الآن تقرأ
استخدام الدِماغ – قصة قصيرة

تحذير(2) واجب في بلاد الأدب، والشرف، والفضيلة: تلك القصة تحتوي على مصطلحات قد تخدش حياءك كمواطن (مؤدب) ..

“لناجي، وفاطمة، وإسلام ..وكل من لا نعلم عنهم شيئاً”

 

لاَبد وأنْني في قبر..تِلك الرطُوبة الخَانقة اللّزجة..الجُروح على وجهى ورَقبتي وفَخذاي تَئِن قليلاً على َسبيل تَنغيص الدقائق التي شَعرت فيها بالسكُون..كَفاي المَرْبوتطان خَلف جَسدي فَقدا دِماء السُخونة وتَحَولتا لقِطعتي ثلج يُؤلمان ذراعيّ. الغُرفة بلا نوافذ،أو منافذ سوى الباب الخشبي..والمَروحة الصَدئة في السقف تُصدر الأزيز المُزعج كذُبابة عملاقة أتت من قلب “سَقَر”. كُنت أبكي كثيراً دون أي ضَرب..أبكي قهراً على حريتي المَسلوبة، وانتهاك آدميتي، والعبث في فتحة شرجي، و”فعص” خصيتاي..الضُوء الخَفيض السَقيم كرائحة العفن بين مِنقاري دَجاجة يُغرق الغُرفة..رفَعْت رأسي أتأمل الأشْباح المُقيدة الرَاقدة في أنحاء الغرفة، و منهم تلك المَسكينة التي تَرقد كَخِرقة مُهلهلة، مُتكومة، في سروال من “الجينز” الوَاسع والذي لم تَرتديه كاملاً، وأنحَبس عند ردفيها فَبَدت كمن أنْزَل سِرواله لِقَضاء حاجة، و قَميص قَصير الأكْمَام، تمزقت حَوافه أيضاً. غير مُتلبس بجسدها، بل غَطى ما تيسر من جَسدها و نِصفها العلوي كبطانية قزمة..قَبل قَليل كَانت مُتكومة على نفسها تحاول سَتْر جَسدها لأن الشياطين تَرَكوها بِحمّالة صَدر ولِباس تَحتي فقط إمعاناً في إذلالها أمامنا..ولَما رحلوا إنقلب أحدنا –لابد وأنه أتى معها- عَلى بَطنه وأخذ يُعافر كاتماً ألمه، وهو يَتلَوى بعنف محاولاً خَلع سِرواله الجينز دون استخدام يداه المُقيدتان إلى الجدار..ثم فَعلت أنا بالمثل ..واضطُررت لتَمزيق القَميص باسناني تمزيقاً من حَول جسدي..نَاهيك عن العذاب في مُحاولة إمساك المَلابس بأصابع أقدامنا المهروسة كَي نَقذف بها نَاحية الفتاة في آخر الزنزانة..ولكِننا استَطعنا سترها أخيراً كيفما أتفق..بَينما العيون حَولها كانت تنخفض إما بكاءاً أو مُرعاة لِما تَمُر به المسكينة..انصَرفت الشياطين منذ عدة سَاعات ذاهبين لبيوتهم، كَي يستعيدوا عَافيتهم المفقودة جراء التَنكيل بنا..أنّات عَشوائية تَنطلق من الحَناجر الأربعة من حَولي..الدُموع الحارة جَفّت، وطهّر مَلحها سَحَجات وجهي..ولما سَمِعنا صوت الخطوات الثابتة تَقْترب في الرواق انتفضنا.. وزَحَفت الفتاة للخَلف تَلتصق بالجدار وهي تُصدر أصوات فَزع عَشوائية تُفتت أعتى حَجَر في صُدور چنرالات مُعسكر “أوشفيتز”.. سَطَع النُور المبهر فتألمت أعيننا التي اعتادت الظلام ، سَاد الهَرج المُزعج لآذاننا التي اعتادت صفير الصريخ، وانفتح الباب ثم دَلَف رجلين لا تَبدوا ملامحهم أنهم من السَادة الشياطين “المُعاونين”. أحَدهم جلب للغُرفة بقايا عطر رجَالي فواح..ثم مسحا الغُرفة بأعينهما مُتأملين أجسادنا المُهشمة.إنصرف أحدهم بِصُحبة المَوكب الصَغير..ثم بَقَى (المُعَطر) الذي سَحَب بِيَد واحدة، المِقعد الوحيد في الغُرفة..وجَلَس قُبالتنا في تأنٍ كَشيخ صُوفي على وشك بدء حَلقة عِلم..لبث صامتاً يتأمل جُروحنا، وقُطوعنا، وعَوَراتنا..ثم تَغّيرت مَلامحه الجَامدة قليلاً عندما لَمح الفَتاة المذعورة تَنْتحب وقد غَطت جَسدها مَلابسنا..فَنَهض غاصباً وهو يُلقي بالمقعد على الأرض في غَضب ..وصرخ على “أحدهم” ..وسُرعان ما دَلَف شَيطان أعرفه مَزّق شفتي مراراً، وعَصَر صدر الفتاة مراراً.

– مش قلت تفضل باللباس والسوتيان؟

قالها (المُعَطر) غاضبا فَجَز الشيطان على أسنانه وهو يتَوجه نحوها غاضباً وهمهم:

– يا ولاد الشرموطة ! ..

ثُم ذَهَب ونَزع السِروَال الجينز النصف مَحشور حَول ساقي الَفتاة وهي تبكي وتَرفُص بقدميَها في ذُعر..ثمُ التَقَط قَميصي المُمزق من على صَدرها ..ثم نظر للقميص وقَد أدرك أنني صاحبه، فهم نحوي بغّل، فأمسك (المُعَطر) به وقال في قَرف:

– اهمد يا بني…قُلت كفاية تلات أيام..اتَفضل غُور سيبني معاهم

فامتثَل الشَيطان لسَيّده، وذَهب وهو يَبصق بصقة فَخِيمة التصقت بِذرَاعي الدامي..جَذب (المُعَطر) المقعد ثانية ثم جلس ممتطياً إياه كحصان:

– شُوفو بقى..انتوا مش هَترَوّحو من هنا إلا لَمّا اللي أنا عَايزه يحصل..فَبلاش شَرمطة..أيه يا ولاد المَرَة القحبة! مَتعبتوش؟ ..وانتي يا لَبوة؟؟ بتتْْغطي ليه؟ مَكسوفة؟ مش عَاملة لي فَيها ناشطة و مُتحررة؟ .. زعلانة ليه لَمّا الكِلاب تتفرج على فخَادك وصدرك؟..

هَز رأسه في مَلل، وأخرج سيجارة من علبة مستوردة وأشْعَلها في عُجالة، وأكمل موجهاً الكلام لي:

– وأنت يا خَول يابن الشَرموطة…مش قلت لك إخلص؟؟ فَاكرني هَتعب؟ وحياة بتاع أمك ماهَتْعب..

نَظْرت نَحوه في تحدٍ وكَأن الألم لَم يَعد يَعنيني، بَينما الُرعب من وَقْعه يَجعلني أُوشك على التَبَول لا إرادياً..استَجمعت صَوتي المشروخ وقلت بضعف:

– يافَندم..أ..أنا قُلت لسيادتك أنا مش فاهم طَلَبك..و..مِش عارف أنَفذه..مِش مش عارف..مش قا..

اختنق صَوتي بَموجة دمع مفاجئ فَشَهقت باكياً .. فَقلّص مَلامحه في تَعَاطف ساخر وقال متهكماً:

– يا لوح مامااا..بُص ياله !! أنا قلت لكوا أنتم الخمسة بِما فيكو الشرموطة دي..أنا عايز..دِمَاغكم..وصُوتكم….تِسيبوا دِمَاغكم عالأرض، وصُوتكم على الكرسي ده..فيييين بقى ؟!!

عَلَت ضِحكة خَفيضة من أحد الأشْباح الُممزقة أوصاله في آخر الغُرفة ..ثم استَطالت الضِحكة، وعَلَت بجنون…ضِحكة قاسية… ضِحكة خُيّل إلىّ أنَها صَفَعت (المُعَطر) صَفْعة عاتية.. فَهّب واقفاً بِجنون والغَضْب يأكل وَجهه المُربع القاسي..قَفَز نحو الضَاحك بخُطوتين ليُكَيل له الرَكَلات القَاسية..والرَاقد لا يَزَال يَضحك كَمْن تَنشّق أكسيد النيتروز..ولكن الرَكَلات كانت أعْتَى..وكَانت تَحْبس الضَحَكات في حَلقه فَيَغص..ولمّا كَادت أن تَخفت..عَلَت أخرى من حَلق آخر..وتَبَعتهم الفتاة العَارية ضاحكة في شماتة ضحكة “مسرسعة” عالية، وهي تَتحسّس بطرف وهمي قُطوع ذِرَاعيها وشَفَتيها في ألم..إلتَفَت نَحوها (المُعَطر) وقَد إستَحال لِقْرد “بابون” لُسِعَت مُؤخرته..وقَبل أن يتهيأ لصفعها..هَاجَمتني نَوبة الضحك أنا أيضاً ..وكأن ألف ريشة قَد مَسّت بَاطن قَدَماي..طَفَقت ضَحَكاتي تَعلو في جَذل كالمساطيل..وَقَف (المُعَطر) يَنظر لنا في حِقد وهو يَصرخ بِغَضب بما لَم أسمَعه من فَرط الضَحِك من حَولي..واستَحَالت الغُرفة إلى مَسرح عَبثي..استَحَالت لعَاصفة من الضَحَكات والغَمَزات السَاخرة..سِياط خَفية تَنزِل على (المُعَطر) تَجْلده..الجُنون في ضَحكاتنا عَلاَ، وحَاصَره كفأر مذعور..فَهَبّ يِركض نِحو بِاب الزنزانة هارباً..ولكنه ارتّد للخَلف سَاقطاً على ظَهره، والذهول يملأ عَينيه كأن يد خَفية عِملاقة قد أمسَكَت به وهو في طَريقه للهَرب..تَلّفت حَوله مَذعور كَفَتاة لَمَس مُتحرش صَدرها في الزحام..الضَحَكات في الزنزانة تَلاحَمَت..وامتَزَجت كمُوسيقى الخَلفية في سيمفُونية إبليسية..(المُعَطر) يَنظر لوجُوهنا الضَاحكة في بلاهة..اسَتَحالت لذُعر..هَب ينهض ثاَنية كَي يفر..وتِلك المَرة انْضَمّ جَسَده على بَعضه كَأنه دُمية بلاستيكية في يَد طِفل مُشَاغب..إنثَنَت سَاقيه بِعُنف وإحتَقَن وجهه..خَرَج لِسَانه في شَهيق اختناق..أتَتْه بَصْقة عَامِرة من الفَتَاة العَارية أغْشَت عَينه اليُسرى فَصَرخ… صَرَخ حَتى فَاقَت صَرَخاته هَزيم ضَحكاتنا الرَعدية….ثم ستار يرتخي… ثم لاشيئ.

——

فَجر أغبَر يَسطع

——-

وقَف الرجَال السَبعة بمَلابسهم الرسْمية يتأملون الأجسَاد المَيتة في قَلق وهم يَتَهامسون ويتشَاوروُن..أومأ أحد الرجَال ذوي الرُتب العَالية لشَيطان من الخَدَم واقَف غير بعيد في خُضوع وَسأله شيئ ما فهزّ رأسه وأشَار لعَينيه واحدة تِلو الأخرى..التفت ذو الرتبة لرتبة أخرى وقال في هَمس مَسموع:

-مش عَايزين نِفهم إزاي حَصَل ..خَلاص !! تِطلع له جنازة رسمية..أزمة قَلبية في المَكتَب وخَلاص..مش عايزين شوشرة..

أشَار الثاني للجثث المُمزقة حَولهم في استفَهام ، فرّد الأول في امتعاض:

– في أي خَرّارة..هُما مَجوش أصلا!..والله يِرحمه حَتى مَقَالش لزمَايله همّا جُم في أيه؟ ولاّ كانوا عَايزين مِنهم أيه..المِعاون بيقُول أنه كَان بيُطلب منهم “دماغهم، وصوتهم”!

قَاطَعه الثاني في دهشة:

– يَعني مِش فاهم..إعتراف؟ تَمويل؟ إنتماء لجماعة ؟

– ولا حَد عَارف..كُلهم كُتّاب ومُحررين في جرايد نُص لِبّه، ومُدَونين من بتوع الإنترنت..

أشاح بكَفيه في مَلل وهو يَخرج من المكان مُستأذناً الآخر وضيق غَريب يملأ جنباته ومَلامَحه ..خُيّل إليه أنه سََمع ضِحكة خَفيضة ساخرة تَتردد خَلف أذُنه..التَفَت للخَلف بِشَكل عَابر..فَلم يَجِد سوى المَعْمعة، والكُل مُنهمك في العمل.

(Visited 857 times, 1 visits today)
عن الكاتب
جمال النشار
كاتب ومؤلف مصري ..حاصل علي بكالوريوس في السياحة ودبلومة الادب الأنجليزي صدرت له اعمال ورقية قصصية ما بين الرواية والقصة القصيرة وشارك بعدة مقالات حرة و إبداعية بعدد من الجرائد الأليكترونية , حاصل على جائزة القصة القصيرة من المجلس الأعلي للجامعات عام 2004\2005
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق