الآن تقرأ
المقام (قصة قصيرة)

أتوسل إليك يا سيد السادة وحفيد سادتهم، يا ولى الله أن تشفع فى ابنى المريض وترفع عنه البلاء، ارحم صدر أمه المختلج بتأوهات ابنها الصغير بعد أن ضاقت من الفقر، وارحم ضعف أبيه وحظه التعس، اشف كبد الطفل الذى تآكل من الخبث المطمور بجوف ورمه المقيم.

عند ضريح الحسين تختلط الأصوات وتنجذب وتتنافر مشكلةً صدى تقشعر له قلوب الصم الذين لا يفقهون الكلام، وتختلج الصدور بما يفيض عن سعة الروح المتعطشة للراحة، والآملة فى الخلاص من كل ما يستنزف قطراتها النورانية العابسة بوجه العتمة عند حضور البلاء، تلك النفوس التى هوت ضعف الحياة وتلذذت بعبق الحسن المنزوى بأركان الشقاء الذى يحتضن ليال القاهرة المزدحمة المحملة بالغبار العتيق المتصاعد من أرواح أولئك الساكنين المنحدرين عن أجداد قدامى لا يشبهونهم، حاضرةٌ هى لتترك أثرها على نفوس كل العابرين والمقيمين، حتى تركت أثرها على جسد الحسين الذى تفرق بين البلاد، والذى سأم كل تلك التوسلات التى لا يملك لأصحابها أمرا، وهو الذى لم يَتملّك أمره حين مَلّك َ الناس أمورهم من يزيد، ولم يدرأ عن نفسه ضربة ذى الجوشن المتعطشة لسفك الولاية عن الحق، فمات الحسين عطشا لأن تتحرك أرواح هؤلاء فتسقيه من رحيقها الذى آل إلى رماد برائحة العبرات المنسدلة على صدور نسوة لطمن جيوبهن والوجوه، ولم يسكنََّ عن ذلك إلى الدقيقة التى وقف فيها عبد الحى سلمان إلى مقام الحسين، يرجو الشفاء لابنه فؤاد ذو التسع سنوات المريض بسرطان الكبد، والذى تأبط المرض ذراعيه وسار به صوب حتفه لا إلى الموت ولكن إلى الطفولة الضائعة بين أشباح المرضى المتخفية بأجساد لا تشبه الأرواح التى تسكنها، وروائح المستشفيات العبقة بنذائر البعث وعيون الممرضات المتوجسة من الصعود الأبدى الذى يتْشف من أمامهن، وعيون الأطباء المتأملة لحظات الضعف البشرى الكاملة والكامنة بخفوت القوة ببواطن النفوس الماثلة أمام عجزها عن الخلاص من الجسد المريض.

عبد الحى الذى يسكن صباح كل يوم إلى دكةٍ خشبيةٍ منزوية بركنِ بابٍ حديدىٍ عريض بمدخل إحدى العمارات القديمة بحى مصر الجديدة يعمل بوابها منذ ما يقارب الخمس عشرة سنة، وهو الذى ورث الدكة عن أبيه سلمان جاد الله الذى قادته قدماه من الصعيد إلى القاهرة بخمسينيات القرن الماضى، بحثاً عن العمل، وأملاً فى التمتع بأحلام ذلك الحصن المُذَهَّب برواق التَمدن وطموحات التقدمية التى حملتها دعاوى الوحدوية طوال تلك الفترة، ولكنه آل بالنهاية إلى حراسة ذلك العقار بحى من أحياء الطبقة الراقية كما يطلقون عليها، وهو ما ورثه عنه ابنه من بعده وزوجته صفية التى بدورها تعينه على عمله بعنايتها بمدخل البناية وغسل السلالم ومراقبة المصعد تحسباً لتعطله..

تستمر وصلة الدعاء والتوسل أمام الضريح، بينما تفيض دموع البعض بالبكاء متحسرة، وتشتكى الكلمات من الدنيا وهمومها راجيةً الراحة..

يظهر إلى يمين عبد الحى فجأة وكأنه قد هبط من السماء، رجل أربعينى، قَمحِىُّ البشرة، مسترسل الشعر، حسن المظهر، وتبدو على ملابسه وصحته سمات اليسر، مرتديا قميصا أبيض وبنطالا غامق اللون، يلامس بإحدى يديه جنبات الضريح بينما اليد الأخرى ساكنة تحيط بأصابعها مصحفا صغيرا، وبينما تنحدر الدموع على وجنتى عبد الحى المشققتين، وتنكمش الأضواء العابرة على جبهته العريضة المجعدة، انزوى من وقف إلى يمينه عن الدنيا بأكملها وإن كان حاضرا بالجسد، فقد بدت روحه معلقة ومخلوعة عن ظل العالم، هائمة على وجهها فى رحاب الأصوات المختلجة بما يشتعل فى صدور المحيطين، وبما يدور على ألسنتهم، عشرون دقيقة مرت تقريبا على ظهور صاحبنا وانطوائه وصمته المريبَين،  لم يعر اهتماما لأحد وإن لم يعر انتباهاً ظاهراً للضريح الساكن أمامه، ولكن نظراته ما لبثت حتى تصارعت للحاق بعبد الحى وابنه الصغير، حتى تشاغل به عبد الحى عن ابنه الذى لم يكن يفقه لينتبه إلى نظرات رجل لا يعرفه.. صاحبنا لا يدعو ولا يبتهل ولا يتلفظ ببنت شفة، هو فقط يتأمل السقف تارةً وعبد الحى تارةً أخرى، وعبد الحى الذى من المفترض أنه منهمك بالدعاء ومراعاة ابنه خوفا عليه من الخروج والذهاب بعيدا وهو منشغل عنه، انشغل باطنه عن كل ذلك بمحاولة تفسير النظرات الغامضة التى لاحقته كما تلاحق الأفعى فريستها بطرق ملتوية، فما كان إلا أن اتخذ القرار بفتح حديث مع صاحبنا المهتم عسى أن تنفك عقدة لسانه وتنكشف سريرته عن المغزى من كل تلك النظرات التى توحى بسابق معرفة، وخجل من الحديث.. هكذا ظن عبد الحى.

*السلام عليك

-وعليكم السلام. رد الرجل بنبرة جامدة لا توحى بشىء.

*عبد الحى سلمان صعيدى مقيم بالقاهرة مع زوجتى وولدى

-“أنا أعرفك تمام المعرفة”. بلهجة واثقة رد صاحبنا وهو يخرج من جيبه منديلا يمسح به العرق المتراكم فوق جبهته وأنفه المعقوف.

*وبلغة متحيرة من أمرها وأمر مُخاطبِها رد عبد الحى : وهل كان لنا سابق معرفة أو التقينا من قبل ؟

-ندانى منادٍ فى المنام عَرفَّك لى، وقص عنك ما لم تدره نفسك عن ذاتها، وأبلغنى مكانك، وخَبّرنى بموعد قدومك إلى هنا وها أنا قد جئت.

سمع عبد الحى تلك الكلمات فامتزجت على وجهه تعابير من الدهشة والانفعال، وتبين من ارتعاش جسده شيم التصديق والتكذيب بذات الوقت، واحتضنت نفسه تلك الحالة من الخمول والعجز عن التفكير التى تصيب الإنسان حين تنكسر أمامه مرآة المنطق البسيط الذى يؤمن به أكثرهم سذاجة.

*زدنى وفسر بالضبط ما تقصد ؟! وبرهن لى من فضلك صحة ما رويت

قصدتُ ما قصدتْ، وقصصت ما قصصت، والدليل هو ابنك المريض بالداء الخبيث، والذى جئت به أنت إلى هنا طالباً البركة، آملاً بالشفاعة التى تزيح مصيبتك، وقد أرسلنى إليك صاحب البركة التى طلبت وحائز الشفاعة التى ظننت.

اختنق أنف عبد الحى بزفير متقطع يبين مدى تخبطه، ويبرهن على صحة حديث الرجل الذى اعتزل بحواره معه عن الخلائق، والذين تخبطت حواراتهم بأستار المقام بينما لم يمهله صاحبنا فرصة للرد وتلفظ بكلمات أخيرة :

-إن ابنك مريض، وهذا الذى يقف إلى يسارك مكروب، ومَن ورائك مقهور، ومَن بجانبه عاجز، ومَن يدنو منهما مُحتاج، ومن يراقب حديثنا جائع، وقد خَبّرنى صاحب المَقام، وهو من أرسلنى إليك، أن يا زوار المَقام ما لكم به من مُقام وأن المَقام الحق هو مَقام صاحبه عند موته !

عن الكاتب
أمين حمزاوى
كاتب، وطالب هندسة مصرى.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق