الآن تقرأ
عداء الأجيال “المبادئ والأخلاقيات”

(1)

أطفأ المصباح الكهربائي، وعم الظلام الغرفة، وأشعل التلفاز وبدأ المشاهدة لفيلم سياسي كانت به بعض مشاهد الاغتصاب الجسدي، بعيداً عن تجسيد الاغتصاب الفكري الذي يصوره الفيلم، وتعالت الأصوات من والده بالتوبيخ عن وقاحة المنظر المعروض، وبعد وابل من الشتائم والسباب من الأب للابن، جلسا سوياً يُناقشان الأفكار وطريقة العرض للمشكلة …

الأب بالطبع كان يتحدث عن الحياء والأخلاق، حتى ابتسم الابن ابتسامة صفراء بها نوع من أنواع السخرية، وكأنه يرد لأبيه صفعة بطريقة جمالية، حين قال له ” بس زمن الفن الجميل لا يُعلى عليه.. زمن حليم وشادية ونادية لطفي ورشدي أباظة وصلاح ذو الفقار ونيللي والسندريلا طبعاً، وكان جواب الأب فيه مُتعة بعض الشئ عندما تنهد قائلا بكل ثقة “طبعاً”…

لم يكن يعلم الوالد أن هذا فخاً نصبه الابن له، أراد به أن يحرج أبيه أمام نفسه، فقال له وماذا عنهم جميعاً في مشاهدهم السينمائية المليئة بالعشق الساخن، والمقاطع المنافية للآداب؟!، وماذا عن الملابس القصيرة، وبنطلون المطربة صباح التي ارتدت مع زهرة علا وفتيات جيلها الشبيه للفيزون الآن؟!، ومايوه السندريلاً ومايوه سهير رمزي وماجدة ولبلة، وغيرهن وغيرهن من هذا الزمن الجميل …

لم يكن ينتقد الابن الأشخاص، لكن كان ينتقد فكرة حلال لجيلي حرام لجيلك، فالملابس القصيرة والضيقة والشفافة والواصفة، ليست وليدة العصر، ولم يُعالجها أبداً فن هذا الزمن بل كان يُقدمها كأحد أسرار العشق والولع بالحبيبة…

ألم تكن نجوى فؤاد هي صافيناز ودينا وشمس وغيرهن من الموجودات الآن؟!..

الحقيقة .. أن الرذيلة ليست وليدة جيل هذا العصر، وأيضاً لم تكن مُقننة في سالف العصر، وزمن الجيل الجميل كان أسموه، لذا من الواجب مراجعة النفس والكلام قبل توجيهه، أو حتى إصدار به اتهامات تُشوه جيل دون الآخر …

(2)

هذا كان بالنسبة للأخلاق والحياء والرجولة أو ما شبه من صفات حميدة، أما عن المبادئ، فأنت طوال الوقت تتربى على الأخلاق والمبادئ وعدم التخلي عنها أياً كان السبب، ثم يُطالب منك فعل شئ فترفضه فيكون نصيبك علقة ساخنة ومن السباب ما لا تستطيع تحمله ..

بالنسبة لي المواقف مُتعدد وكثيرة، ولكن أخرها تلك التي كانت بالبارحة، عندما أتى لمنزلي مجموعة من الطالبات بالصف الثاني الثانوي بمدرسة بسيون الثانوية بنات، والتي تقع على الضفة الشرقية لترعة السلامونية في واجهة بيتي، استيقظت من نومي، لم تكن الرؤية لي بواضحة نظراً لغيبوبة النوم الواقع فيها، وبملابس البيت بدأت في السير نحو المدرسة، وأنا استمع لشكوى تلك الفتيات، وما فهمته أن عمال المدرسة رفضوا إعطائهم نتيجة الامتحانات الخاصة بهن، إلا بعد دفع 10 جنيهات، وهو أمر غير قانوني، ما نُزينه نحن بمقولة “حلاوة النجاح” ..

دخلت وقابلت 5 من العمال كان منهم أحد الأشخاص على درجة قرابة مني لأقول له عمي فلان، وبقليل من المزاح معه وعيني تدور على الأربعة الآخرين وهم يُجبرن الطالبات جميعاً بدفع 10 جنيهات للحصول على النتيجة، حتى تلك الفتاة التي توسلت إليه بأنها لا تحمل في يدها سوى 5 جنيهات فقط، فقلت له أعطيها إياها، ورد والغضب على وجهه وبين حاجبيه  “مش هينفع يا أستاذ”، ليعلو صوتي متجشماً “وحياة أمي هينفع، إديها النتيجة”، وتدخل عمي مُسرعاً، قائلاً له “اديهالها يالا” …

ورجعت للبيت وأنا غاضب جداً لما رأيته، فأين مدير المدرسة ومدير الإدارة من هذا الإجبار على تعلم الرشوة لهذا الجيل؟!، أليس من المفترض أنها مؤسسة تحمل كلمة التربية قبل التعليم؟!، وماذا عن مصير هذا الجيل الذي يتعلم الرشوة والأسلوب العفن داخل مؤسسة تُدعى التربية والتعليم؟!…

في صباح اليوم بعد التالي، أتى صديق أبي الذي يعمل بإدارة بسيون التعليمية وهو بمنصب مرموق بهذه المدرسة، وشرع في اللوم عما فعلته، وبدأ يشرح لي الموقف الغير مُقنع بل كان دليل إدانة أكثر من ذلك …

حتى أن أحدهم قال “هو ليه بقى رايح يكتب على الفيس، طيب ما يكتب عن انه عاطل ومابيشتغلش”، واختلط الأمور…

في الحقيقة .. إن الحديث عن البطالة ليس يعيبني إطلاقاً، بل يعيب هذا المُجتمع ونظامه الذي يتغير شكلاً لا مضموناً بل يزداد سوءاً، بسبب مرجعية هذا الجيل، الذي ينحصر تفكيره في اللاتطور واللا تجديد..

رداً على هذا الشخص القائل بتلك العبارة وللأسف هو ممن أدعوهم بـ “عمي” ما لا تعلمه أني عملت في إحدى الصحف لمدة 3 أشهر أنا ومجموعة من الشباب الطموح الذي كان يصنع كل دقيقة فكرة، وكل ثانية خبر، وكل ساعة يُقلق أصحاب النفوذ من على مقاعدهم من أجل تجديد وتطوير وتحسين هذا البلد، وللأسف كان مصيرناً التسريح، بسبب عقلية جيلكم التي لم تتحمل هذا الجهد والطاقة، بالإضافة لإرادتها السيئة في الحفاظ على العلاقات التي تسطيع من خلالها إنجاز وإيجاز مصالحها الخاصة، والدليل ما يحدث بالصحف المصرية الآن، أزمة المصري اليوم، الأسبوع، الشروق، الأهرام، فيتو، وأخيراً الوفد الخاسر يومياً 750 ألف جنيه تقريباً، فقرر رئيس حزبها تسريح شباب هم على قدر من المسئولية ويستحقون ما هو أفضل حقيقي من الوفد …

هذا شئ لا يعيبني بل يعيب نظامك وجيلك ودولتك ياسيادة العجوز الفكر والبدن ..

(3)

أما عن الأحداث الأخيرة وهي الثابتة بعداء الأجيال، مثلاً الحديث عن موقعة الكاندم الشهيرة، ومالاقاه شادي ومالك مما لاقوه، فهو أمر صحي، لجيل لم يُحسن التربية، بل هو وضع هذا الجيل الصغير الحديث تحت ضغط نفسي، عندما يقول له أريدك طبيباً أو مُهندساً أو ضابط جيش أو ضابط شرطة، وما غيرها فهو دنئ وحقير، ما خلق حالة نفسية سيئة تجاه تلك الفئات..

أما عن آخر فئتين، فقد طبعوا على الكره والحقد، كرهاً وحقداً، زيادة توكيد على عفانتهم بأفعالهم، فبات التضامن معهم أو حتى التعاطف مستحيل من قل أبناء جيلهم، حتى أن المجندين الصغار هم بداخل تلك المؤسسات بالتأكيد، لكنهم يحملون ما يحملون من الكره والبغض لها …

وهو ما طبع عليه بصك التأكيد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الساعات القليلة الماضية عندما أُلقي القبض على رسام الكاريكاتير الساخر من أمور مجتمعية وسياسية من المفترض أن يكون هذا اختلافاً مستفاد منه على قدر الإمكان، لكن نصيبه وقدره كقدر من هم بالداخل، قوي الفكر، ضعيف البدن والحيلة، مع القمع والضعف النفسي لنظام يخشى ورقة وعلبة ألوان وهتاف ولافتات تحمل عبارات مُعارضة ..

المشكلة مشكلة أجيال حقاً ،، فعداء الأجيال نابع من أسس التربية، والتضارب النفسي الراجع لتعارض تلك التربية مع الأموار الواقعية والمتطلبات من قبل نفس الأشخاص القائمين على التربية، ليحاول هذا الجيل خلق حالة خاصة ربما يحلم بها طوال الوقت تحت مسمى “يوتوبيا” وهي المدينة الفاضلة كما يراها هو، فتخرج منه غير منظمة وغير منسقة تحت انفعالات وضغوطات نفسية، فتنحوا قليلاً إلى الجانب، وافسحوا الطريق وأعطوهم الفرصة دون اضطهاد أو تخوين أو قمع أو استخدام القوى المُفرطة علّهم ينجحون، وتستقيم الأمور، ويموت “عداء الأجيال” ..

عن الكاتب
محمد عيد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق