً على ألسنة المجتمع المصري والمعركة الأبرز في أم الدنيا اليوم ، حيث قاما شابان بنفخ مجموعة منه وتوزيعها على رجال الشرطة في التحرير في إشارة لحال وزارة الداخلية خلال ثورة يناير ، وكعادة المجتمع الذي لا يتفق على شئ قامت معركة التصريحات بين مؤيد ومعارض ، في الطرفين شخصيات ثابتة على مبادئها دائماً ووجهات نظرها لا تتغير في كل المواقف المماثلة لكنهم قلة وسط أغلبية تتلون بلون كل مرحلة في حياتها وحياة أم الدنيا .

الشابان هما أحمد مالك ممثل وشادي أبو زيد مراسل برنامج أبلة فاهيتا والذين أصيبا من قبل خلال أحداث ثورة يناير مالك بشرخ في الجمجمة وشادي بكسور ورصاص مطاطي ، وبغض النظر عن تأييد أو معارضة ما قاما به في ذكرى الثورة الخامسة تطرح حالة الجدل حول فعلهما العديد من التساؤلات حول المصطلحات التي يستخدمها رموز المجتمع المصري الآن ومرتادي وسائل التواصل الاجتماعي في توصيف الحدث والتعاطي معه ، لا يعني ذلك تأييداً لما فعلاه ولا إدانة له إنما مجرد محاولة لاستيضاح بعض الأمور حتى يمكن للمتابع للحدث رسم صورة كاملة وتكوين رأي عنه في ظل هذا التضارب الشديد .

خادش للحياء

يقول المؤيدون أن الفعل خادش للحياء لكنه حق مشروع في الاعتراض

ويقول المعارضون أن الفعل خادش للحياء ويجب محاكمة مرتكبه

من ضمن المؤيدين أنصار تنظيم الإخوان الذين عارضوا برنامج البرنامج الذي كان يقدمه الإعلامي باسم يوسف في فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي ووصفوه بخادش للحياء ورفضوا كل وسيلة ساخرة استخدمها معارضوهم ضدهم ، ورفعوا شعار ” يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ” وهم أيضاً من قالت رموز قنواتهم الفضائية في تبرير مهاجمة اعتصام الاتحادية ضد إعلان مرسي الدستوري ديسمبر 2012 م أن خيم المعتصمين احتوت على واق ذكري وحبوب منع حمل !

أما المعارضون لتصرف مالك وشادي فمنهم من ضحك على حلقات برنامج البرنامج ذات الإيحاءات الجنسية حين كانت في عهد مرسي ثم انقلبوا على نفس البرنامج وطالبوا بإيقافه بحجة خدشه للحياء حين طال السخرية من النظام القائم عقب 30 يونيو .

في النهاية اتفق الطرفان على أن الفعل خادش للحياء لكن اختلفوا على وجوب محاكمة مرتكبيه وهنا يفصل في المسألة الفنان عادل إمام مجسداً شخصية سرحان عبد البصير في شاهد ماشافش حاجة قائلاً جملته الشهيرة ” يابيه لو كل واحد عزل علشان تحته رقاصة البلد كلها هتنام في الشارع ” تماماً كما الأمر في محاكمة خادشي حياء المجتمع لو حاكمنا كل موصوف بخادش للحياء ” البلد كلها هتبات في السجن ” ويمكن تصور قائمة مبدئية للمطلوبين تحت بند خدش الحياء .

  • كل من دخل على مواقع إنترنت جنسية وتسبب بذلك في تنقل مصر بين المركزين الثاني والرابع في قائمة الدول المتصدرة لاستخدام تلك المواقع الخادشة للحياء وبالطبع لا ننسى كل فنان وفنانة أعلن صراحة عن ارتياده تلك المواقع والاستمتاع بأفلامها .
  • كل رمز دولة رسمي حوت تصريحاته جملاً شهيرة توضع تحت بند إيحاءات جنسية .
  • كل كاتب استخدم في تعبيره عبارات جنسية أو أشار لأعضاء حساسة بالجسد أو ألمح بلفظ ربما يخدش حياء خيال القارئ .
  • كل فنان قدم مشهد يعبر عن علاقة جنسية أو تلفظ بكلمة صادمة للمشاهد ولا يستثنى من ذلك بالطبع المؤلف كاتب النص والمخرج الذي وافق على تصويره والمنتج الذي دفع مقابل تنفيذه والسينما التي وافقت على عرضه بها والقناة التي اشترته وعرضته على شاشتها ولا مانع من إلقاء القبض على المشاهدين أنفسهم لأنهم قبلوا المشاهدة .
  • كل إعلامي وصف معارضيه بارتكاب أفعال لا أخلاقية أو كما يصفها المصريون ” دخل في منطقة الأعراض ” .
  • كل سياسي سب معارضيه واستخدم في ذلك ألفاظاً خارجة وخادشة للحياء ولا يستثنى من ذلك أي أحد حتى لو كان عضواً بالبرلمان أو مثلاً رئيساً للجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب .
  • كل محسوب على تيار الدين السياسي وصف معارضيه بأنهم ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وفي مقدمتهم المذيع الشهير الذي استمر ضيفاً لأيام على قنوات تحمل صفة إسلامية يتحدث عن تقنين الزنا – العلاقات الجنسية غير المشروعة – عند زوجات ضباط الجيش المصري .
  • كل من خاض في أعراض معتصمي ميدان التحرير سواء من اتهمهم بإقامة علاقات جنسية كاملة في خيام الاعتصام أو من اتهمهم باصطحاب النساء لشقة العجوزة .
  • كل ضابط شرطة أو جيش سب محتجز لديه بلفظ خادش للحياء أو تحرش به أو هتك عرضه .
  • كل فنان وفنانة دخلا في علاقة غير مشروعة قانوناً ثم اختلفا وصدرا خلافهما حول نسب أبنائهما للرأي العام قبل القضاء .
  • كل مواطن سب أي شخص في أي وقت بلفظ خادش لحيائه أو حياء والدته .

ملحوظة :
اكتفينا بالإشارة دون دخول في تفاصيل الأحداث حتى لا نتهم بكوننا ناقلين للأفعال الخادشة للحياء لكن يمكنك الاطلاع عليها بسهولة بمجرد بحث بسيط عبر أي من محركات البحث بشبكة الإنترنت .

لكن السؤال الأهم قبل القبض على كل هؤلاء من الذي يحدد حياء المجتمع والخادش له و ما الفيصل في الحكم على فعل ما كونه خادش للحياء أم لا وهل حدث واتفق المجتمع من قبل على توصيف فعل واحد باعتباره خادش لحياء ال 90 مليون مصري أم أن الأمر نسبي ويختلف من شخص لآخر ومن موقف لآخر ومن تيار لآخر سواء كان تيار الخادش أو المخدوش ؟

إهانة لعساكر غلابة

وهل قدم للمحاكمة ال ” مش غلبان ” التابع لنفس الجهاز الشرطي الذي أمطر جسد أحد الشابين بوابل من خرطوش أو الذي أصاب الآخر بشرخ في الجمجمة ؟

اعترض بطريقة مشروعة

نصيحة تبدو  منطقية  لكن في مصر كل الطرق المشروعة للتعبير عن الرأي تؤدي إلى السجن مقال رأي أو تحقيق موثق أو حتى رواية من وحي الخيال ، منشور عبر صفحة شخصية أو تظاهرة في الشارع أو ملصق على سيارة أو حتى ارتداء ملابس مكتوب عليها جملة اعتراض فما هي الطريقة المشروعة الراقية التي يمكن التعبير بها عن الرأي دون المرور بالإخفاء القسري والوصول إلى السجن ؟

حتى كتابة هذه السطور لم يتأكد خبر تحويل مالك وشادي للتحقيق لكن المؤكد فصل شادي من البرنامج الذي كان يعمل مراسلاً له وهو البرنامج المشهور بتقديم العبارات ذات الإيحاءات الجنسية بتدفق شديد ، وسحب نقابة المهن التمثيلية لتصاريح التمثيل الممنوحة لمالك وإحالته للتحقيق رغم أنه لم يذكر أن النقابة أقدمت على نفس الفعل مع فنانين آخرين طالما أهانوا ثورة يناير ووصفوا المشاركين فيها بكل ما هو لا أخلاقي وخادش للحياء ، أو اتخذت نفس الموقف مع فنانين آخرين طالما أمطروا المجتمع بوابل ألفاظ ومصطلحات خارجة وخادشة للحياء أثناء إطلالتهم كضيوف بالفضائيات .

والسؤال هنا هل يستحق مالك وشادي المحاسبة وحدهما أم أن هناك قائمة طويلة تستحق أن تحاسب معهما ؟
مثل نظام تعليم مدمر للعقول وللنفس ولا ينطبق عليه أي من توصيفات وزارته ” تربية وتعليم ” ، ونظام سياسي أغلق كل الطرق المشروعة للاعتراض وإعلام كرس لثقافة كل ما هو إسفاف وابتذال ، ونظام قضائي تآمر جزء منه على أصحاب الحقوق ووقف داعماً لهاضميها ؟
هل سيحاسب أبطال  ” ﺟﺪﻉ ﻳﺎﺑﺎﺷﺎ جت في عينه  ” ، ومن تبول على المتظاهرين أمام مجلس الوزراء

ولنسأل ذلك المجتمع الذي نصب نفسه قاضياً على شابين وجعلهما محور أحاديثه بين مؤيد ومعارض كيف تجاهل النظر إلى القهر الذي شعرا به بعد تبرئة من كاد يفقدهما حياتهما فخرجا بعد خمس سنوات يحاولان أخذ جزء من حقهم سخرية وإهانة من جهازه .

وأخيراً اعتذر أحمد مالك عن ما قام به فهل يملك المجتمع ورموزه شجاعة الاعتذار عن كل انتهاك للحقوق والحريات والأعراض هل يملك المجتمع شجاعة المحامي الذي جسده الرائع أحمد زكي في ” ضد الحكومة ” صارخاً ” كلنا فاسدون لا أستثني منا أحد ” .

 

 

عن الكاتب
سارة محمد علي
صحفية وباحثة ومعدة أفلام وثائقية ، خريجة كلية الخدمة الاجتماعية ، بدأت العمل بالصحافة منذ الصف الأول الثانوي ، عملت بالعديد من الجرائد والمواقع المصرية والعربية و سكرتير تحرير سابق لمجلة الفنون قبل توقف طبعها .
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق