الآن تقرأ
“القرآن والحداثة” .. إحياء العقل لا إحياء الموتى

“الإيمان تعبير عفوي قد يستدعي الخروج عن النص”. تظل هذه العبارة التي اختارها سعيد ناشد في تصدير كتابه: “الحداثة والقرآن”، الصادر عن دار التنوير بالقاهرة، مفتاحا لكل الالتباسات والأسئلة والشبهات التي ستحوم حوله، تشكك في إيمانه في ساحات محاكم التفتيش، تستنطق ضميره وتفتش في عقله وتتعسف ضد أقواله وآراءه واجتهاداته.

فالتجربة الإيمانية معطى شخصي ذات خصوصية ملهمة، يخضع لها الفرد بكامل حريته وإرادته دون وصاية وتهديد وإرشادات نصية توجهها وتفسد دلالتها الروحية العميقة. يكابد الإنسان كل لحظاتها ويفنى في أشواقها وتظل سرا من أسرارها. “ففي غياب الحرية العاطفية يصبح الحب اغتصابا، وفي غياب الحرية الدينية يصبح الدين إرهابا”.

وكما يعبر عنها ابن عربي الفيلسوف والشاعر المتصوف الذي كان إيمانه ووجدانه يجمع بين “الدير” و”الكعبة” و”بيت الأوثان” و”مرعي الغزلان”، في أبياته الشعرية “دين الحب”. فيقول: كان الله ولاشئ معه، كان كنزل مخفيا، فأحب أن يُعرف فخلق العالم ليعرفه”.

فإن الأصل الوجودي لكل المخلوقات والأشياء في العالم أثر من آثار الله، وتعبير عنه، يدركها قلب العارف، ولايمكن حصرها في نص يعد بمثابة مرجعية مطلقة وأزلية، تتجاوز التاريخ وتتعالى عن الواقع ومدركاته وصيرورته، في مقابل تعطيل الوجدان الإنساني من الإندماج مع العالم اللانهائي والانفتاح علي كافة الخبرات المعرفية والخضوع لمحدودية النص.

حيث أن مايجري في الواقع أيضا هو خنق جوهر الروح الإلهية التي تتجلى في التاريخ والذي بحسب القرآن: “كل يوم هو في شأن”. وعدم إدراك أن التبدل والتغير والتحول قدر إلهي.

يتصدي صاحب الحداثة والقرآن لمحاولات فرض السلطة علي الضمير والعقل الإنساني وذلك منذ اغتيال العقل في الإسلام لتنميط السلوك الديني وعدم إشاعة فكر مغاير لما يعتمده كهنة وسدنة الدين في القرن الرابع الهجري وهزيمة المعتزلة.

وهو مايحيل في التاريخ أيضا إلي واقعة استغلال حديث الفرقة الناجية الذي سرى تفسيره منذ الدولة الأموية وتحديدا عقب توريث الخلافة من معاوية إلي ابنه يزيد، في ظل اتحاد السلطتين الدينية والسياسية، ماترتب علي إثرها تعطيل الاجتهاد في الدين وعدم معارضة الحكومة في آن، ووصم المعارضة –أي معارضة- بالكفر والمروق.

وتوالت انتصارات أصحاب نظرية الحق الإلهي والحديث بإسم المقدس، فتحولت النصوص الإيمانية التعبدية في لغتها الحسية التصويرية والمجازية إلي قوانين ونصوص دستورية ونظريات علمية وقيمية وأخلاقية يتم توظيفها الإيدولوجي والبراغماتي لبناء مشروعية سياسية.

وأضحى لكل كتلة اجتماعية وسياسيه مذهبا له مؤسساته ومجالسه العلمية ودور الافتاء التي تضمن له الشرعية وتكفير المنافسين. والتي بدأت تتضافر منذ خلو الساحة إلي أبي حامد الغزالي وابن تيمية، وتراجع ابن رشد والفارابي وابن سينا، وهيمنت أفكار حسن البنا علي حساب طه حسين وحتي نصر حامد أبو زيد.

لاينفي المؤلف حقيقة النص الديني أو يرفضه، كما أنه يؤمن بمصدره الإلهي، لكنه يقع علي إشكالية مهمة تفك عنه أغلال الفكر الأصولي واستدعاءه الدائم والموهوم في المخيال الديني، لزمن السلف الصالح باعتباره النموذج والمثال الذي ينبغي العودة إليه وشد واقعنا نحوه وانتظار تحقق الزمن المهدوي.

وكما يتضح عدم القبول بفرضية تاريخ مفارق للبشر ونفي أي قداسة عنه، يفرق بين ثلاث الوحي والقرآن والمصحف، باعتبارهم ظواهر تشكلت داخل التاريخ متتبعا حدوثها واكتمالها والتحولات الطارئة عليها.

فالوحي هو “الصور الوحيانية التي استشعرها الرسول عبر قوته التخييلية”، وهو هنا يعتمد آراء فلاسفة الإسلام كإبن عربي والفارابي، وينقل عن سبينوزا تفسيره لإحدى الظواهر المركزية في الدين وهي قضية الوحي وتعريفه لها بأنه: ” لم يتلق أي شخص وحيا من الله دون الإلتجاء إلي الخيال، أي كلام أو صور، وينتج عن ذلك أن النبوة لاتتطلب ذهنا كاملا بل خيالا خصبا”.

ويعترف بأن القرآن هو ثمرة جهد الرسول في تأويل الإشارات الإلهية لعبارات بشرية، بحسب لغته وثقافته وبيئته، وهو ما استغرق مايقرب زهاء ربع قرن. ويصل إلي أن المصحف العثماني الذي وصل لأيدينا بترتيبة وتبويبه، هو نتاج جهد المسلمين الذين قاموا بتجميع هذا التراث الديني وتدوينه لما يقترب من نصف قرن فإن “كلام القرآن هو كلام النبي المؤيد من الله”.

ويتضح من سياق التحليل التاريخي رفضه المفهوم التقليدي للوحي، والذي قدمته الأنظمة اللاهوتية، بأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به لفظا ومعنى علي الرسول، وهذا التصور بأزلية النص ووجود تصور خطي له وكل حرف فيه بحجم جبل قاف، كما شاع في التصور الديني القديم، وهو جبل أسطوري يحيط بالأرض من كافة نواحيها، نتج عنه تحول النص إلي أيقونة مقدسة للتبرك والزينة، واستغلاق النص علي أي محاولة للفهم وتحليل بنية النص اللغوية ودلالتها.

تحيل النظرة إلي استكشاف الخلفية الثقافية السائدة قبل الإسلام إلي التأكيد علي الإرتباط العضوي للنص القرآني للشروط التاريخية وقت نزول الرسالة واعتبارات الظروف البيئية أعرافها وتقاليدها ونظامها الإجتماعي، وكذا، النظام اللغوي السائد والجهاز المفاهيمي الذي يحكم الجماعة وقتها دون الوثوب علي تلك الحقائق الموضوعية وهذا يتضح من الآيات التي تتحدث عن الربا والربح والميزان والمكيال والمثقال وهو يشير إلي نمط إنتاج تجاري وتشريع حدين لقاطع الطريق والسارق كأحد هواجس أو بالأحرى مايواجه التاجر الذي ينتمي لتلك البيئة.

واختيار فكرة الوحي بحد ذاتها لنقل وتبليغ الرسالة عن طريق الإتصال بكائن أعلي ومرتبة وجودية أخري، كان مقبولا وضمن السياق التداولي للثقافة والبيئة العربية آنذاك. والذي كان يؤمن بإتصال بعض البشر من شعراء وكهانة لعوالم أخرى، مثل عالم الجن، وهي نفسها الإتهامات التي وجهت للرسول بأنه ساحر أو شاعر.

تنفي أزلية النص ليس فقط محاولة تحليله التاريخي والكشف عن بنيته اللغوية وتفاعله مع الواقع والثقافة الذي انبثق منهما ونزوله منجما في سياقات وحوادث متفرقة بعكس التوراة والإنجيل ولم يحمل نفس رؤيتهم الخلاصية للإنسان والعالم.

كما أنها أيضا لاتنسجم مع فكرة أن ثمة نظام لغوي بين الملائكة، لكن الطرح يمتد إلي ماتكشف عنه الآيات القرآنية نفسها التي يحتل فيها الرسول موقع المخاطب، ففي سورة الضحي: “والضحي والليل إذا سجي ماودعك ربك وماقلي”. فيتضح من الآية، قسم الله مرتين أنه لم يفارق رسوله ولم يتخل عنه وهو مايعكس نفس النبي المترددة من تشكيك خصومه له وتأثره بهم ومشقة الإيمان الصعب حتي تبلغ التجربة منتهاها ومستقرها فتطمئن روحه. بل يصل بالتصريح القرآني في سورة هود: “ولعلك تارك بعض مايوحي إليك وضائق به صدرك”. ولأن محمد بحسب النص القرآني معترف ببشريته فتبين الآيات حالة المكابدة والتأثر بما يجري ويحاك ضده حتي دخوله في المعطي الوحياني والإيماني الجديد الذي يهزه ويزلزل نفسه ولايتركها تنعم بدون مجاهدة وتردد حتي لايسقط في حبائل المشركين وينخرط في الدعوة لنهايتها.

قطع صاحب “الحداثة والقرآن” شوطا جريئا ضد إسلام النص والعقل الأسطوري، الذي يحول دون مقدرتنا علي الوصول لصياغة حقيقية للإصلاح الديني والإنتقال إلي الحداثة العلمية والسياسية، بإعادة التفكير في كافة المسلمات الموروثة التي انتقلت الينا. واقتفاء أثر الإسلام في حالته الأولي البدائية في حدود زمنه وتاريخيته قبل تحوله إلي أيدولوجيا مؤسسة للقهر الديني والسياسي وأداة سلطوية تصادر حق الإنسان في تعبيره الحر عن إيمانه، تقطع عليه دأبه في الوصول لمعني لوجوده. وعدم الإعتراف بطبيعة الدين، الذي تجلي قبل ظهور المؤسسات والقوانين والدستور والمناهج العلمية، وتطبيقه قسرا علي عالم لم يعد يحكمه قيم الولاء والبراء والطاعة والغلبة والإتباع ولايعترف بالسبايا وما ملكت أيمانهم والجواري والإماء. فتحول” الخطاب القرآني من رسالة تعبدية تنطلق من جوارح المؤمن إلي وصايا أبدية تعطل الإبداع وتشل الإرادة ويحولون القرآن إلي عائق من عوائق التحديث”.

(Visited 967 times, 1 visits today)
عن الكاتب
كريم شفيق
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق