الآن تقرأ
حرية الفكر بين الأمل والرجاء (1)

 في تاريخنا القديم والحديث حكايات كثيرة، نأخذ منها العبرة والعظة، بعضها يثير البهجة في النفوس، وأكثرها يثير الفزع والاستنكار، وهذا النوع الأخير هو موضوع بحثنا، فكم من دماء سالت ورؤوس قطعت بسبب الخلاف في الرأي أو الفكر، سواء حول قضية سياسية أو دينية، وبعض أصحاب هذه الدماء والرؤوس لم يكن لهم سلاح سوى قلمهم، والحكمة والموعظة، إلا أن هذا لم يشفع لهم، أمام طغيان حكم جائر، لا يرى الصواب إلا في رأيه وحده، سواء لأسباب سياسية سلطوية، أو تعصبًا للرأي.

نحن لا نتحدث عن قصص خيالية، بل أحداثًا واقعية حدثت وما زالت تحدث هنا في عالمنا العربي وليس في منطقة أخرى، وإذا كنت لا تصدق، فلتقرأ تاريخنا، الماضي منه والحاضر، وادعوا الله ألا تجده في المستقبل.

إن محنة الرأي موغلة في تاريخنا، وفي سلسلة المقالات هذه نقلب صفحات الماضي والحاضر لنستعرض بعض نماذج هذه المحن.

في عهد الدولة الأموية:

البعض في زماننا يغسل عقول الناس باتباع أساليب الخداع، مستغلين ضعف المعرفة التاريخية لدى البعض، فيخدعون الناس بدولة الخلافة التي يخلقون حولها الأساطير حتى ارتفعوا بالخلفاء إلى درجة الملائكة وجعلوهم المثل الأعلى ولا عزة إلا في اتباعهم. ولكن بتمعن النظر في عصر الخلافة، نرى كيف تسلط الخلفاء باسم الدين على الشعوب، ونرى الكم الهائل من الدماء التي أريقت لمجرد أن أصحابها كانت لهم آراء مخالفة لما أشاعه أصحاب السلطة تحت مظلة الدين.

وفي عهد الدولة الأموية، أشاع الأمويون ودعاتهم في المساجد أن معاصيهم وأعمالهم “تسير بقدر الله، فلا راض لقضائه” وأن أي اعتراض على أفعالهم إنما هو اعتراض على قدر الله! وهو ما يسمى في التاريخ “بالجبرية”، ونسميه نحن “الحكم بالحق الإلهي”.

وقد أدى هذا إلى نشوب صراع سياسي ذي صبغة دينية بين طائفتين من المسلمين، إحداهما تقول بأن الإنسان لا يد له فيما يفعل، بل الله هو الذي يسيّره (الجبرية)، في حين تراه الأخرى مخيرًا حر الإرادة (القدرية)، وقد تركز الجدل بين الطائفتين على التساؤل عما إذا كانت القدرة على التأثير في مجريات الأمور هي في يد الخالق وحده، أم أن الخلق بوسعهم المشاركة فيها. وكان خلفاء الدولة الأموية يدركون جيدًا قوة المعارضة لحكمهم، ويرون تعدد الفرق التي تسعى إلى تقويض دعائم ملكهم، وكان السبيل إلى الرد على هؤلاء هو تأكيد فكرة أن الأمويين إنما نالوا الخلافة بإرادة الله، وأن أية ثورة وأي تمرد على سلطانهم عصيان لله وتحد لمشيئته، فالإنسان إذن مسيّر، ولدولة الإسلام طريق شقه الله لها لحكمة ارتآها، وعسى أن يكره المسلمون شيئًا وهو خير لهم.

إن التعلل بمشيئة الله هو حجة المشركين والظالمين عبر التاريخ، وهو ما ذكره قوله تعالى في سورة النحل “وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ”، فهنا تعلل المشركون بأن الله قد أراد لهم الشرك، فإذا شاء الله لهم أن يؤمنوا هم وآباؤهم لفعلوا، وسار الظالمون على هذا الدرب، فعلقوا مظالمهم على شماعة “المشيئة” وقالوا “لو شاء الله ما فعلنا، وإنما فعلنا ما فعلناه بقضاء الله وقدره”.

إن الظلم ليس من عند الله، وحاشا لله أن يكون كذلك، ولكنه من عند البشر، وقد قال تعالى في سورة آل عمران “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، وهي الآية التي نزلت على المسلمين بعد هزيمتهم في معركة أُحد، فتساءلوا: من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون وفينا النبي والوحي، وهم مشركون، فيرد الله عليهم بقوله “قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ” لأنكم لم تأخذوا بالأسباب فلا تنسبوا فشلكم وظلمكم لله ولكن انسبوه إلى أنفسكم.

وهكذا توسل الأمويون عقيدة فاسدة ليشرعنوا حكمًا ظالمًا جائرًا، واستخدموا فقهاء السلطان كأداة لفرض هذه العقيدة، ونشروا أحاديث مكذوبة لتأييدها، واستخدموا الشعراء للدعاية لها، فنجد الشاعر الشهير “جرير” يمدح الخليفة الأموي “عبد الملك بن مروان” قائلاً:

الله طوقك الخلافة والهدى **** والله ليس لما قضى تبديل

وقال أيضًا في مدح الخليفة العادل “عمر بن العزيز”:

نال الخلافة أو كانت له قدر *** كما أتى ربّه موسى على قدر

فكأن تولي الخلفاء قدرًا محتومًا وعلى الرعية أن تسلِّم لهذا القدر…

وكان على خصوم دولتهم أن يجدوا تبريرًا دينيًا لخصومتهم السياسية؛ فكان أن أشاعوا بينهم النظرية القائلة بقدرة الإنسان على تكييف مصيره، وبأنه غير ملزم بطاعة الحاكم الظالم، وأشاعوا مقولتهم المأثورة “لا قَدَرَ والأَمْرَ أُنُفٌ” ومعناها: “لا قدر” أي لا دخل لقدر الله بهذه المعاصي، وأن أمور الأمويين تجري بالظلم والإكراه برغم أنوف المسلمين، أي “والأمر أُنُف”.

وكان أول القائلين بهذا هو “معبد الجهني” الذي أخذ يؤلب الناس ضد حكم الأمويين وشارك مع المثقفين (القرّاء) في ثورة “محمد بن الأشعث”، إلا أن الثورة فشلت، وانهزم “بن الأشعث” في موقعة “دير الجماجم”، وأسرف “الحجاج بن يوسف الثقفي” في قتل الأسرى، واستبقى منهم “معبد الجهني” ليتلذذ بتعذيبه والسخرية من آرائه، إذ كان يؤتى به إليه مقيدًا بعد وجبة التعذيب، فيضحك الحجاج ويقول له: يا معبد، أليس قيدك بقضاء الله؟ فيرد معبد: “يا حجاج، ما رأيت أحداً قيدني غيرك، فأطلق قيدي فإن أدخله قضاء الله رضيت به”.

وكما هي العادة، جاء إليه بفقهاء السلطان ليناظروه، فأفتوا بكفره ووجوب قتله.

فظل “الحجاج” يتلذذ بتعذيبه حتى مات سنة 83 هـ، وقيل صلبه “عبد الملك بن مروان” سنة 80 هـ بدمشق ثم قتله.

 

وللحديث بقية…

مصادر:

البداية والنهاية – ابن كثير

تفسير القرطبي

تفسير ابن كثير

تاريخ دمشق – ابن عساكر

سير أعلام النبلاء – الذهبي

موقع قصة الإسلام – دكتور راغب السرجاني

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق