الآن تقرأ
سد النهضة في حدوتة مصرية ” الحلقة الثامنة “

 

 د/ إســـلام جـمــال الـديــن شـــوقـي

       انتهت ” حلقات الحدوتة السابقة “ من التعرف على المخطط الحالي للسدود الإثيوبية ، والتعرف على منابع نهر النيل ، ومعرفة أن إثيوبيا هي أهم منابع النيل وأخطرها على الاطلاق ، وكان هدفي من جميع الحلقات السابقة هو رسم صورة كاملة في ذهن القاريء وإيصاله إلى حقيقة فشل إقامة السدود الإثيوبية ولكنه لن يصل إليها إلا بعد أن أقوم بعمل تحليل كامل لكافة جوانب البيئة الإثيوبية وهو ماتم فعلًا في الحلقات السابقة بهدف التوصل إلى حقيقة واحدة مفادها هو ” أنه من الصعب إقامة سدود كبرى على النيل الأزرق لأسباب هندسية وأخرى بيئية مثل شدة الفيضان السنوي ، وأخرى جيولوجية أو جيولوجية / هندسية “.

 

ويلعب الإطماء دور كبير في التأثير على السدود التي تمتلأ بالطمي على مدار عدة سنوات نتيجة عدم وجود مخارج لنقل الطمي ، وكثيرًا ما يطاح بهذه السدود بواسطة الفيضانات مما يتطلب إعادة بناؤها سنويًا ، وقد أوضحنا في الحلقة السابعة أهم مشاريع السدود الإثيوبية ” داخل حوض النيل “، وسنتناول في هذ الحلقة الجديدة ، وهي ” الحلقة الثامنة أهم مشاريع السدود الإثيوبية خارج حوض النيل “.

  • مشروعات خارج حوض النيل :

1- سد كوكا Koka ( حوض نهر أواش Awash) :

حوض نهر أواش ( شكل رقم 3 ) هو من أهم الأحواض في إثيوبيا ، حيث يوجد به حوالي 70 % من الزراعة المروية في إثيوبيا ، ويغطي مساحة 113000 كم2 ، ويعيش عليه أكثر من 10,5 مليون نسمة ، ويتميز بوجود البحيرات المالحة ، ينبع نهر أواش من هضبة عالية قرب بلدة جينشي Ginchi  غرب أديس أبابا ، ويتدفق على طول الوادي الأخدودي إلى مثلث عفار بطول 1200 كم ، حيث ينتهي عند بحيرة أبي Abbe  على الحدود الصومالية ، تم إنشاء سد كوكا عام 1960 جنوب شرق أديس أبابا بحوالي 100 كم ، وعلى ارتفاع 1551 متر فوق سطح البحر ، وكان الهدف من إنشاء السد هي الحماية من الفيضانات وتوليد الكهرباء التي تقدر بحوالي ( 43,2 ميجاوات ) لإنارة أديس أبابا ومدينة دير داوا ، وتخزين حوالي 1,85 مليار م3 في خزان مساحته 236 كم2 لريَ حوالي 170 ألف فدان .

ويصل ارتفاع السد إلى 42 م وطول القمة 426 م ، معدل سرعة ترسيب الطمي تتراوح بين 13 – 20 مليون م3 سنويًا ، أي أن السعة التخزينية انخفضت بمقدار 78,4 % ، وهو الآن لا يستطيع حماية المنطقة من اخطار الفيضانات ، كما تم إنشاء وحدتين أخريين لتوليد الكهرباء هما أواش 2 عام 1966 بقدرة 32 ميجاوات ، وأواش 3 عام 1974 بقدرة 32 ميجاوات أيضًا ، لتوليد طاقة إجمالية سنوية للثلاث وحدات مقدارها 107 ميجاوات ( تمثل 14 % من إجمالي الطاقة الكهرومائية ) .

شكل رقم ( 3 ) مشروعات السدود خارج حوض النيل

خريطة

 

2- جيبي 1  Gibe 1 ( حوض نهر أومو ) : 

أُنشيء سد جيبي 1 ( شكل رقم 3 ) في عام 2004 بتكلفة قدرها 331 مليون دولار أمريكي علي نهر جيبي الصغير Gilgel Gibe ( أحد روافد نهر جيبي ) لتوليد طاقة (184 ميجاوات) ، ويقع على بعد 260 كم من أديس أبابا ، وقد تم الانتهاء من هذا المشروع في إطار مشروع البنك الدولي 1997 بعنوان الحصول على الطاقة ، يصل ارتفاع السد إلى 40 م ، وتبلغ مساحة حوض التجميع حوالي 4200 كم2 ، ومساحة الخزان حوالي 63 كم2 ، بسعة تخزينية قدرها 917 مليون م3 .

وقد أدى تكوين الخزان إلى إزاحة حوالي 10 آلاف نسمة ، استخدم في بناء هذا السد الركامي أكثر من ثلاثة بليون م3 من الحجارة ويعتبر الأول من نوعه في إثيوبيا ، كمية الإطماء السنوي تصل إلى 45 مليون طن ، قد تشغل حوالي 37 مليون م3 سنويًا ، مما يعني أن بحيرة السد سوف تمتلئ تمامًا بالرواسب في أقل من 25 عامًا إذا لم يتم التخلص ولو على جزء من هذه الرواسب ، تم تمويل المشروع من قبل البنك الدولي ( 200 مليون دولار ) ، وبنك الاستثمار الأوروبي ( 41 مليون يورو ) ، والتعاون الإنمائي النمساوي وحكومة إثيوبيا ، وقامت بأعمال البناء شركة ساليني الإيطالية بالاشتراك مع 15 شركة عالمية.

3- جيبي 2 Gibe II  ( حوض نهر أومو ) :

منحت أديس أبابا في العقد الثاني في عام 2004 لإنشاء جيبي 2 ( شكل رقم 3 ) إلى الشركة الإيطالية ، ساليني ، ويقع جيبي2 على بعد 240 كم جنوب غرب أديس أبابا ، ويهدف جيبي2 إلى إنتاج 420 ميجاوات عن طريق سحب المياه من نهر جيبي ( خزان جيبي1 ) المرتفع إلى نهر أومو( المنخفض ) من خلال نفق طوله 25,8 كم داخل جبل فولا ، بقطر 3,6م ، وتصريف قدره 100 م3 / ث ، وبفارق منسوب 505 م .

ويمر هذا النفق بالكامل في صخور بركانية ( غالبًا بازلت وتراكيت مع طبقات ضعيفة من صخور الرماد البركاني ) بها العديد من الفوالق والتشققات ، مما يشكل صعوبات كبيرة في الإنشاء ، وكان مخططًا أن يكتمل المشروع في نهاية عام 2007 ، ولكن نظرًا للصعوبات الجيولوجية التي أدت إلى تكاليف غير متوقعة ، وتأخر الافتتاح حتى يناير 2010.

تكلفة المشروع بلغت 600 مليون دولار ، ساهم برنامج التعاون الإيطالي للتنمية بقرض 220 مليون يورو ، و50 مليون يورو قرض من بنك الاستثمار الأوروبي ، والباقي تكفلت به الحكومة الإثيوبية ، ويعد هذا القرض أكبر القروض  التي منحتها إيطاليا منذ انشاء صندوق مساعدات التنمية الإيطالي ، لتمويل المشروع الذي كان قد تم التعاقد عليه مع الشركة الإيطالية  ساليني بدون عمل مناقصة دولية أو دراسة جدوى ، في انتهاك لجميع المعايير الوطنية والدولية على الشفافية والمنافسة العادلة ، وفي مارس 2006 قام مكتب المدعي العام في روما باتخاذ الاجراءات الجنائية المتعلقة بدعم مشروع جيبي2 ، ومن الغرابة في الموضوع أن وافقت إيطاليا رسميًا على الغاء 300 مليون يورو ديون مستحقة على إثيوبيا.

وفي 13 يناير 2010 تم افتتاح مشروع جيبي2 وبعد مرور 10 أيام من افتتاحه حدث انهيار في جزء من النفق وقد أدى هذا إلى توقف المشروع ، ومن المتوقع أن يتكلف الإصلاح حوالي 25 مليون دولار ، حدث الانهيار على بعد حوالي 9 كم من بوابة الخروج من جيبي1 ، وعلى عمق 800 م ، نتيجة انهيار صخري ( غرين – طين – كتل صخرية حتى قطر 23 م ) على امتداد فالق رئيسي ، أدى إلى تدمير حوالي 15 م من جسم النفق ، هذا الانهيار لم يكن مفاجأة ، بل السرعة التي حدث بها هي المفاجأة الحقيقية ، خاصة وأن التوقيت لم يكن ذروة فيضان ولم يحدث نشاط زلزالي أو أي سبب آخر من الأسباب المتوقعة .

إن اعادة العمل لمشروع جيبي2 سوف يضيف أكثر من 50 % من جملة الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا ، إلا أن هذا المشروع وغيره من المشروعات الضخمة في إثيوبيا سيظل دائمًا في خطر نتيجة العوامل الجيولوجية المختلفة ، وهذا ما جعل شركة ساليني أن تشترط في العقد بأن لا تكون مسئولة عن أي مخاطر يكون سببها عوامل جيولوجية ، وبالتالي فهي غير مسئولة عن تكلفة الإصلاحات الناجمة عن الفوالق الجيولوجية والانهيارات الصخرية.

د- جيبي3 Gibe III  ( حوض نهر أومو ) :

وقعت شركة ساليني الايطالية وإثيوبيا في 19 يوليو 2006 عقدًا جديدًا لبناء سد جيبي3 على نهر أومو ، وهو أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في إثيوبيا ، مع سد ارتفاعه 244 مترًا ، وبذلك يكون أعلى سد في العالم ، وسوف يقوم بتوليد 1870 ميجاوات ، بتكلفة إجمالية قدرها 1,55 بليون يورو ، وهذا العقد كنظيره السابق في جيبي2 ، قد تم من خلال الأمر المباشر دون إجراء عملية العطاءات الدولية ، وارتفاع السد هذا ليس ميزة حيث فرضت طبيعة الوادي الضيق والعميق هذا الارتفاع ، بل هندسيًا يزداد المشروع ضعفًا كلما ازداد ارتفاعًا، وبالتالي يحتاج إلى تكلفة أكبر للتغلب على هذه المشكلة.

يقع سد جيبي3 ( شكل رقم 3 ) في منطقة حوض أومو العليا ، التي تتميز بهضبة كبيرة مع وادي طويل وضيق نسبيًا حيث يتدفق مياه النهر الذي يصل انحداره إلى 3,1 م / كم ، وعلى بعد 150 كم جنوبًا من مخرج جيبي2 ، وسوف يكون هذا السد بحيرة تخزين طولها 155 كم ، وبمساحة سطح قدرها 200 كم2 ، وسعة تخزينية قدرها 11,75 مليار م3 ، يستمر جريان نهر أومو بعد السد لمسافة قدرها 600 كم جنوبًا مخترقًا محمية أومو الطبيعية إلى أن يصل إلى بحيرة توركانا ( كينيا ) ، وهو المصدر الرئيسي في تغذية البحيرة بالمياه (90 %) .

ونظرًا لحجم الخزان الكبير فسوف تغرق المياه  1200 فدان من الأراضي الزراعية وحوالي 65 ألف فدان من الغابات النهرية والشجرية بالإضافة إلى جوانب النهر التي تستخدم في الرعي ، وسوف يتأثر ما يقرب من مليون نسمة في كل من إثيوبيا وكينيا ، ومن المتوقع أن تنشأ مشكلة سياسية بين الدولتين في حال الاستمرار في تنفيذ هذا المشروع ، ويخشى كثير من علماء البيئة من تغير النظام البيئي في المنطقة ، وتفكر الحكومة الإثيوبية في إنشاء جيبي4 على نفس النهر وتعطيه أيضًا لشركة ساليني الإيطالية.

ولقد بدأ العمل بالفعل في إنشاء سد جيبي3 في منتصف 2006 وبنفس الأخطاء التي ارتكبت في جيبي2 من حيث عدم إجراء البحوث الجيولوجية والبيئية الدقيقة ، ويواجه المشروع مشكلة تمويل كبيرة جدًا حيث انسحب بنك الاستثمار الأوروبي ، وبالنسبة للحكومة الصينية لا يدخل هذا المشروع في دائرة اهتمامها ، والبنك الدولي لا يرغب في تمويل مشروعات توليد كهرباء لضعف الطلب عليها وبالتالي عدم جدواها الاقتصادية .

ويبدي بنك التنمية الإفريقي تعاطفًا مع المشروع وينوي الاشتراك بحوالي 200 مليون دولار أمريكي ، إلا أنه يتراوى حتى يرى كيف تتصرف الحكومة الإثيوبية في تدبير التمويل اللازم والذي يصل إلى 1550 مليون يورو ، ولكن رد فعل إيطاليا الرسمي يقول أن إيطاليا قد توافق على قرض جديد لجيبي3 فقط بعد الانتهاء من جيبي2 ، رفضت وكالة ائتمان الصادرات الإيطالية رسميًا وكالة تصدير الائتمان الإيطالية بناء على طلب من ساليني لتصدير ضمان الائتمان ، وهو تكرار لقرار عام 2006 بشأن طلب ساليني فيما يتعلق بسد جيبي2.

وفي ختام الحلقة الثامنة من الحدوتة فمن وجهة نظري ومن خلال عرض ما سبق من مشروعات للسدود خارج حوض النيل يلاحظ عدة أشياء أهمها :

  • قيام شركة ساليني الإيطالية ببناء السدود الإثيوبية مثل سد جبيبي 1 ، وجيبي 2 ، و جيبي 3 برغم علمها خطر إقامة هذه السدود الإثيوبية وبرغم ذلك تساعد في عملية البناء.
  • أُنشيء سد جيبي 1 الذي يصل ارتفاعه إلى 40 م ، ومساحة خزانه حوالي 63 كم2 ، بسعة تخزينية قدرها 917 مليون م3 ، وقد أدى تكوين الخزان إلى ازاحة حوالي 10 آلاف نسمة .
  • أُنشيء سد جيبي 2 في منطقة صخور بركانية ، وهي غالبًا بازلت وتراكيت مع طبقات ضعيفة من صخور الرماد البركاني بها العديد من الفوالق والتشققات ، مما يشكل صعوبات كبيرة في الإنشاء ، وكان مخططًا أن يكتمل المشروع في نهاية عام 2007 ، ولكن نظرًا للصعوبات الجيولوجية التي أدت إلى تكاليف غير متوقعة ، وتأخر الافتتاح حتى يناير 2010.
  • في 13 يناير 2010 تم افتتاح مشروع جيبي2 وبعد مرور 10 أيام من افتتاحه حدث انهيار في جزء من النفق وقد أدى هذا إلى توقف المشروع ، ومن المتوقع أن يتكلف الإصلاح حوالي 25 مليون دولار ، إلا أن هذا المشروع وغيره من المشروعات الضخمة في إثيوبيا سيظل دائمًا في خطر نتيجة العوامل الجيولوجية المختلفة ، وهذا ما جعل شركة ساليني أن تشترط في العقد بأن لا تكون مسئولة عن أي مخاطر يكون سببها عوامل جيولوجية ، وبالتالي فهي غير مسئولة عن تكلفة الإصلاحات الناجمة عن الفوالق الجيولوجية والانهيارات الصخرية.
  • سد جيبي3 تم بناءه على نهر أومو ، وبنفس الأخطاء التي ارتكبت في جيبي2 من حيث عدم إجراء البحوث الجيولوجية والبيئية الدقيقة ، ويواجه المشروع مشكلة تمويل كبيرة جدًا حيث انسحب بنك الاستثمار الأوروبي ، والبنك الدولي لا يرغب في تمويل مشروعات توليد كهرباء لضعف الطلب عليها وبالتالي عدم جدواها الاقتصادية .
عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق