الآن تقرأ
مرحلة التكوين في حياة إمام المتقين (3)

عليّ بين يداية استثنائية و قطيعة تجارية مبكرة ..

كان بيت محمد و بيت أبي طالب واقعاً في منطقة شِعب بني هاشم داخل مكة[1]، ذلك الشعب الذي حاصرت فيه قريش بني هاشم في أواخر مرحلة الدعوة المكية، وكان محمد قد ورث بيت أبيه عبد الله (عند الصفا حالياً) بينما كان بيت أبي طالب يجاوره و غير بعيد عنه وذلك لأن مساحة الشِعب كانت صغيرة أصلاً ، ومن هنا نستطيع أن ندرك حجم ذلك التلاحم بين عائلتى محمد و أبي طالب و لنا أن نتخيل عليّ ذلك الصبي الصغير الذي كان في الأغلب في الخامسة من عمره عند أنتقاله إلي بيت محمد وهو يتجول في الشعب بين بيت محمد و خديجة و بيت أبيه الواقع في نفس المنطقة تقريباً، أي أن حياة عليّ سارت علي سيمترية حقيقية توزعت بين بيت أبيه و بيت محمد، إلي أن أستقر عليّ بشكل نهائي في دار محمد، وأصبح يزور أبيه و أمه زيارات خاطفة، لذا نجد الإمام عليّ فيما بعد يتذكر تلك المرحلة و يصف علاقته بالنبي قائلاً « ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر أم، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به»[2]

و لنا أن نتوقف عند قول الإمام « يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به» فتلك الجملة يبدو باطنها أعمق من ظاهرها كثيراً، فهي من جانب تؤكد إصرار النبي محمد على إعداد عليّ و تهيئته تهيئة روحية خالصة، فلا يمر يوماً إلا وقد دخل إلي روح عليّ مبدأ وأشتعل في نفسه قبس من معرفة، وربما أثر ذلك قد تجلي فيما بعد في قدرات عليّ اللغوية في الفصاحة والبلاغة، كما أن قول الإمام يؤكد ذلك الاستعداد الهائل الذي كان لديه لتقبل العلم والتواصل مع محمد بصفته قائداً ومعلماً، ذلك الاستيعاب المعمتد في الأصل علي إعمال العقل و التجاوب مع الروحانية ليست علي أساس التجريد بل علي أساس التجربة فعليّ الذي قال في يوم « أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له»[3]

و بذلك صار  محمد في عقل عليّ مرشد ومعلم روحي حتي من قبل البعثة واستلام الرسالة، وعلي الأرجح أن ذلك الوقت هو الذي تعلّّّم فيه عليّ القراءة و الكتابة، تلك المهارة النادرة التي تميل معظم الروايات علي أن محمد نفسه لم يحظى بها.

نقش عثماني يصور النبي محمد هو يزوج السيدة فاطمة علي ابن عمه الإمام عليّ

نقش عثماني يصور النبي محمد هو يزوج السيدة فاطمة لابن عمه الإمام عليّ

لكن المدقق في تلك المرحلة يلاحظ ثمة تطورُ عميق يمكن أن يلتقط من سيرة عليّ عقب أنتقاله إلي بيت محمد، فعليّ الذي كان معد له في يوم أن يشارك أخوته (طالب- عقيل – جعفر) أمر تجارة أبيهم ، ألقيت علي كاهله مهمة أخري بعيدة كل البعد عن فكرة التجارة والبيع والشراء، مهمة ستشكل شخصيته فيما بعد كقائد بين معاصريه، فقد حُصرت مهمته في أن يكون تابعاً ومساعداً لإبن عمه، خصوصاً بعد أن عاد محمد في تلك الليلة التي كان يتعبد فيها في غار حراء عام 610 ليخبر من في داره أنه تلقي وحياً من السماء ينبأه أنه نبي صاحب رسالة،

و قبل الخوض في تلك الفترة ومعرفة مدي حجم عليّ في مرحلة الدعوة الأولى، لنا أن نتوقف عند تلك القطيعة المبكرة بين عليّ و أمور التجارة، فالنبي محمد رغم قدسية رسالته إلا أنه قد مارس التجارة منذ أن كان صغيراً و رأي كيف يتعامل التجار وكيف تستخدم لغة المال في الأسواق، وبعد زواجه من السيدة خديجة أصبح محمد هو من يديرثروتها، و ربما يكون ذلك أحدى التفسيرات الموضوعية لعقلية النبي محمد السياسية فيما بعد، وكيف كان يوزن الأمور بميزان التاجر المجرب، ورغم عمق العلاقة بين محمد و عليّ و الاشراف الروحي الذي مارسه محمد مع عليّ، فأننا لا نلاحظ أي ترابط بين محمد التاجر و بين عليّ الصبي، فلم تذكر الروايات لنا أن عليّ قد رافق محمد في أحدى رحلات الشتاء و الصيف التي أشتهرت بها قريش قبل الإسلام، بل في الأغلب أن محمد كان يترك عليّ في البيت مع زوجته ليراعاها و يلبي طلباتها مع زيد بن حارثة عتيقه، وعلى أي حال فقد أثر ذلك الأنقطاع المبكر عن الحياة التجارية في حياة عليّ فيما بعد، حيث كان إلمام عليّ بتفاصيل تجارة القوافل يمثل الحد الأدنى من المعرفة. رغم أهمية التجارة التي كانت تحكم الجزيرة العربية و تمنح القبائل البقاء و الأستمرار، فلم يعرف عليّ في صباه المساوامة و التعامل مع مرشدي القوافل، بل أنه ظل حتي وفاته يرى الكون برؤية فطرية روحانية بعيدة كل البعد عن لغة المال، فلقد تكونت شخصية عليّ في بيئة أستثنائية فصلته عن بيئته الجاهلية و أسست داخله قواعد لقيم روحانية لم تجعله في يوم قابلاً للمساوامة و خاضعاً لسياسة تمرير الأمور[4]، فحتي زيد بن حارثة الذي أعتقه محمد و تبناه. و كان تحت عين النبي ورعايته وتربيته، لم يحظي بذلك القدر من الفطرية التي حظى بها عليّ في مرحلة نشأته الأولى، و قد أستمر عليّ بن أبي طالب في قطيعته تلك مع حياة التجارة حتي نهاية المرحلة الثانية في حياته أي حتي وفاة النبي وبداية عهد الخلافة حيث ظهرت له تجارة في مدينة ينبع.
 وبالعودة إلي مرحلة ما قبل البعثة، تشير الروايات أن محمد كان يجاور كل سنة شهراً كاملاً في غار حراء معتكفاً متعبداً حتي إذا أنقضى الشهر أنحدر محمد من الجبل ليدخل بطحاء مكة و يطوف بالكعبة سبع ثم يعود إلي بيته، و لم يغب ذلك الحدث وتبعاته من عقلية عليّ بن أبي طالب الذي أشار إلي نقطة هامة في خطبته الطويلة والمعروفة بالقاصعة في كتاب نهج البلاغة[5]، حيث يقول الإمام «ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري» والسؤال الذي تطرحه تلك الإشارة هو ما كان شأن عليّ أثناء وجود محمد في حراء هل كان محمد يأخذ عليّ معه أم أنه كان يظل مع خديجة في البيت ليرعاها ؟! ولكن قطعية الجملة و قول عليّ «فأراه ولا يراه غيري» قرينة كبري علي أن عليّ كان ربما يجاور في حراء مع النبي بعض الوقت أثناء شهر أعتكافه، أو ربما كان يحمل إليه الطعام و الشراب فيري محمد وهو غارق قي صلواته و تأملاته الكونية، وعلى كل حال و سواء جاور عليّ في حراء مع محمد أو كان رسول خديجة إليه، فإنه لابد له أن أستوقفه ما يفعله محمد و لابد أن يكون قد دار بينهما حديث عن سبب هذا التعبد، فتعرف عليّ على فكرة وجود إله واحد للكون وأدرك حقيقة ملة إبراهيم الأولى، فكانت تلك الحوارات بذرة حقيقية غرست في نفس عليّ الذي قدر له أن يكون من أول من آمن بدعوة النبي، لكن في أي سن هنا أتفرقت المذاهب الإسلامية وتنازعت ! 

[1])  يمتد شعب بني هاشم من الصفا والمروة إلى الخلف جهة الشرق

[2] ) نهج البلاغة ، الخطبة ( 192 ) المسماة بالخطبة القاصعة

[3] ) نهج البلاغة ، الخطبة (1)

[4] ) برنابي روجوسون، ورثة محمد جذور الخلاف السني الشيعي ص 62/63

[5] ) هو مجموع خطب ورسائل وحكم الإمام عليّ و قد جمعها الشاعر الشريف الرضي (359  – 406 هجرياً) و أعطي للكتاب أسم نهج البلاغة، وللكتاب عدة شروح أهمها شرح إبن أبي الحديد المعتزلي، وشرح الإمام محمد عبده

عن الكاتب
كريم جمال
طالب في كلية تجارة - نظم معلومات - بالأضافة إلي دراسة الموسيقي العربية (دراسات حرة) ، مهتم بالتاريخ الديني و تطور المذهبية الإسلامية و كذلك التاريخ الموسيقي و كتابة السيناريو
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق