الآن تقرأ
سلمى.. الحلقة الثالثة

عدت للمنزل في حوالي العاشرة مساء، توقعت أن أجد هبة نائمة ولكنها كانت عاكفة على الصلاة في حجرة نومنا.. خلعت ملابسي بسرعة وانزلقت أسفل البطانية.. كانت السعادة تغمرني فهذه المرة شعرت أن سلمى صارت أقرب لي.

في بداية لقاءنا كانت لا تزال على حالة التوتر التي انتابتها في مقابلتنا الأخيرة.. ولكنني استدرجتها في أحاديث عارضة حول عملي ودراستها .. ثم دعوتها لندوة شعرية في مركز ثقافي كنت أتردد عليه .. أدخلها الشعر في حالة من الاسترخاء .. تشابك كفانا ومالت بكتفها على كتفي فشعرت أن كلانا يمتزج في موسيقى الكلمات المتدفقة من منصة الشعر.

ولكنها عادت للغتها القلقة أول ما خرجنا من الباب: “أحمد لا أستطيع.. لقد فكرت كثيرا.. صدقني هذه العلاقة فوق احتمالي”.

قبلت يدها ونظرت لها بتضرع فأكملت وقد اعترتها رجفة من برودة الجو:” لا أريد أن أخذ رجل من زوجته .. ثم انظر لكل التناقضات القائمة بيننا .. قل لي على مرة تناقشنا فيها ولم نختلف”.

كانت رياح المساء تطوح شعرها يمينا ويسارا وقالت وكأنها توجه سؤالها الحائر لذاتها:” كيف انجرفت في هذه العلاقة !”.

-” وكيف ضعفت في نهاية المطاف؟ وارتحت في عينيك من عبئي.. وكل شيء حولنا يملي علينا أن نخاف؟”.

رأيت عيناها تحدق في وتلمع ببريق إعجاب أعرفه جيدا، ثم قالت بصوت مرح:” لو كان هذا من شعرك سأعلن فورا أني وقعت في غرامك ”

– ” ياريت .. هذا لأمل دنقل”.

سكت صوت تسابيح هبة فجأة .. كانت منكمشة داخل عبائتها الفضاضة بساقين منثنيين فوق السجادة وظهر مائل للحائط .. بدت وكأنها ظل لقطعة من أثاث الغرفة .. قالت لي بصوت منهك “محتاجة اتكلم معاك ”

-” يوم تاني ياهبة أرجوكي .. انهاردة اشتغلت كتير وتعبان”

-” رأيتك تقع في الكثير من الخطايا .. ولكن لم أعتاد منك الكذب”

اعتدلت في جلستي على السرير لكي أسمعها، بعد أن شعرت بحرج بالغ فأكملت:” هل تتذكر عامنا الأول .. عندما كنت تصلي معي.. ثم تنام على ساقي مثل طفل”،تبدل صوتها المرهق بآخر به شيء من البهجة وعيناها كانتا تلمعان ببريق الذكريات:” تذكرتك اليوم وأنا أسقي نبتة الياسمين التي جلبناها أول ما جئنا إلى هذا البيت.. كلما قبلتني تسقط زهرة الياسمين المشبوكة في شعري .. وننحني لنبحث عنها ونحن أشبه بالسكارى من نشوى الحب.. كيف ساعد مرور الزمن هذا النبتة أن تنمو وتتفرع، بينما ما كان بيننا يموت مع الوقت .. هل تذكر أول سنة يا أحمد؟”
“- لم أعد قادر على الصلاة بسبب شيخك .. كلما هممت إليها تذكرته وهو يصرخ في التلفزيون قائلا أخشع أنت عبد وابن عبد ”
-“تريد أن تكون إله إذن !”

-” لا أريد أن أكون عبد لرجل جاهل يرى الشعر لغو وفعل شيطاني ”

“-الشعراء يتبعهم الغاوون”
استفزني بشدة تمسكها بتفسيرات شيخها المعادية للشعر فغطيت رأسي بالبطانية ونمت.

………………………………….

أول ما دخلنا مقهى ريش لمحت سلمى في مؤخرة المقهى رجل أصلع يرتدي بالطو بني اللون .. كان يعطي ظهره لنا وهو جالس على مائدة في منتصف المقهى.. بعد لحظات قالت” دا عمو حسن” ثم أكلمت وهي تنظر لي ” حسن أبو العلا الروائي المشهور أكيد قرأت له” .
سمع الرجل اسمه فالتفت للصوت وابتسم لسلمى .. تبينت ملامحه المألوفة لي ونحن نقترب،وجهه الممتليء في لون أبيض مشرب بالحمرة وفمه البارز في قلب رأس أصلع .. قام مرحبا بها فكشف عن الجالس أمامه، كان رجل أسمر نحيل طاعن في السن ببطالو أسود وبيريه كبير يبتلع معظم رأسه .. قالت سلمى في نشوى ” وبابا كمان هنا !” ثم جذبتني من معصمي للمائدة .

تبادلوا سلاما حميميا ثم قدمتني لهما بصفتي الرجل الذي تحبه .. شجعتني جرأتها فجلست أمام أبيها أتحدث بمنتهى الصراحة.. لم أخف زواجي بأخرى وقلت إنني لم أستعد بعد لمصارحتها بأني سأطلقها .. كنت متوترا وأنا أحكي عن قصتي أمام الأب لأول مرة، وشردت لبعض اللحظات في تشابه ملامحه السمراء مع سلمى خاصة عندما خلع البيريه فكشف عن شعره الأكرد الهائش الذي يغلب عليه اللون الأبيض.
قاطعني الأب بطريقة مفاجئة وقال:” أسمع .. أنت لا تعجبني .. حياؤك هذا يذكرني بالإسلاميين .. لابد أنك واحد منهم وقد اندسست وسطنا” .. ثم أكمل وهو ينظر لصديقه الروائي”اللعنة على الوهابيين .. سرقوا أحلامنا في الاستقلال الوطني والآن يريدون أن يسرقوا مني ابنتي ” وضرب بقبضته على المائدة.
قالت له سلمى بحدة ” بابا .. لا تحكم على الناس بالمظاهر ” واشتبكا في جدال عنيف .. ضغطت على معصمها في حنو وانسحبت خجلا.

حيائي ! .. ذكرني هذا الانطباع بما يكرره عصام عني دائما ” كل مرة أقول دا راجل في حاله لا بيصد ولا بيرد وبعدين اكتشف أن تحت الساهي دواهي”.. لماذا يرونني دائما بهذه الصورة ! ألأنني أدمنت الهروب لعالم الخيال؟
على باب المقهى لحق بي حسن أبو العلا  :”أستاذ أحمد .. أنا سعيد لأني تعرفت على شخص بجرأتك”.

سرنا متجاورين على أرصفة وسط البلد المزدحمة : ” أنت تشبه الشخصيات التي نقرأ عنها في الروايات .. أو بالأحرى نكتب عنها في الروايات ” كانت له نبرة ساخرة تلازم حديثه ولكنها سخرية من ذاته وليس من الآخرين .
– “أنا قرأت لحضرتك أكثر من رواية .. كاتب كبير مثلك لابد وأنه عاش تجارب كثيرة وحياتي بالنسبة له حياة عادية ”

-” صدقني يا أحمد .. كل مساء أعترف في هذا المقهى بأني لا أحب زوجتي وإن كنت أحترمها بشدة” كانت له طريقة خاصة في التشويح بيده أثناء الحديث وسيجار رفيع بين أصابعه ” أكثر مرة شعرت فيها بالحب ولكن القصة لم تكتمل أبدا”.

-” ومن أين جئت بالتجارب التي تحكي عنها في رواياتك “.

– ” خيالي يا أحمد .. أو مما أسمعه في المقهى” أشعل السيجار مجددا “أنا أكلمك بهذه الصراحة لأني مندهش لصدقك مع أبو سلمى .. بالمناسبة لا تنزعج مما قاله .. هذه طريقته في التعارف .. يريدك أن تشتبك معه مثلما فعلت ابنته . الأفضل ان تتعرف على الأستاذة كاميليا والدة سلمى.. أعقل منه بكثير”، أشرت لمدخل نفق المترو وقلت إنني مضطر للنزول فسلم علي بحرارة وهو منساق في حديثه ” وأجمل من سلمى بكثير … أو بالأحرى كانت أجمل .. لولا ما فعله الزمن”.

………………………………………………

أعدت هبة مائدة غذاء من أصناف متنوعة لعصام وزوجته عايدة، وكنا نعتاد زيارتهما مرة كل بضعة أشهر، كان الصمت يخيم علىنا باستثناء عصام الذي انطلق في حديثه عن السياسة:” ..وشفت اللي حصل في انتخابات البرلمان .. الشعب المصري دا عجيب .. بمجرد أن رفعت الحكومة يدها عن الصناديق في المرحلة الأولى وسمحت بالإشراف القضائي ذهبت أصوات الناس للإخوان.. أنا مقدر حالة الكبت طوال السنوات الماضية فقد كان الخيار الوحيد أمامنا هو الحزب الوطني، ولكن هل نُقبل على أول بديل مطروح أمامنا حتى لو كان الجحيم!”.

سألته هبة وقد سيطرت على ملامحها حالة من الاستياء:” عفوا ولكن لماذا تعتبر أن الاخوان جحيم ؟”

-” ياست هبة ليس كل من يطيل لحيته يقول الصدق”،

تدخلت عايدة في الحوار: و”هل أعطيناهم الفرصة حتى نعرف إن كانوا صادقين أم لا ” وبدا الانفعال على وجه عايدة المستدير الملفوف بالحجاب.

التفت عصام لهبة :” عايدة مثلك تصدق أي رجل بلحية .. يا ناس هذه الجماعة ستعيدنا للجاهلية، ألم تقرأوا مقال عادل حمودة الأخير ” ،

قاطعته هبة:”لا لحية ولا غيره .. ربنا يولي الأصلح “.

بدا عصام محرجا من لهجة هبة الممتعضة في الحديث:”أنا أسف يا ست هبة لم أقصد أن أصدع رأسك بالسياسة ”

“- بالعكس هذه أول مرة من فترة طويلة أشعر بالونس على مائدة الغذاء”

ربت عصام على كتفي وقال بلهجة مرحة:”البركة في أحمد .. أم أنك تطعمينه سد الحنك”.

“-أحمد يتأخر عن موعد الغذاء في كثير من الأيام ”

“-غريبة .. دا أول واحد يمضي انصراف كل يوم .. بتعط فين بعد الشغل “.

عاد الصمت للمائدة وشعر عصام بالحرج من دعابته الأخيرة .. قالت هبة بعد لحظات ثقيلة من الصمت:” بيروح السينما”.

………………………………………

وقف عصام يدخن  في الشرفة بينما جلست مسترخيا أمامه على مقعد من البامبو حتى لا يكون وحيدا .. سألني:” لماذا تترك هبة وحيدة هكذا؟ أين تذهب بعد العمل ”

“- كما قالت السينما وأحيانا كافيهات أو ندوات شعر ”

“- أعرف أن هبة تؤمن بحرمانية السينما ولكن يمكن أن تأخذها معك للكافيه أو الندوة الأدبية”

“- ليس ممكننا لأني لا أكون وحيدا .. أنا أخرج مع سلمى ”

” -طالبة الفنون الجميلة التي حدثتني عنها ! يعني بتعط فعلا ”

-“عصام أنا أعتبرك أخ كبير ولا أحب أن أسمع منك هذا الوصف لقصة حب أعيشها هذه الأيام”

-” حب ! لهذه الدرجة .. لا أنكر أنها فتاة جميلة، لقد لمحتكما أكثر من مرة تتمشيان في الحرم الجامعي .. ولكن لم أتصور أن يتطور الأمر للحب .. يا أخي أنت كنت على الصراط المستقيم خمس سنوات .. اكتشفت الحب الآن ؟”

“- ربما لأني لم أجد البديل.. كنت أتصور أن شخصية مثل سلمى لا توجد إلا في عالم الشعر .. واكتشفت أنها حقيقة وأمر واقع ”

نفخ عصام الدخان في عصبية:” أشعر أن أمامي رجل يهدم بيته بيده .. يلقي بنفسه في الجحيم .. يا أخي بنت صغيرة تتنطنط في المظاهرات وتتعلق بأي رجل يقول لها كلمة حب .. هذه ليست مواصفات زوجة .. ستهدم بيتك بيدك ولن تتزوج سلمى كما تتخيل، لن يتبقى لك إلا الوحدة”.

……………………………………………………….

سألتني والدة سلمى بابتسامة رائقة ” ابنتي قالت أنك تكتب الشعر .. ممكن نسمع حاجة؟ ”

استرحت لأناقتها الأرستقراطية الطابع وتباسطها في التعامل معي، كنا نجلس ثلاثتنا ، أنا وهي وسلمى، في صالة بيتهم في جاردن سيتي، وقد اختارت الأم أن يدور حديثنا الصباحي في ركنها المفضل حيث تتمتع بدفء شمس النافذة وتكون في جوار المكتبة الضخمة المعلقة على الحائط .

لم تأتيني الشجاعة، كالعادة، لقراءة شيئا من أشعاري فقلت :” لست أعد من الشعراء .. أنا لا أرسم هذا العالم بل أحياه .. أنا لا أنظم إلا حين أكاد أشل .. ما لم أوجز نفسي في الكلمات”.

“- هذا من شعر نجيب سرور.. لقد عرفته في شبابي .. أتمنى أن تكون الحياة أكثر حنوا عليك، ولا تقاسي مثله في المعتقلات ”

تدخلت سلمى بلهجة مكايدة لي:” اطمئني يا ماما أحمد لا يهتم بالسياسة .. الغريب أنك تهتم بشعراء السبعينات بالرغم من أن معظم أشعارهم كانت في نقد الديكتاتورية!”

“- ربما لأني أؤمن بما قاله أمل دنقل عن أن كل قيصر يخلفه قيصر جديد ”

تصاعدت نبرة النقد كالمعتاد في حديث سلمى:” وهكذا فقدت الأمل وقررت أن تتجاهل التظاهرات”

ولكن الأم كانت لاتزال تحافظ على هدوئها:” أنا مثلك يا بني لا أتحمس للاعتماد على التظاهرات وحدها، ولكن هناك طرق أخرى”

وجهت سلمى نظراتها الساخرة للأم:” تريدين إقناعه بالانضمام للحزب ياماما ”

-” وماله الحزب !”

-” مالوش .. تجتمعون في وسط البلد وتتناقشون في الماركسية ثم يُعين زعيم الحزب في البرلمان ويُصوره التلفزيون وهو يصفق للرئيس في الجلسة الافتتاحية .. أنتم جزءا من السلطة”

“- قلت لك مئة مرة هذا تكتيك .. نريد أن يكون لليسار صوتا في مؤسسات الدولة ”

سألتني سلمى :” إيه رأيك في الكلام دا ”

“- أنا أميل لرأي الأستاذة كاميليا .. التفاهم مع السلطة أحسن من التظاهر الذي لن يوصلنا لأي نتيجة ”

نهضت بحركة عصبية وقالت بصوت ممتليء بالغضب:” أروح أعملكم قهوة أحسن ”

لم تأخذ سلمى من ملامح أمها سوى عينيها العسليتين ، أما هذا الوجه الأبيض المستطيل والخصلات  البيضاء الناعمة المنسدلة بانسيبابية على الجبين كانت أقرب للملامح الأوروبية، تذكرت وأنا أستمع لها أن سلمى حكت لي عن الأصول التركية لوالدتها :” بالرغم من أن قصة حبك لسلمى غريبة ولكني أؤمن أن أي شيء مقبول في الحب .. أنا شخصيا قاطعت أهلي للزواج من أبيها، جاء من قلب النوبة لكي ينشر أشعاره في صحف العاصمة.. أجمل ما كتبه كانت أشعاره غير المنشورة، كانوا يتربصون له بسبب نشاطه السياسي “، شردت للحظات ثم عادت للحديث  وهي ترفع خصلاتها المنسدلة ” سامحني الذكريات تتداعى ، كنا نتحدث عن قصتك مع سلمى ، عرفت منها أن حياتك مستقرة مع زوجتك منذ خمس سنوات .. مالذي دفعك لترك كل ماضيك والتعلق بابنتي ؟”

“- ربما لأنني مثل الفراشات تسعى إلى النور وفيه الفناء ”

” هذه من أشعارك؟ ”

” لا هذا عمر الخيام “.

(Visited 324 times, 1 visits today)
عن الكاتب
محمد جاد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق