الآن تقرأ
بيلاتار … بين انهيار الاتحاد السوفيتي وحصان نيتشه

“ انت تفعل نفس الاشياء يومياً، واذا حدث تغيير ما فإنه  سيكون طفيف جداً وغير ملموس. الحياة تبهت تدريجياً، حتي سيأتي يوم وتختفي  “

هكذا كانت وجهة نظر المخرج و المفكر المجري ( بيلا تار)  والتى عبر عنها في اخر افلامه ( The Turin Horse) رسالة مفعمة  بنظره سوداوية للحياة ، و وجهة نظر لم يعتد ان يعتنقها من قبل حين كانت  قوى التغيير والأمل هم المُحرك الاساسي له.

الغضب اتجاه المجتمع و الرغبة في تغييره  كانت الدافع الاول و الاساسي للشاب المجري  بيلا  تار في بداية  ثمنينات القرن الماضي، فكان يرى ان المجتمع نفسه هو المسؤول  الاول عن اوضاعه المتردية  من كل النواحي، الاقتصادية  و الاجتماعية  و انه يجب عليه  مواجهة  هذا المجتمع  بعيوبه حتي  يستطيع ان  يعالجها و يتغلب  عليها و من ثم  يحدث التغيير الشامل عن طريق اصلاح المجتمع.  هكذا كانت البداية مع افلام  مثل  ( family nest  ) و ( Almanac of Fall)  و ( Damnation )  وغيرها من الافلام  التي تتحدث عن وتواجه مشاكل المجتمع المختلفه  اجتماعيه كانت او سياسيه او اقتصادية او فكرية .

لقد  رأي بيلا تار ان معالجة ومواجهة مشاكل المجتمع المختلفة،  تُحدث التغيير المنشود.  إذَنْ فهذا هو حل الازمه؟ لا لم يكن كذلك، هذا ما اكتشفه بيلا  تار بعد  انهيار الاتحاد السوفيتي  و اندلاع ثورات  شرق اوروبا التي  اعقبها تغيير جذرى  حدث  للمجتمعات الشرق  اوروبية و منهم المجر  بلده،  من كل النواحي  ( سياسية و اقتصادية وفكرية  الخ )  و بالرغم من هذا الزلزال المجتمعي  الا انه لم  يحدث اي تغيير  ايجابي يُذكر،  بل بالعكس  لقد اصبحت الامور اسوأ من قبل.  المشكلة لم تكن يوماً في المجتمع ككل،  بل ان المشكلة هي  انتولوجية  ( وجودية ) مرتبطة بالوجود الانساني  و النزعة الفردية التي تقف في سبيل  اي تغيير  او محاولة حقيقة من اجله، هكذا اعتقد بيلا تار  فجأت رائعته  واحدي كلاسكيات السنيما الأوروبية و العالمية  (  Satantango ) تجسيداً لفكره ومحاولة منه  لمعالجة وتسليط الضوء على هذه المشكلة الوجودية و النزعة الفردية  والتأكيد على انه لن يحدث تغيير مطلقاً الا بالتخلي  عن تلك  النزعه  الفردية  ( مشهد التخلي عن الاموال التي تحايل  الجميع للحصول عليها  و الخروج  المشابه  لخروج بني اسرائيل  من مصر من اقوى المشاهد لتجسيد تلك الفكره ) هكذا يحدث التغيير، بالتخلي  عن الفردية  وبالاتحاد نحو الهدف الواحد اما بدون ذلك  فتكون النهاية، الموت معنويا وانت لا تزال علي قيد الحياة  و الدفن حياً ( النهاية التي اخترها الطبيب لنفسه ).

مع مرور الوقت يرى تار انه بالرغم من ان المشكلة وجودية و مرتبطة بالوجود الانساني  لكن تغييرها شيء صعب حيث ان البشر يغلب عليهم طابع السوء،  يصعب توحيدهم  علي شيء  ويصعب توجهم للخير بأرادتهم،  حتي وان حدث و اتحدوا  فإن اتحادهم يكون من اجل الشر  ، و لو ارادوا ان يغيروا ظروفهم  السيئه، فأن  تحركهم يكون اعمي بغير  معني او هدف  ولا ينتج عنه اي تغيير  حقيقي بل  يتم استغلاله  من نفس الافراد  الذين تسببوا في سوء الاحوال  من البداية  هذا ما ذهب  اليه بيلا تار  في  فيلم  ( Werckmeister Harmonies) بالحديث عن مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي و العوائق التي  وقفت ضد حدوث تغيير حقيقي  ولكن وبالرغم من كل ذلك لم يكن بيلا تار قد فقد امله وايمانه  بالبشر بعد بل كان يرى انه وبالرغم من كل ذلك، لا يزال  هناك امل وخير بالبشريه مهما بلغ قبح وسوء صنيعتهم  ( مشهد تراجع الحشد الثائر بعد مهاجمته للمستشفي  عند روؤية  العجوز العاري ) وانه وبناء علي هذا الامل مازال هناك امكانية لحدوث التغيير .

اخيراً وبعد مرور  21 عام من سقوط الجدار يفقد بيلا تار الامل  فالمشكلة  ليست  مجتمعية او وجودية بل هي مشكلة كونية  خاصه  بهذا العالم الذي نعيش فيه، عالم منتهي لا يوجد امل في تغييره وان اي تغيير ممكن  ان يحدث قد حدث بالفعل وفشل .العالم سيستمر كما هو بكل ما فيه من سوء وقبح  ولن يتغير ابداً مها حدث.  هذه كانت رسالة بيلا تار الاخيرة في فيلمه ( The Turin Horse)  والذي اعلن اعتزاله  الأخراج من بعده لانه رأي انه هدفه الاساسي قد انتهي.  لقد كان بيلا تار يأمل  في التغيير  وكان هو دافعه الاول  و موضوع اعماله السينمائيه التى تمحورت حول الدفاع عن البشر وحقوقهم  و حثهم علي التغيير ومحاولة اظهار  العقبات الي تحول دونه و كيفية التغلب عليها ولكن بعد مسيرة سينمائيه استمرت لقرابة ال ٣٥ عاماً  يصل بيلا تار  الى الحقيقه المريره الا وهى انه  لا يوجد اي فرصة للتغير، و يطلقها علي لسان شبح نيتشه في فيلمه الاخير (The Turin Horse  ) حين يقول  ( الخسارة و الفوز , الخسارة و الفوز , لقد توجب علي ان أقتنع فى يوم , لقد كنت علي خطأ , لقد كنت مخطئاً حقا , لأنه لم ولن يحدث ابداً أي تغيير علي هذه الأرض , يجب ان تصدقني لأني اعلم ما اقول , أى تغيير ممكن ان يحدث قد حدث بالفعل).

لقد فقد نيتشه عقله عندما فقد ايمانه  بالبشريه،  وقتها قال جملته الشهيره بعد يومين من الصمت التام

” امى، انى احمق” وفقد عقله للابد من بعدها. هل توصل  تار لنفس الشىء الذى توصل له نيتشه، نفس الشىء الذى جعل احداهما يفقد عقله و الاخر يفقد شغفه بعشقه الاول السينما و الحياه فى العموم و يقرر الاعتزال . هل فعلا لا يوجد اي امل في التغيير ؟ ام ان هناك دائما امل وحدوثة  حتمى مهما طال الوقت  ومهما تعمقت وتجذرت المشكلات التي تحول دون حدوثه؟ كلها تسأولات لن يجيب عنها سوى  المستقبل.

عن الكاتب
محمود قاسم
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق