الآن تقرأ
عندما متّ .. للمرة الأولى (قصة قصيرة)

في مثل هذا اليوم .. منذ تسع سنوات تقريبا .. كنت قد متُّ للمرة الأولى .. لا أذكر ترتيب الأحداث جيدا يومها .. كما نسيت سبب موتي .. لكني أذكر أن والدتي .. كانت تهرول متجهة إلى السطح .. لتنزل الغسيل … قبل أن تمطر .. بشرا .. كانوا سيتهاطلون .. ليشاهدوا موتي عن كثب .. وليستمتعوا بمشاهدة ألام عائلتي (إن صح التعبير)  التي نادرا ما كانت تعبر عن فرح أو حزن .. فكان هذا المشهد فرصة لا يمكن اضاعتها .. خصوصا أننا .. نحن البشر .. نحب رؤية الآخرين يتألمون .. بقدر مانضجر بسرعة من متابعة فرحهم .

كنت أتجول عارية في أرجاء المنزل ..محققة بذلك أحد أحلامي .. التي لم تتحقق يوما بسبب خوف أمي من العري .. وتقززها منه .. لأسباب أجهلها ..  .. لم أقلق من احتمال رؤية الآخرين لجسدي الذي بدا أجمل بقليل مما هو عليه عندما كنت حية أرزق.. وقد أزعجني هذا الأمر لوهلة واعتبرته سوء حظ مازال يلازمني   .. لكنني سرعان مانصرفت عن ذلك .. لأدخل إلى غرفة أخي .. واشاهد ما يفعله أخيرا .. في ساعات غيابه الطويلة في الغرفة ..

كان أخي مستلقيا.. يحدق بالسقف .. كعادته عندما يكون  بيننا .. .. انتابتني خيبة أمل كبيرة لرؤية ذلك المشهد .. أنا التي كنت اغذّي ذهني سنين طويلة باحتمالات أكثر إثارة .. وتوريطا له .. كان أخي يفكر في شيء ما .. لم أتبين ما هو .. مما جعلني  ألعن كل شخص ادعّى كلما  اعترفت له باشتياقي لجدتي .. بأنها معي .. وتقرأ أفكاري .. اللعنة على كذبكم الساذج .. كنت قد متّ حينها ولم أستطع بعد قراءة ما يجول في ذهن أخي .. لا أستطيع حتى أن أتبين إذا ما كان حزينا لموتي … اللعنة على وجهه البليد الصامت ..

غادرت غرفة أخي وقد شعرت بالمملل من مشاهدته دون حراك … واتجهت نحو أبي .. فخيل إلي أنه  يتمتم كلاما لم اتبينه في أول الأمر .. ثم سرعان ما أدركت  أنه  لم ينبس ببنت شفة لكنني كنت أكاد  أسمعه بوضوح وهو بصدد حساب تكاليف الدفن والقبر .. وقد انتابه القلق وتسارعت نبضات قلبه .. عندما تذكر بأني كعادتي أفسدت مخططاته وقررت أن أموت بتاريخ لا يوافق أول الشهر .. فعلتها ثانية .. بعد أن  كنت فاجئته بولادتي .. التي لم يرغب بها يوما ..

رقصت فرحا لرؤيته  حائرا في أمره .. ثم انتابني فجأة إحساس بالذنب .. تجاه الأشخاص الذين لعنتهم عندما لم استطع تفسير ملامح أخي .. فكرت في أن أعود إليه لأجرب ثانية .. ثم عدلت عن الفكرة .. ضحكت ساعتها لفكرة أنني أستطيع أن أكون كسولة .. حتى وقد فارقت الحياة . ..

بحثت عن أختاي .. فوجدتهما تبكيان .. في  صمت .. دون الاقتراب من بعضهما .. وحزنت قليلا لهذا المشهد .. ثم قلت لنفسي أن النسيان سهل .. وأنهما ستكونان بخير .. وفعلا .. أثبتا لي ذلك في المرات اللاحقة التي فارقت فيها الحياة .. الآن وقد قررت أن أفارق الحياة لمرة أخيرا  اول الشهر حتى يتسنى لأبي أن يواري جسدي اللعين، التراب  دون أن ينبعث من جديد

.. .يدوي في رأسي سؤال واحد وحدها التجربة ستجيبني عليه .. مالذي يدور في ذهن أخي .. عندما ينظر إلى السقف؟

عن الكاتب
حنان الفقيه
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق