الآن تقرأ
تداعيات السدود الإثيوبية على الأمن المائي المصري

د/ إســـلام جـمــال الـديــن شـــوقـي

       إنه من المفترض أن تتصدر قضية ” الأمن المائي ” أجندة الاهتمام الوطني ، حيث تشير الدراسات والتقديرات لكميات المياه المتاحة ، والاحتياجات المائية للأغراض المختلفة ، إلى تنامي الفجوة بين العرض والطلب على المياه ، فضلاً عن ظهور مؤشرات تنبئ عن صراع على المياه بين دول حوض النيل ، تغذيه سياسات قوى خارجية لها مصالحها في تأجيج التوترات في حوض النيل ، بالإضافة إلى تأثير التغيرات المناخية في مياه نهر النيل ، مما يوضح خطورة الموقف المائي في مصر .

ويشير إلى أن مصر تشرف حاليًا على مرحلة مصيرية ، عند اتساع الفجوة بين المتطلبات المتزايدة والإمكانيات المتاحة للمياه مع الزمن ، لاسيما بعد أن بدأت تظهر كثير من مهددات الأمن المائي في مصر ، والتي تتمثل في تداعيات السدود الإثيوبية ، وسنتناولها بإيجاز فيما يلي:

 وهنا سنتحدث على تداعيات السدود الإثيوبية من ثلاثة جوانب ، وهي :

  • الدراسات المصرية لتداعيات السدود الإثيوبية .
  • الدراسات الدولية لتداعيات السدود الإثيوبية .
  • أثر انشاء السدود التي تقيمها إثيوبيا على نهر النيل .
  • الدراسات المصرية لتداعيات السدود الإثيوبية :

      تتمثل التأثيرات السلبية للسدود الإثيوبية على مصر في جانبين رئيسيين هما السعة التخزينية للسد ، وفي كميات المياه التي يتم تحويلها للزراعات المروية ، السعة التخزينية للسد ستكون خصمًا من مخزون المياه أمام السد العالي الذي يستخدم لسد العجز المائي لإيراد النهر في السنوات منخفضة الإيراد ، وبالتالي سيظهر بعد إنشاء هذا السد بعض مظاهر الجفاف والعجز المائي في سنوات انخفاض إيراد النهر مشابهة للوضع قبل بناء السد العالي والمياه التي سوف تستخدم للري في إثيوبيا ستكون خصمًا مباشرًا من الإيراد السنوي للنهر إلى مصر

وهناك عوامل ثانوية تأثيرها محدود نسبيًا مثل عدد سنوات ملء السدود ، وتأثيره فقط أثناء فترة الملء ، وعامل ثانوي أخر هو السياسة التشغيلية للسدود لمحاولة تقليل الأضرار على مصر ، ولكن من الصعب الاعتماد على سياسات تشغيلية لسدود على أراضي إثيوبية ، وتسليم رقبة مصر لإثيوبيا والقوى الدولية المساندة لها .

فهنا على سبيل المثال وليس الحصر كنموذج للسدود هناك 4 سدود حديثة تم البدء في بناءههم ، وهي ( مابيل ، بيكو أبو ، مندايا ، كارادوبي ) حسب نتائج الدراسات المصرية سوف تتسبب في حدوث عجز مائي في حصة مصر بمتوسط سنوي مقداره 18 مليار متر مكعب سنويًا يتم اقتسامها مناصفة مع السودان حسب اتفاقية 1959 ، وسوف تقل الكهرباء المولدة من السد العالي وخزان أسوان بحوالي 25 – 30 % ، وسد النهضة وحده سيتسبب في عجز مائي مقداره 9 مليار متر مكعب في السنة ، وفي تخفيض كهرباء السد العالي وخزان أسوان في حدود 20– 25 % سنويًا.

كما أكدت الدراسات على الآثار السلبية الوخيمة للسدود الإثيوبية ، والوضع المائي لمصر صعب حيث تبلغ فيه الحصة المائية للفرد حوالي 625 متر مكعب سنويًا أي أقل من ثلثي حد الفقر المائي مما يؤدي إلى فجوة غذائية تبلغ 7 مليار دولار سنويًا كما أن النقص في إيراد النهر نتيجة لسد النهضة الإثيوبي سوف يؤدي إلى تبوير حوالي 2 مليون فدان من الأراضي الزراعية وعجز في مياه الشرب والصناعة نتيجة لانخفاض منسوب المياه في النيل والرياحات والترع ، وسوف تتأثر أيضًا الملاحة والسياحة النيلية نتيجة لانخفاض منسوب المياه في نهر النيل ، وسوف يقل إنتاج الطاقة الكهربائية المولدة من قناطر إسنا ونجع حمادي.

وسيؤدي نقص إيراد النهر إلى تدهور البيئة وازدياد معدلات التلوث وتهديد للثروة السمكية في البحيرات الشمالية بالإضافة إلى زيادة تداخل مياه البحر في الخزانات الجوفية الساحلية في شمال الدلتا ، ومن الآثار السلبية الإثيوبية أيضًا هو احتمال انهيارها أو انهيار واحد منها ، وما لذلك من آثار تدميرية على دولتي المصب وخاصة السودان وسديها الروصيرص و سنار على النيل الأزرق وغرق مدينة الخرطوم وعلى سلامة السد العالي وعلى منظومة الري المصرية .

والتحرك المصري على المستوى الدولي والاقليمي كان قد بدأ بالفعل منذ النصف الثاني من عام 2010 حيث رفضت مصر دراسات الجدوى لهذه السدود لعدم أخذ الآثار السلبية على دولتي المصب في الاعتبار ، وتم ارسال ملاحظات مصر على الآثار السلبية لها إلى سكرتارية مبادرة حوض النيل وإلى حوض النيل الشرقي وإلى البنك الدولي والسوق الأوروبية وإلى المكاتب الاستشارية التي تقوم بتصميم هذه السدود .

أما بالنسبة إلى التحرك الإثيوبي بعد وضع حجر أساس سد النهضة كان وما زال قويًا ، وحقق أهدافه من إشهار دولي للسد والبدء في إنشائه علاوة على قرب انتهاء أعمال البناء ، وتشجيع للاستثمار الزراعي الدولي في إثيوبيا واستنفار للشعب الإثيوبي وفرض الأمر الواقع على كل من مصر و السودان وبل محاولة استمالة السودان .

2 – الدراسات الدولية لتداعيات السدود الإثيوبية :

       هناك دراسة هامة أجراها الدكتور مارك جيولاند في دورية من جامعة ديوك الأمريكية وتم نشرها في شهر نوفمبر 2010 في دورية ” بحوث الموارد المائية الدولية عن الأثار السلبية على مصر من إنشاء أحد السدود الإثيوبية المخطط إنشائها على النيل الأزرق وهو سد مندايا والذي تبلغ سعته 50 مليار متر مكعب – أي حوالي ثلثي سد النهضة ، وقد انتهت هذه الدراسة إلى أن تأثير السد يتمثل في تقليل إنتاج الكهرباء من السد العالي وخزان أسوان بمقدار 20 %  وأنه سيتسبب في عجز مائي في إيراد النهر بمتوسط  سنوي مقداره 9 مليار متر مكعب .

ودراسة أخرى لكيفن ويلر الأمريكي الذي عرض نتائجها في ورشة عمل جامعات حوض النيل الشرقي التي انعقدت في إثيوبيا في سبتمبر 2012 ، وذلك عن آثار سد النهضة على مصر بفرض أن مياهه سوف تستخدم فقط لتوليد الطاقة ، وقد انتهت الدراسة إلى أن السد أثناء سنوات ملئه سيؤدي إلى حدوث نقصًا مائيًا كبيرًا في حصة مصر يزيد عن 30 مليار متر مكعب سنويًا ثم ينخفض العجز المائي إلى 202 مليار متر مكعب سنويًا بعد الانتهاء من ملء السد وأن السد سيتسبب في تخفيض كهرباء السد العالي وخزان أسوان في حدود 20 – 30 %.

وجدير بالذكر أن السد حسب الخطط الإثيوبية الرسمية المعلنة سيتم استغلاله في ري مساحات زراعية كبيرة ، ولذلك فإنه سيتسبب في عجزًا مائيًا أكبر عما هو مقدر في هذه الدراسة وهناك أيضًا دراسة هولندية أجراها فان دير كروجت وهينك اوجينك عن تداعيات سد النهضة  وتم عرض نتائجها في ورشة عمل جامعات حوض النيل الشرقي التي انعقدت في القاهرة في ديسمبر 2012 ، وأوضحت الدراسة أن السد سيتسبب في خفض إيراد النهر عند أسوان بحوالي 11 مليار متر مكعب سنويًا .

3أثر إنشاء السدود التي تقيمها إثيوبيا على نهر النيل والتي تؤثر على الأمن المائي المصري :

  • إن إنشاء السدود الإثيوبية سيؤدي إلى وجود خزانات تساعد على تنظيم سريان مياه النيل الأزرق على مدار السنة بدلًا من تدفقها الموسمي الحالي حتى وإن كانت سدود لتوليد الكهرباء.
  • إن بناء إثيوبيا للسدود وحجز 6 مليار متر مكعب من المياه سنويًا حتى الآن أدى إلى فقد 3 % سنويًا من الماء بالتبخر أو التسرب إلى خزانات المياه الجوفية وهي خزانات ضعيفة الامكانات.
  • إن إطلاق الماء بانتظام من إثيوبيا بعد تحكمها في المياه عن طريق السدود سوف ينهي ظاهرة الفيضان وتوقيتات وصول المياه إلى بحيرة السد العالي ويقلل من مخزون الماء في بحيرة ناصر بنسبة ما ستأخذه إثيوبيا.
  • إن إنشاء السدود على النيل الأزرق سيعطي إثيوبيا اليد العليا في التحكم في كمية المياه وتوقيت وصولها إلى مصر وهو ما تسعى إثيوبيا إليه منذ أكثر من قرن مضى.
  • خزانان على نهر السوباط والعطبرة يقعان على بعد 70 و 120 كم جنوب الحدود السودانية – الإثيوبية يمكن أن تخفض كمية المياه بنسبة كبيرة يجب تقديرها ( تم تنفيذ سد تاكيزي على نهر العطبرة بطاقة حجز حوالي 9 مليار م3 سنويًا ) .
  • إن إنشاء السدود الإثيوبية سوف تؤدي إلى تغيرات بيئية كما أنه سيؤثر على عمليات الاطماء في بحيرة السد العالي وإن كان سيزيد معدلات النحر في السودان.
  • زيادة فرص تعرض السدود للانهيار، نتيجة العوامل الجيولوجية ، وسرعة اندفاع مياه النيل الأزرق ، والتي تصل في بعض فترات العام ( شهر سبتمبر) إلى ما يزيد على نصف مليار متر مكعب يوميًا ، ومن ارتفاع يزيد على 2000 م ، وإذا حدث ذلك ، فإن الضرر الأكبر سوف يلحق بالقرى والمدن السودانية ، خاصة الخرطوم ، التي قد تجرفها المياه بطريقة تشبه التسونامي الياباني 2011 .

      وفي الختام فمن وجهة نظري بعد أن انتهيت من سرد وتوضيح كل شيء فإنه يتضح أن المنظومة التنموية المصرية التي تقوم على الماء كعنصر رئيسي وحاكم فيها تتعرض في هذه الأيام إلى تحديات لابد من مواجهاتها والبحث عن حل جذري لها قبل فوات الأوان ، لأنه من المتوقع أن تتحمل الزراعة فاتورة زيادة الاستهلاك في الأنشطة الأخرى ، وأنه سيتعين على الزراعة في الفترة المقبلة أن تطور من نظم الري الحقلي ،  سواء كان ذلك بالشكل التقليدي أي بنظام الغمر والأحواض والخطوط .

هذا وقد صلت مصر إلى مرحلة تفرض فيها كمية المياه محددات على نموها الاقتصادي ، فحصة الفرد من المياه تنخفض باستمرار إلى درجة غير مقبولة فوصلت إلى حوالي 625 متر مكعب سنويًا أي أقل من ثلثي حد الفقر المائي ، مما سيؤثر تأثيرًا سلبيًا ومباشرًا على جميع الأنشطة المعتمدة على المياه ، ويؤدي إلى مجموعة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لمصر ، الأمر الذي يحتم على مصر قيادة وشعبًا التحرك الدولي لحل هذه الأزمة والخروج منها في ظل التعنت الإثيوبي الواضح والإصرار على الضرر العمدي لشعب مصر من خلال حجب حصة مصر من مياه النيل.

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق