الآن تقرأ
( سد النهضة ) في حدوتة مصرية  ” الحلقة التاسعة “

 د/ إســـلام جـمــال الـديــن شـــوقـي

       انتهت ” حلقات الحدوتة السابقة “ من التعرف على المخطط الحالي للسدود الإثيوبية ، وتم التوصل إلى حقيقة واحدة وهي ” أنه من الصعب إقامة سدود كبرى على النيل الأزرق لأسباب هندسية وأخرى بيئية مثل شدة الفيضان السنوي ، وأخرى جيولوجية أو جيولوجية / هندسية “.

وسنتناول في هذه الحلقة وهي ” الحلقة التاسعة ” أهم قضية تشغل عقول المصريين وهي سد النهضة الإثيوبي وتأثيره على حصة مصر من مياه النيل.

 سد النهضة الإثيوبي الكبير :  

عُرف سد الألفية ( النهضة ) الإثيوبي بسد بوردر في الدراسة الأمريكية التي أجريت على حوض النيل الأزرق في إثيوبيا ؛ حيث أعلنت الحكومة الإثيوبية في الثاني من أبريل 2011 تدشين إنشاء مشروع سد النهضة ، لتوليد الطاقة الكهرومائية ( 5250 ميجاوات ) على النيل الأزرق بولاية جوبا / بني شنقول جوميز غربي إثيوبيا وعلى بعد نحو  20- 40 كيلومترا من حدود إثيوبيا مع السودان ، بتكلفة تبلغ نحو 4,8 مليار دولار، وبسعة خزان 74 مليارم3 .

وتريد إثيوبيا أن تقول من خلال هذا الإعلان والإفصاح عن مشروعاتها من السدود أنها الأعلى والمتحكمة في مياه النيل ، لأن مياه النهر تنبع من عندها ، مشيرة إلى أنه قد آن الأوان أن تكمل مشروعاتها المائية دون الرجوع إلى دولتي المصب ( مصر ، السودان ) ، ويجب على مصر أن تلتفت إلى المشروعات التي لها أن تزيد من حصتها من مياه النيل مثل استئناف مشروع قناة جونجلي بين جنوب السودان ومصر المتوقف منذ الحرب الأهلية بين السودانيين ، لمد مصر ب 10 مليار متر مكعب من المياه.

  • الموقع الجغرافي والجيولوجي للسد :

يقع سد الألفية ( النهضة ) ( شكل رقم 4 ) في نهاية النيل الأزرق داخل الحدود الإثيوبية في منطقة بني شنقول جوموز وعلى بعد نحو 20 – 40 كم من الحدود السودانية، خط عرض 11 درجة 6 شمالاً ، طول 35  درجة 9 شرقًا ، على ارتفاع نحو 500 –  600 متر فوق سطح البحر ، ويصل متوسط الأمطار في منطقة السد إلى نحو 800 مم / سنة.
شكل رقم ( 4 ) : سد النهضة الإثيوبي

 

خريطة-سد-النهضة

خريطة-سد-النهضة

ويقع السد في منطقة تغلب عليها الصخور المتحولة لحقبة ما قبل الكمبري ، والتي تشبه في تكوينها جبال البحر الأحمر الغنية ببعض المعادن والعناصر المهمة ، مثل الذهب والبلاتين والحديد والنحاس ، بالإضافة إلى محاجر الرخام ، تلعب الجيولوجيا دورًا رئيسيًا في مجالات التنمية الإثيوبية ، وأهم العوامل الجيولوجية والجغرافية التي تقف حائلاً دون نجاح كثير من المشروعات المائية في دول منابع نهر النيل بصفة عامة ، وإثيوبيا بصفة خاصة هي:

– صعوبة التضاريس ، حيث الجبال المرتفعة والأودية الضيقة والعميقة ، وما يتبعها من صعوبة نقل المياه من مكان إلى آخر في حالة تخزينها.

– انتشار الصخور البركانية البازلتية ، خاصة في إثيوبيا ، وهي صخور سهلة التعرية بواسطة الأمطار الغزيرة ، وأيضًا ضعيفة هندسيًا لتحمل إقامة سدود عملاقة.

– تأثير الصخور البازلتية أيضًا في نوعية المياه ، خاصة في البحيرات ، حيث تزيد من ملوحتها كما هو الحال في البحيرات الإثيوبية التي تقع في منطقة الأخدود في كل من إثيوبيا وكينيا وتنزانيا ، والتي تشكل عائقًا أيضًا في تكوين مياه جوفية.

– التوزيع غير المتجانس للأمطار ، سواء الزمني أو المكاني.

– زيادة التعرية وانجراف التربة ، نتيجة انتشار الصخور الضعيفة ، والانحدارات الشديدة لسطح الأرض ، وغزارة الأمطار في موسم مطر قصير ، بالإضافة إلى زيادة معدل إزالة الغابات مع زيادة عدد السكان.

– يحد حوض النيل في دول المنابع مرتفعات كبيرة تمنع إمكانية نقل مياه النيل إلى الأماكن التي تعاني نقص المياه ، خاصة في موسم الجفاف ، ويتضح هذا جليًا في كل من إثيوبيا وكينيا وتنزانيا.

–  وجود الأخدود الإفريقي في جميع دول المنابع ، وما يسببه من تشققات وفوالق ضخمة ، ونشاط بركاني وزلزالي قد يؤثر في المشروعات المائية خاصة في إثيوبيا.

  • وحدات إنتاج الكهرباء:

يحتوي تصميم السد على 15 وحدة كهربائية ، قدرة كل منها 350 ميجاوات، عبارة عن 10 توربينات علي الجانب الأيسر من قناة التصريف ، وخمسة توربينات أخرى علي الجانب الأيمن ، بإجمالي 5225 ميجاوات ، مما يجعل سد النهضة في المرتبة الأولى إفريقيا والعاشرة عالميًا في قائمة أكبر السدود إنتاجًا للكهرباء.

3- التكلفة والتمويل :
تبلغ تكلفة السد نحو 4,8 مليار دولار أمريكي ، والتي من المتوقع أن تصل في نهاية المشروع إلى نحو 8 مليارات دولار أمريكي للتغلب علي المشاكل الجيولوجية التي سوف تواجه المشروع ، كما هو معتاد في جميع المشروعات الإثيوبية السابقة ، وقد أسند هذا السد بالأمر المباشر إلى شركة ساليني الإيطالية ،

وذكرت الحكومة الإثيوبية أنها تعتزم  تمويل المشروع بالكامل ، وبعد أن شحنت الشعب الإثيوبي بأنه مشروع الألفية العظيم ، الذي يعد أكبر مشروع مائي يمكن تشييده في إثيوبيا ، ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الإثيوبية تعجز منذ عام  2006 عن تكملة سد جيبي3 على نهر أومو المتجه نحو بحيرة توركانا ( كينيا ) بسبب عدم توافر المبلغ المطلوب ، الذي يصل إلى نحو ملياري دولار أمريكي ، والآن، تضع الحكومة الإثيوبية نفسها في مأزق أكبر بإنشاء سد النهضة ليصبح المطلوب توفيره نحو 7 مليارات دولار أمريكي للسدين.

وتبلغ تكلفة التوربينات والمعدات الكهربائية نحو 1,8 مليار دولار أمريكي ، يتم تمويلها من قبل البنوك الصينية ، وسيتم تمويل بقية التكلفة ( 3 مليارات دولار ) بواسطة الحكومة الإثيوبية ، وكما هو معلن ، فإن السد سيتم افتتاحه في عام 2017.

الممولين الرئيسيين لسد النهضة :

  • الصين :

تعد الصين شريكًا أساسيًا في بناء السد ، حين وقعت شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية مع شركة المعدات والتكنولوجيا المحدودة الصينية ، اتفاقية لإقراض أديس أبابا ما يعادل مليار دولار أمريكي ؛ من أجل بناء مشروع خط نقل الطاقة الكهربائية لمشروع سد النهضة ، بالإضافة إلى الخبرات البشرية التي تشارك بها الصين.

  • إيطاليا :

أما إيطاليا فتعد أحد المساهمين في مشروع السد ، وذلك من خلال شركة ساليني إمبراليجيو المختصة بتشييد السدود ، وهي التي تقوم على بنائه منذ عام 2011.

  • البنك الدولي :

رغم نفي البنك الدولي أكثر من مرة دعمه لهذا السد، إلا أن السفير محمد إدريس سفير مصر بإثيوبيا في 2013، أكد أن البنك الدولي هو الممول الرئيسي للسد، نافيًا أن يكون لإسرائيل أي دور قوي من ناحية التمويل.

  • تركيا وقطر :

تركيا وقطر أيضًا ضمن القائمة ، يمولان سد النهضة من خلال مشروع استثماري وزراعي ضخم ، تموله الدوحة وأنقرة لزراعة مليون ومائتي ألف فدان في منطقة السد.

  • محمد العامودي :

أعلن عن تمويله لمشروع السد ، من مواليد إثيوبيا لأب سعودي ، مشيرًا إلى أنه سيتبرع بما يعادل 88 مليون دولار لصالح بناء السد ، وذلك ضمن المبادرة التي أعلنتها أديس أبابا لتمويل السد ذاتيًا ، ووفقا للموقع الإلكتروني الرسمى لرجل الأعمال السعودي ، تعد شركاته الأكبر من بين استثمارات القطاع الخاص في إثيوبيا ، خاصة بعد بناء مصنعين لإنتاج الأسمنت، فضلا عن عدة مشروعات أخرى في مجال التعدين والتنقيب عن الذهب وزراعات وإنتاج البن والأرز.

وفي ختام الحلقة التاسعة من الحدوتة فمن وجهة نظري ومن خلال عرض ما سبق فإنه قد بات واضحًا ولا يدعوا مجالًا للشك أن إثيوبيا من خلال إعلانها وإفصاحها عن مشروعاتها من السدود تريد أن تبين أنها الأعلى والمتحكمة في مياه النيل ، لأن مياه النهر تنبع من عندها ، وتريد أن تفرض هيمنتها من خلال إقامة السدود دون الرجوع إلى دولتي المصب ( مصر ، السودان ) ، وفيما يخص موقع سد النهضة فإنه يلاحظ صعوبة التضاريس ، انتشار الصخور البركانية البازلتية ، وأيضًا ضعيفة هندسيًا لتحمل إقامة سدود عملاقة ، زيادة التعرية وانجراف التربة ، نتيجة انتشار الصخور الضعيفة ، والانحدارات الشديدة لسطح الأرض.

 

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق