الآن تقرأ
ولا أي إندهاشة

 

كنت أتابع بقليل من الاهتمام (تزايد مع الوقت وتصاعد الأحداث) قضية أحمد ناجي منذ بداية الإتهام، فالادعاء، فالبراءة، فنقض النيابة، فالحكم بالحبس، فانطلاق حملة شرسة من قبل الوسط الثقافي للتضامن مع الكاتب ورفض ما حدث ويحدث من قمع وقهر (شعبي قبل أن يكون سلطوي) للإبداع والفكر وحرية الرأي.

ومن أكثر الأفكار الواردة في مقالات ومقولات التضامن هو الاستغراب والاستنكار من ذلك الحياء والذي يُخدش من بعض الألفاظ الجنسية ولا يخدش من القتل والاعتقال والاغتصاب والتعذيب وماشابه من ألوان الفساد والإفساد الذي يحدث على مرأى ومسمع من الجميع مع مباركة المباركين واعتراض المعترضين والمعارضين.

السؤال هنا لكل المتضامنين والمنزعجين والمندهشين: لماذا كل هذا الاندهاش والانزعاج؟ شخصياً أرى الأمر طبيعي جدا ومنطقي جدا. فمن يرضى ويبارك القائمة السابقة من الشرور (أو على الأقل يقف على الحياد الفكري ولا يدينها بشكل صريح بينه وبين نفسه على أقل تقدير) لن يقبل بأي تهديد لمنظومته القيمية التي كونها (أو تم تكوينها له)، وسيحارب بكل ما يملك من قوة للحفاظ على هذا الهجين المشوه الذي تكون عبر أكثر من ستة عقود من الزمن.

رواية “استخدام الحياة” مع ما يحمله العنوان من تحريض ضمني ضد المنظومة القيمية السائدة، تحمل (عبر ما قرأته منها حتى الآن) صرخة غضب في وجه الضعف الإنساني والعجز الذي يعتري كل ما يحيط بنا من حي وجماد. وطبقا لواقع وعرف الشارع المصري فإن أول علامات التعبير عن الغضب يأتي في صورة سباب جنسي ثم يتصاعد على هيئة سباب ديني. وهذا ما فعله أحمد ناجي بكل بساطة فقد عبر عن غضبه منهم ومنا ومن نفسه عبر منتج إبداعي يحمل فكرة فلسفية في ثوب من الفنتازيا مطرز بعلامات الغضب الأولى.

وهذه ليست المشكلة في حقيقة الأمر. المشكلة تكمن أنه جاهر بهذا الغضب والسباب والعقوق في حظيرة المنظومة الأبوية المقدسة والمتمثلة في جريدة رسمية للدولة حارسة القيم الأبوية والإلهية. فكان هو الابن العاق الذي أطلق سباباً نابياً وتحدث بكلام فاحش أمام كبار العائلة وفي حضرتهم. تحدث كما يتحدث مع أصدقائه على المقهى. وكما يتحدث الأب (الرمزي) مع رفقائه في العمل أو على المقهى أيضاً. وكما تتحدث الأم (الرمزية) مع باقي الأمهات عبر الهاتف أو في جلسات الصالونات الحريمية المغلقة.

أطلق ناجي غضبته وسبابه عبر القنوات الرسمية التي لا يستعمل فيها سوي الكلام ذو القوالب المحفوظة والتعبيرات الفارغة من المعنى، تلك التي تعطي إحساساً بالتوازن والقيمة لجيل يتشبث بكل ما فقد من الحياة، وتعطي شعوراً بالاختناق ولزوجة الهواء لجيل يبحث عن مكان في هذه الحياة التي يفقدها أمام عينيه كل يوم.

أذكر ذلك اليوم الذي استيقظت فيه على وجود أبي في وسط غرفتي يعبث في رف الكتب المعلق على الحائط ويتمم بكلمات فيما معناه: “ايه القرف اللي انت جايبه دا؟”. أكملتُ نومي بعض الوقت، واستقيظت وذهبت لأشاركهم الإفطار على غير العادة. لأجد محاكمة مصغرة على مائدة الإفطار حول عنوان للرواية التي إختارها أبي من بين باقي الكتب على ذلك الرف.

عنوان مثير للريبة (من وجهة نظره) أضاف إليها المزيد من الريبة استخدام المؤلف بعض أسماء داخل الرواية لأمهات المؤمنين (أسماء فقط ولا أعلم المزيد فلم اقرأ الرواية بعد). هذه الريبة أدت إلي تلك المحاكمة المصغرة والتي نتج عنها المزيد من التشكيك في عقيدتي الدينية مغلفا بالخوف الأبوي الحنون علي من الإلحاد والهلاك في غياهب ظلمات الفكر الإلحادي والشيوعي والغربي والرأسمالي المعادي للدين والوطن، والذي يعتبر من أهم أسباب فساد الحياة في هذا البلد العظيم. قبل قراءتي لتلك الرواية أعلم أنها لن تكون بذلك الشر أو الكفر الذي يتوقعونه منها. ولن تكون بذلك التفرد والتمرد والذي يوحي به عنوانها المثير للريبة.

هذه القصة نموذج على منظومتنا القيمية المعتمدة، والتي تحتاج إلي صفحات وصفحات لشرحها وفك شفرات تشابكها وتعقيدها وتناقضها فيما بينها. هذه المنظومة التي تعتمد على القولبة والخوف والتخويف، ليكون الضعف والعجز (الفكري والجنسي معا) هو الناتج الفعلي لهذه القيمة الجميلة الصافية الغراء، التي تُشنًّف بها آذاننا طوال الوقت. إلا، فبماذا نفسر كل تلك الإعلانات الرديئة عن المنشطات الجنسية الرديئة في تلك القنوات الرديئة التي تعرض إعلانات تساوي ثلاثة أضاعف ما تعرض من محتوى.

لنعود إلي قضية أحمد ناجي. فأعلن أني لم أندهش “ولا أي إندهاشة” من تطور الأمر والصراع إلي حكم بالحبس على أديب لما كتبت يداه. الاندهاشة كانت من اندهاش المندهشين وانزعاج المنزعجين. والتي يكمن مصدرها في أنهم ظنوا أنهم طالما لا يقولونها صريحة مدوية في وجه الظلم، ولا يرفضون المنظومة القيمية المهترئة بشكل مباشر، ويعتمدون على الإبداع والرمزية والإشارة في التعبير عن خواطرهم الإصلاحية أو التغيرية أو الثورية أو المعارضة، فهم بمنأى عن العقاب. قد يكونون كذلك بالفعل في بعض الأوقات أو الأماكن أو الحالات. لكن ماذا عن السلطة الشعبية؟ ماذا عن رجل الشارع العادي الذي يسعى الجميع إلي استرضائه واستعباده في الوقت ذاته طوال الوقت. هو الفاعل الحقيقي والمحرك الرئيسي للمشهد عند احتدام الصراع. فبقرار منه بالانحياز إلي طرف من الأطراف يحسم الصراع. هو الآن منحاز لذاته ولمنظومته القيمية والحفاظ عليها. والسلطة منحازة له في هذه النقطة أكثر من أي نقطة أخرى وأكثر من أي وقت مضى. وتبقى الكتلة الحرجة الفاعلة والصانعة لقفزات التغيير والتطور الطبيعي للحياة ممزقة في صراعات داخلية وإحباطات وهزائم نفسية ومعنوية وفعلية غير قادرة على مواجهة هذا التحالف والانحياز المهلك لكافة الأطراف.

وبناء على ماسبق فالمشكلة لا تكمن في حبس ناجي لرواية خدشت حياء غير موجود من الأصل. المشكلة هي كيفية إدراك الوضع على حقيقته ومعرف كل طرف من أطراف الصراع موضعه وقدارته وحدود حركته التي تسمح بها امكانيته في صراع البقاء والنجاة على هذه الأرض.

أدعو الجميع إلي عدم الاندهاش والوقوف على حقيقة الأمور، والنظر بطريقة موضوعية للوضع الحالي. قد يكون الغضب مفيداً. التضامن بالطبع مطلوب. لكن التضامن الفعلي وليس الشفهي الذي لا أجد له جدوى سوى الإبقاء على القليل من احترام الذات والقناعات الشخصية.

عن الكاتب
أحمد حلمي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق