الآن تقرأ
هل الدولة مسؤولة وحدها عن مشكلة البطالة؟

بين من يحمل الدولة مسؤولية البطالة في صفوف الشباب وبين من يحملهم وزر بعضها، تستفحل هذه المشكلة في جميع الدول العربية. لكن السؤال هنا، لماذا لا يساهم القطاع الخاص العربي أيضا في تدريب الشباب وتأهيلهم للدخول في سوق العمل؟

تبدو مشكلة البطالة في الدول العربية مستعصية على الحل كونها مجتمعات فتية تبلغ نسبة الذين دون سن الأربعين فيها أكثر من نصف عدد السكان. ومما يعنيه ذلك دخول أعداد كبيرة من قوة العمل الجديدة إلى السوق سنويا بمعدلات تزيد بكثير على مثيلاتها في البلدان الصناعية والصاعدة وغالبية الدول النامية. وكمثال على ذلك تبلغ نسبة الشباب المصري في الفئة العمرية 18 حتى 29 سنة نحو 24 بالمائة من السكان. أما في ألمانيا فإن نسبة الفئة العمرية 20 إلى 29 بالمائة تعادل 12 بالمائة فقط من السكان. هذا الاختلاف الكبير في نسبة الشباب في سن العمل يفرض على مصر والدول العربية ذات التركيبة السكانية المشابهة تحديات تبدو مواجهتها شبه مستحيلة إذا أخذنا بعين الاعتبار نسب النمو الاقتصادي المتواضعة وضعف الاستثمارات وغياب الاستقرار السياسي.

“لا شيء مستحيل”

غير أن البروفسورة سوزي عدلي ناشد، الأستاذة بجامعة الإسكندرية لا ترى بأن مكافحة البطالة في مصر والبلدان العربية مستحيلة. “لا شيء مستحيل، مشكلة البطالة ليست حكرا على مصر كونها موجودة في جميع الدول. أما حلها فيتطلب استراتيجيات وخططا فاعلة وطويلة الأمد”، تقول الخبيرة في حديث مع DW عربية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كان الحل في الاستراتيجيات والخطط، فلماذا فشلت برامج وخطط التشغيل في مصر ودول عربية أخرى كالمغرب والجزائر في الحد من البطالة والفقر في صفوف الشباب. الخبيرة ناشد ترى أن المشكلة تكمن هنا في أن البرامج المذكورة غير مستدامة”. عندما يأتي وزير جديد مثلا يقول لا تسألني عن الماضي، بدلا من أن يبني على ما تم إنجازه ويستفيد من إيجابيات وسلبيات تطبيق البرامج في مراحل سابقة”. ويرى خبراء آخرون أن من بين الإيجابيات على سبيل المثال نجاح مشاريع شبابية في قطاعات الطاقات المتجددة والبرمجيات ومعالجة النفايات كان بالإمكان تعميم تجربتها. أما السلبيات فما تزال تتركز في البيروقراطية والفساد الذي يعشعش في الإدارات المسؤولة عن توفير مستلزمات المشاريع من قروض وكهرباء ومياه ووثائق وغيرها.

أي أهمية لبرامج التدريب المستدامة؟

رغم دور الدولة في حل مشكلة البطالة، فإن حلها مربتط بشكل لا يقل أهمية بالمبادرات الشبابية التي ما تزال دون المستوى المطلوب. ومن الأدلة على ذلك أن أموال بعض البرامج المخصصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لم تصرف بالكامل بسبب غياب المبادرات المتعلقة بإقامة مثل هذه المشاريع. أما أسباب ذلك فهي عديدة، ولعل أبرزها غياب التأهيل المناسب الذي يحفز الشباب على تعزيز روح الجرأة والإقدام على إقامة مشاريع، مع أن كل مشروع يحمل في طياته هذا القدر أو ذاك من المغامرة.

الخبيرة ناشد ترد على هذا الكلام بالقول: “الفشل في حل المشكلة ليس مرده إلى تقصير الشباب ومستوى تأهيلهم، والدليل على ذلك أن شبابنا الذي يهاجر يبدع في بلاد الاغتراب لأن الإطار الذي تؤمنه الدولة هناك للعمل الوظيفي والاستثماري مناسب”. وعليه فإن مصر والدول العربية التي تعاني من مشاكل مشابهة بحاجة إلى “استثمارات أفقية مستدامة وطويلة الأمد”. ومما يعنيه ذلك في الحالة المصرية “ضرورة التوسع التدريجي خارج القاهرة وضفتي النيل باتجاه الصحاري والبوادي التي ينبغي إقامة مناطق سكنية واقتصادية جديدة فيها توفر المقومات لاستغلال الموارد الطبيعية الضخمة فيها بشكل يساعد على مواجهة مشكلة البطالة”. ومن شأن استثمارات كهذه تخفيف الضغط على العاصمة ومدن حوض النيل التي تضخمت سكانيا على حساب الأراضي الزراعية الخصبة التي كانت تمد مصر بمصادر الغذاء والدواء والحرفة على مدى آلاف السنين.

مصر ومعوقات تعميم التجربة الألمانية

بعيدا عن الجدل في حجم الدور الذي تتحمله الدولة تظهر تجارب دول مثل ألمانيا أن حل مشكلة البطالة مرتبط بسياسة اقتصادية يتم فيها توزيع الأدوار بشكل متكامل بين الدولة والقطاع الخاص. هنا ينبغي على الدولة توفير الإطار التعليمي والقانوني والإداري والاستثماري لتشجيع وتحفيز المبادرات الخاصة. وبدوره ينبغي على القطاع الخاص فتح أبواب مؤسساته لتأهيل الشباب وتحضيرهم لدخول سوق العمل. ومن هنا تأتي أيضا أهمية تعميم التأهيل والتدريب المهني الضعيف مقارنة بالتعليم النظري المهيمن على جميع نظم التعليم العربية دون استثناء.

حاولت دول عربية عدة مثل مصر الاستفادة من التجربة الألمانية في مجال التعليم المزدوج الذي يجمع بين التعليم النظري في المدرسة والمهني في المؤسسة أو الشركة. وعلى هذا الأساس تم في تسعينيات القرن الماضي إطلاق “مبادرة مبارك-كول” للتعليم الفني والتدريب المهني بهدف توفير العمالة الشابة الماهرة المدربة على أساس علمي وعملي. وقد نجح برنامج هذه المبادرة التي انتهت في عام 2007 بتدريب آلاف الشباب المصري. خبير الشؤون المصرية في المنظمة العربية الأورومتوسطية للتعاون الاقتصادي/ EMA ذكر في مقابلة مع DW عربية أن “75 بالمائة من خريجي برنامج المبادرة وجدوا عملا، في حين لا يجد سوى 30 بالمائة من خريجي النظام التعليمي المصري فرصة عمل.

وفي معرض حديثه عن العقبات التي تقف في وجه تعميم البرنامج في مختلف أنحاء مصر يقول الخبير أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب البنى الأساسية اللازمة لاكتمال مقومات التعميم، ومن أبرزها تحفظ القطاع الخاص على تدريب الشباب، “فمؤسسات القطاع الخاص المصري عادة لا تستقبل طالب التدريب بحجة تحمل تكاليف لا تضمن بقاءه للعمل فيها بعد التخرج”، كما يقول الخبير. ويضيف: “مثل هذه المخاوف موجودة أيضا في ألمانيا، لكن الفرق أن المسؤول عن مؤسسة ألمانية يرى بأن ذهاب خريج مؤسسته للعمل في شركة أخرى يمكن أن يعوضه عن طريق حصوله على خريج من شركات ساهمت في برنامج التدريب”. وهكذا فإن دور القطاع الخاص الذي يمتلك العدد الأكبر من المؤسسات والشركات لا غنى عنه لحل مشكلة البطالة في صفوف الشباب. يبقى السؤال هنا، كيف يمكن إيجاد الحوافز للقطاع الخاص في الدول العربية من أجل القيام بهذا الدور؟

 

عن الكاتب
دويتش فيلة
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق