الآن تقرأ
حق استخدام الحياة”..الكابوس يتحقق للنهاية”

في 2007، نشرت جريدة الإندبندنت البريطانية، مقالا عن قصيدة الأميات للشاعر نجيب سرور، داعية لنشرها علنا بدلا من تناقلها بطريقة سرية.

موقف النقد الرسمي في الوطن العربي و نقادها المرموقين من الأدب، لم يخن موقع المحافظة أبدا، القصيدة التي ظلت وصاحبها منبوذين من السبعينات، لم تسلم من مطاردتها في القرن الحادي والعشرين، يكتب رجاء النقاش في جريدة الأهرام:

“وهكذا فإن الأدب البذيء لايجر وراءه سوي الشر‏، وهو أدب لايمكن أن يعيش إلا في الظلام‏،‏ ولا يسمعه الناس ولايقرأونه إلا في السر والخفاء‏،‏ لأنه أدب يشبه المخدرات لايمكن التعامل معه علنا‏،‏ فالجميع يعرفون أنه خطر وفيه شر عظيم‏، والأدب البذيء كما سبقت الاشارة يقوم في الأغلب علي شيء من تعذيب النفس‏، أو شيء من الاستهتار والتساهل والتجاهل للذوق والأخلاق والفن الصحيح‏”.

وهو المقال الذي سيعتمد عليه أكثر من كاتب في مطاردة أكثر من عمل بعد ذلك في مقالات نقدية، كونه صادرا من اسم كرجاء النقاش، لم يراجع أحد تصوراته عن الأدب، بوصف كتابته بديهية مسلم بها.

لا تسلم إذن قوانين الحسبة من كونك مثقفا أو قارئا عاديا للجريدة، أو مواطنا يرى في بذاءات مرتضى منصور المذاعة على الهواء شجاعة، لكنه قادر على إشعال الدنيا من أجل عمل فني.

في تلك الأجواء يكتب الروائي الشاب أحمد ناجي وجيله وأجيال سبقته وربما أجيال ستليه، أجواء تجعل من الحسبة قانونا عاما، تتضافر فيه السلطة السياسية والقضائية والصحافة وسلطة النقد وسلطة الرقابة المجتمعية.

ربما هنا يكمن أيضا جزء من الأزمة، أنه حتى لو كان مقالا فعلينا أن ندافع عنه بكونه متخيلا –وهي متخيلة بالفعل- وأن ندافع عن شخصياتنا التي لا تستطيع التعبير عن حياتها إلا وفقا لكادر ضيق للحرية، لا نملك الآن أن لا نحاكم على ذواتنا ولو حتى عبر المتخيل.

الدولة التي أزاحت حكما دينيا، تبدو مهووسة في حكمها بتعقب كل أثر للجنس وحياة الفرد الخاصة أكثر من نظيرتها الدينية.

أحمد ناجي، يحمل وعيا مبكرا منذ بدأ التدوين قبل عام 2007 بموقعه النقدي من الكتابة ككاتب ما بعد حداثي. يمكن لقلة في الوطن العربي بينهم أحمد ناجي أن ينطبق عليهم هذا الوصف، يكتب ضد جمهور المثقفين في الأصل، مفككا الكثير من إكليشاتهم وتصوراتهم عن الكتابة، بدا ذلك واضحا رغم صغر سنه وقتها منذ اختياره -على عكس المدونين- لصورة سلبية تحت اسم افتراضي : إبليس، الاسم المتسق مع عدم الاهتمام بالاعجاب -الذي بدا دافعا مهما لبناء المدونات وقتها بعد أن أصبحت شائعة- قدر اهتمامه بالافلات من قبضة الوعي الجمعي للكتابة والتدوين وقتها، ومجادلة هذا الوعي.

وفي روايته الأولى روجرز الصادرة عام 2007، كان يحمل من الجرأة ليكتب على غلافها أنها مسروقة من أكثر من عمل ومتماهية مع ألبوم The Wall لفريق بينك فلويد، ” ناجى بهذه الجرأة أراد أن يلفت انتباهنا إلى أحد أهم مفاهيم الكتابة مابعد الحداثية ، أن الرواية الجديدة لم تعد تأليفا خالصا ، بل تناصا واسعا” يقول الناقد سيد الوكيل.

وفي روايته الأخيرة “استخدام الحياة” صاحبة الأزمة، يختار أن ينتج الرواية المصورة الغير شائعة جماهيريا في الوطن العربي، التي استغرق تنفيذ رسومها من قبل فنان الكوميكس أيمن الزرقاني سنوات قبل أن تخرج من النور.

كتابة مميزة تعادي الحاضر المرسوم رسما ولا تتوهم الخلود، تعادي بلاغة النيابة البالية والقديمة وتصوراتها عن “الإباحية”، بل كتبت أصلا لتهدم البلاغة الأخلاقية، التي ترسم سياسات الدولة وتشرعن القمع وتنتج عبر ابتزازنا بالأخلاق خطب الرئيس الرسمية، التي لا ترى في الانتهاك والاعتقال عملا لا أخلاقيا بينما تصف الانتقاد في الإعلام بوصفه سلوكا لا أخلاقيا.

يشكو ناجي من اتصالات الصحفيين التي تتعامل مع حرية التعبير كعبارة جميلة تزين قائلها ومفرغة تماما من المضمون، عبر سؤال متكرر من الصحفيين: “إيه رأيك في حرية التعبير وكده؟”، هذا بالظبط ما يكتب ناجي ضده.

ليس عجيبا إذن أن تواجه رواية ضد بلاغة الساسة محاكم تفتيش المجتمع والدولة، بتهمة الخيال وكتابة نص روائي” يوظف البلاغة فنيا، كإحدى الثيمات التي تتضافر مع التثوير الشكلي” و” بسخرية مثيرة وحانقة للكلام “الرسمى” والأدبى”، كما يصف الكاتب محمد عمر الجنادي في مقاله النقدي عن الرواية، والتي تقوم لغتها “على مزج مستويات مختلفة من العامية والفصحى، لكن ما يميز استخدام الحياة هو الحضور القوى للكلمات التى تم دمغها بصفة “البذاءة”، من قبل حراس الخطاب، ومجتمع السيطرة الذى خلق عالم مغلق من الانشاء أو التعبير، تدور فى فلكه مؤسسات البحث والاعلام والدعاية ومكاتب الادارة والساسة”.

 

 

 

(Visited 650 times, 1 visits today)
عن الكاتب
أحمد الفخراني
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق