الآن تقرأ
الطريق إلي أبيدوس 4.. ما لا تعرفه عن غرفة العلاج

هناك أسئلة كثيرة تزعجني ولا أجد لها إجابة، ولكن لا أستطيع تذكر أيا منهم الآن سوى سؤال واحد، لماذا لا أستطيع أن اكتب سوى وأنا تحت تأثير هذه الحالة؟ ، ذهني سارح في مكان آخر، أصابعي تتهافت على الكيبورد، لا أستطيع أن التقط أنفاسي بسهولة، ألم بسيط في أمعائي، لا أستطيع التركيز في أي شيء آخر إلا بعد أن أقوم بتفريغ تلك الشحنة على الورق فأهدأ والتقط أنفاسي، تلك العصبية التي تنتابني إذا دنس أي شخص هذا الحدث، حاول دغدغة أحد يقف منتظر دوره أمام دورة المياه وهو يتلوى، غالباً ستحصل على رد الفعل ذاك مني إذا أوقفت هذا السيل، دعوني أكتب، دعوني أتطهر، وبعدها إفعلوا ما شئتم من سخافات.. لماذا أنا؟

980768_10153934099413114_4624922627753302499_o

نفس السؤال الذي ظل يجالسني يومياً و أنا وحيدة في زاوية الاستقبال بفندق “بيت الحياة أبيدوس” سوهاج، في انتظار حلول المساء، من أجل الدردشات التي كنت أقضيها مع “حورس”، كلماته التي تبقيني صامدة حتى الآن أمام العديد من إغراءات العودة لأميرة التي كنت قبل أن تطأ أقدامي أبيدوس.

هل جربت أن يكون استقبالك لكل الأشياء مختلف عما شعرت به من قبل؟، لقد جربت هذا الإحساس بدرجة قليلة عندما دخنت الحشيشة للمرة الأولى، وكأني أتذوق الشوكولاتة للمرة الأولى، وكأني استلقي على الفراش للمرة الأولى، كل شيء حالم وخفيف مع الحشيشة، ولكن الأمر يختلف هنا، الفكرة بعد زيارتي لابيدوس وإقامتي فيها لفترة، لم يكن ذلك شبيه بأن تكون منتشي فيصبح كل شيء لطيف ولذيذ، بل الأمر أشبه بأن كل شيء جديد، وأنت وحظك، هل سيعجبك أم لا هذا حسب تلك الشخصية الصغيرة الضائعة التائهة بداخلك التي تنظر إلى العالم بخوف، من أين جاءت؟ وهل كانت موجودة طوال الوقت ولم أعلم بوجودها؟ من تلك الأميرة التي تجلس بداخلي الآن وتعطيني ردود أفعال لا تخصني؟، لقد كان الأمر مرهقا للغاية عند عودتي للقاهرة ومربك ومؤذي نفسياً حتى أنني في تلك اللحظة عدت لتناول المهدئ الذي أنقذني منه “حورس” من قبل، زرت طبيبي النفسي أكثر من مرة، لم أعد أطيق أن أسمع تنفس أمي أو أسرتي الصغيرة بجوار أذني،فقد أصابني شعور بالنفور والتعالي تجاههم، ضع شخص عاش لمدة أربع شهور في صحراء و من ثم ضعه في فيصل وراقبه كما يراقب الأطباء القرود تحت تجاربهم.. سيظل القرد “يتنطط” حتى ينتابه الجنون، ظللت وأكره كل شيء بل وأندم على التجربة، لماذا لم تتركوني كما انا متأقلمة مع كل شيء وأي شيء ولا أقول “لا”… ولكن عند نقطة بعينها عندما أدركت أن الغضب لن يعيدني لنقطة الصفر، وكعادتي بإدراكي المتأخر الذي ابتلاني به الله، احتاج مني الأمر وقت طويل حتى أدرك أن علي تقبل كون أميرة التي كانت تستطيع أن تخدع نفسها وترتاح قد ماتت ودفنت في الجبانة، انضمت إلى أرواح أجدادي وهي ترقد بسلام الآن بعد أن انهت مهمتها.. لن تعود. للأبد.

وبالتالي كان هناك بعض الحقائق، بل الكثير من الحقائق التي علي ان أتعامل معها، وكلها ليست مريحة، كلها مهينة لي ولإنسانيتي.

إلي أي مدى يستطيع الخوف من الوجع أن يجعلك تخدع نفسك.؟

بسم الله الرحمن الرحيم الاجابة الي أبعد حد ممكن خيالك يصل له.

لم يكن الأمر سهلا، ولا يزال صعباً، أشلاء من هنا وأشلاء من هناك، أراقب كل ما فعلته في نفسي في العشر سنوات الماضية، والمؤلم أن أكثر شيء كان يجب علي أن أعوضه عما فعلته هو أنا، بعد اعترافي بحقيقة أنني فعلت كل ما هو سيء لنفسي، علاقات عاطفية مرضية ليس هدف فيها إلا تعذيب نفسي واللذة المازوخية التي تنتج عنها وتآكل روحي كل يوم قضمة، مهدئات، إفراغ أمعائي بالقهر بعد كل وجبة، ترك الكثير من المعارك التي لم تحسم لأتجنب المواجهة، إهمالي لتواصلي مع أبي، صديق يحاول تصنيع LSD فلماذا لا أجربه!، جرح جسدي بالموسى والذي ترك اثار حتى الان، ثم القاء اللوم على أمي في كل ما فات، يجب أن يتحمل أحد الذنب، فبعد كل هذا العبث هل سيكون لدي طاقة لأتحمل المسئولية ايضاً !.. ما يصحش بالطبع.

بعد أن تواجه نفسك بكل هذا، سيكون من الصعب عليك أن تسامح نفسك بسهولة، وتظل تدور في دائرة لقد عذبت نفسي ولا أستطيع أن أسامح نفسي فيجب أن أعذبها مرة أخرى بعدم مسامحتي لها، فأفيق على شعور بالذنب لأنني لا أستطيع أن أسامح نفسي وأحررها من هذا العبء، فأكره نفسي لكرهها لي وتدور الدائرة، وتشعر أنك غير قادر على حب نفسك بالشكل الملائم، لا أستطيع أن أحب نفسي بشكل صحي، اما أن احبها بشكل مبالغ فيه فلا أطيق عليها أتفه الاشياء فأصبح عبارة عن ايجو متضخم يسير على قدمين لا تستطيع أن تحمله، اواكرهها بعنف واعاقبها بالمهدئات والاهانات التي استجديها من الاخرين

يقول مارك لي دائما هو وجانيت أن رحلة الروح تبدأ من أبيدوس، وقد شعرت به، شعرت بشيء يتغير في منذ أن وصلت لهذا المكان يوم 2/4/2015، تلك المرة والتي كانت المرة الرابعة بالضبط التي أدخل فيها معبد أبيدوس/سيتي الأول، وقد كانت المرة الأولى التي أذهب هناك بمفردي كما طلب مني حورس، بغرض أن أجلس في أحد غرف قدس الأقداس بالمعبد، لمدة ساعتين بمفردي، ما يجب أن تعلمه جيداً أن المعابد لها شخصية معنوية، ولها مزاج أيضاً، لن تستقبلك كل مرة كما استقبلتك في المرة التي تسبقها، ولن يكون ترحيبها بك وأنت قادم بمجموعات كما لو أتيت لها وحدك، دون هاتف، دون شيء على الإطلاق، لو كنت أستطيع أن اتخلص من جسدي حينها لفعلت، ربما ينقذني المعبد من ثقله وأعبائه، رددت لنفسي وأنا أسير تجاه المعبد، هذا الجسد هو سيارتك التي ستتركينها أمام المعبد عند دخولك، في لحظتها شعرت اني اخف، حرفيا، شعرت بالسلالم تقذفني من درجة الي اخرى، “تعال.. انت مرحب بك بشدة” شعرت بها ولم اسمعها ولكن شعرت بها بقوة ولازلت حزينة أن هذا الاحساس لم يتكرر حتى الان، ليس الترحاب نفسه، ولا حتىالاحتواء، ربما هي حلاوة المرة الأولى، وربما كان مزاج المعبد يومها في ذروته.

بعد جلستي الأولى في تلك الغرفة التي يطلق عليها معظم المجموعات الروحانية التي تأتي الي ابيدوس “غرفة العلاج”

Healing room، تأكدت أن تلك الغرفة ليست كمثلها من باقي غرف المعبد، ناهيك أن جاذبيتها أقوى من باقي غرف المعبد وقد اختبرت هذا بقياس ثقل زجاجة المياه في يدي بخروجي ودخولي سريعا من باب الغرفة، ويمكنك أن تجربوا هذا إذا ذهبتم يوما هناك، الأمر الآخر المثير للإعجاب في تلك الغرفة هي أنها مثل الصندوق الممسوك بأيدي عليا تعرف كيف توجهك، تخيل نفسك كرة في هذا الصندوق، والممسك بهذا الصندوق يوجهك إلي أين تذهب في الغرفة، أين يجب أن تقف الان صامت، ومتى يجب عليك اغلاق عينك دون أن تخاف، وأن تسلم روحك للأرواحفالطاقة الايجابية تفعم هذا المكان، قد تغيب عن الوعي للحظة فتجدها نصف ساعة مرت، وبعدها تشعر بتلك الراحةفيصدرك، والتي تجعلك تدرك معنى كلمة أثلجت صدري التي قرأتها كثير لكنك لم تختبرها في أجواء القاهرة المتعبة، قد تجلس على الأرض وتبكي كما لم تبكي من قبل فتهدهدك الأرض بيد أحن من يد أمك، قد تطلب من الله أشياء وليس لديك ذرة شك أنها ستتحقق، ربما ايضاً تنظر الي الخفاش الوحيد الذي يسكن تلك الغرفة دون أن تخاف منه، دون أن تخاف أي شيء وأنت بداخلك ثقة أن حد الله بينك وبين أي شيء قد يؤذيك، تلك اللحظة من السلام، هي ما تساعدني حتى الآن، كلما غضبت وكلما وجدت صعوبة في مسامحة نفسي حتى الآن، كلما أدركت أن رحلة الروح طويلة جداً وأن الاختيار ليس بالسهولة التي كنت أظنها، أعلم أن هناك حافلة تنتظرني لتأخذني الي ابيدوس، الي سوهاج، الي الهيلينج روم، اترك نفسي لليد توجهني كما تريد، وفي كل مرة لن يساورني الشك و لو للحظة في طاقة المكان، بل أن كل يوم يمر تزيد ثقتي بقدسية مكان مثل أبيدوس.

(Visited 3٬161 times, 1 visits today)
عن الكاتب
أميرة حسن الدسوقي
أميرة حسن ابراهيم الدسوقي خريجة كلية الاداب قسم اعلام وعلوم اتصال دفعة 2006،تعمل صحفية وباحثة ومعدة أفلام وثائقية، عملت في العديد من الجرائد المصرية و العربية منها الدستور والمصري اليوم والحياة اللندنية، لها مجموعة قصصية في المكتبات بعنوان "بس يا يوسف" وقد حصلت تلك المجموعة على جائزة ساويرس.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق