الآن تقرأ
عن بورصة القطن التي اغُتيلت 1/6

عندما سألته عن مكان بورصة القطن، توقف عن الكنس أمام محله، في منطقة المنشية، غرب مدينة الإسكندرية، وسرحت عيناه وكأنه يستجمع ذكرى بعيدة، ”ياااه بورصة القطن دي في مينا البصل.“

الرجل يقصد بورصة ميناء البصل، أقدم بورصات العالم في تجارة القطن وكانت تُعد بمثابة السوق الرئيسية للتعامل في البضائع الحاضرة من محاصيل القطن المصري وهو ما كان له عظيم الأثر في ازدهار تجارة القطن في المنطقة.

أُنشئت البورصة بالقرب من شون تخزين ميناء البصل الذي سُمي بهذا الاسم لأن حبوبًا وبقولًا وخضروات من أشهرها البصل كانت تُصدر من خلاله، وهو الميناء الذي بناه محمد علي عام ١٨١٠ على سواحل المتوسط وربطه بمجرى ملاحي نيلي، هو ”ترعة المحمودية“، التي تمتد بطول مدينة الإسكندرية لتربطها ببعضها البعض، وكذلك بباقي محافظات مصر، ومن خلال تلك الترعة كانت المحاصيل الزراعية تأتي من كافة المحافظات الزراعية لتخزن في شون التخزين بميناء البصل؛ حيث عمليات الاستيراد والتصدير. في ذلك الوقت كانت ميناء البصل منطقة صناعية بامتياز.

انتشار زراعة القطن في مصر

مع مطلع عشرينات القرن التاسع عشر جاء لمحمد علي والي مصر الذي حكم من ١٨٠٥ حتى ١٨٤٨ وكان على دراية بأهمية صناعة النسيج لكسوة جيشه، مسيو جوميل مهندس النسيج الفرنسي المغامر الذي عرض عليه زراعة أحد السلالات القطنية التي لاحظها في حديقة أحد الأعيان ويدعى ”محو بك“ وكانت تُزرع من باب الزينة، وعُرفت باسم ”قطن الشجرة“ وامتازت بنعومتها وسهولة غزلها علي أيدي النساء بالمغازل، وهي السلالة التي وجد مسيو جوميل أن زراعتها في مناخ مصر يعلي من انتاجيتها ويحسن من نعومتها وجودة تيلتها.

ولأن هذه السلالة كانت من أصل هندي فلقد كلف محمد علي مسيو جوميل بالسفر إلي الهند لانتقاء خير بذور القطن وأجودها، وعندما عاد إلي مصر أجري التجارب علي أفضل المناطق في مصر التي يمكن زراعة القطن فيها. ووفق دراسات مسيو جوميل، قرر محمد علي التوسع في زراعة القطن الذي عُرف بقطن ”جوميل“.

ونتيجة لإدخال زراعة القطن في مصر، تغيرت نظم الري المعمول بها من أيام الفراعنة، من نظام ري الحياض إلى نظام الري الدائم، وازدادت الرقعة المنزرعة بالقطن، مما أدى لقيام مشروعات صناعية كبري علي ضفاف النيل، مثل ”مصنع الخرنفش للنسيج“، أول مصنع حكومي بمصر ومصنع ”الجُوخ“ الذي كان يعمل على توفير الكسوة العسكرية للجيش المصري.

لم يتخيل محمد علي هذا الصعود القوي للقطن، الأمر الذي دفعه لتغيير من نظام ملكية الأراضي الزراعية، وإقرار سياسة الاحتكار لضمان حماية القطن وصناعة المنسوجات التي كانت وليدة في ذلك الوقت.

الصعود الصاروخي للصادرات

إلا أن هذه السياسة لم تدم طويلًا. ففي عهد الخديوي سعيد باشا (١٨٥٤- ١٨٦٣) صدرت اللائحه السعيدية (١٨٥٨) التي أعطت الحق للفلاحين في تملك الأراضي الزراعية، كما صار لهم حرية التصرف في محاصيلهم الزراعية وحرية اختيار المحاصيل التى يرغبون فى زراعتها، وتضاعفت أعمال زراعات وحلج القطن في مصر وتطورت هذه الصناعة مع زيادة المخزون وعدد السماسرة.

ثم قامت الحرب الأهلية الأمريكية (١٨٦١-١٨٦٥) وتعذر الحصول علي القطن الأمريكي المعروف باسم ’بيما ‘، وقفزت صادرات مصر، بحسب الإحصائيات الواردة بجريدة النيويورك تايمز ( عدد ٢٦ يونيو ١٨٦٤)، من ٦٠٠ ألف قنطار في عام ١٨٦١، إلى أن وصلت في عام ١٨٦٣ إلى ما يزيد عن مليون وربع قنطارًا ( ٢٥٧ ألف بالة بمعدل البالة = ٥ قنطارًا)  بلغ نصيب بريطانيا وحدها من هذه الصادرات ١٩٦٫٤٢٢ بالة.

” مصر كانت مزرعة لمصانع الغزل في مانشيستر. “ يقول أ. زكي عبد الحميد الإدكاوي، رئيس مجلس إدارة شركة إدكو لتصدير الأقطان، لـ ”مراسلون “ ويضيف: ”القطن ده الهرم الرابع. ومحاولات الإدعاء بانقراض زراعته في مصر باطلة. القطن سلعة استراتيجية ترقى إنها تكون سلعة نقدية زيها زي البترول.  ده من شهرته أصبح إسمه رتبة في طول التيلة، إنت تعرف إن قطن بيما الأمريكي كان اسمه في الأول القطن الأمريكي المصري ( American -Egyptian Cotton) “.

ومع زيادة استيراد القطن من مصر في ستينات القرن التاسع عشر، تأسست بورصة ميناء البصل في عام ١٨٧٢. وخدمها موقعها الإستراتيجي بقربها من الميناء وشون التخزين ومن مصب ترعة المحمودية الذي كانت تأتي من خلاله محاصيل القطن من محافظات مصر المختلفة، حيث كانت كفر الشيخ ومازالت أعلى محافظات وجه بحري انتاجًا للقطن وكذلك الفيوم أعلى محافظات وجه قبلي، في تسهيل سير العمل في البورصة التي ساعدها أيضًا وجودها بالقرب من خط سكة حديد القباري وخاصة بعد إتمام مشروع خط سكة حديد القاهرة السويس عام ١٨٥٨، في ربطها بقناة السويس التي أفتتحت عام ١٨٦٩.

نشأة بورصة القطن للعقود بالآجل

لم تكن بورصة مينا البصل هي أول بورصة تعرفها مصر بل فقد سبقتها بورصة العقود التي أُنشئت في عام ١٨٦١ بالإسكندرية  وكانت واحدة من أقدم البورصات العالمية المختصة بالعقود والعمليات الآجلة، وكان التداول فيها يتم بشكل غير رسمي عن طريق ”سندات الرزنامة“، أول أوراق مالية تعرفها مصر.

في تلك الفترة الذهبية كانت صفقات القطن قائمة علي العرض والطلب حسب أصنافها المختلفة طويل التيلة أو قصير إلي متوسط التيلة وكان تجار القطن يجتمعون ويعقدون صفقات تشمل حتى نوعيات بذور القطن المختلفة. وفي ٢١ ديسمبر ١٨٨٣ أُنشئت أول بورصة لمعاملات القطن الآجلة بمدينة الإسكندرية في ذات المكان الذي كان يشغله ”البنك التجاري الإيطالي“ في شارع ”البورصة القديمة“، إلا أن أول صفقة قطن محلية مسجلة هي التي أُبرمت في عام ١٨٨٥ على مقهى أوروبا السكندري بميدان القناصل ”Des Consuis“ الذي سُمي لاحقًا بميدان محمد علي أو ميدان المنشية حاليًا.

أواصل المشي في ميدان المنشية واتجه إلى شارع البورصة، ثم اسأل شخصًا آخرًا أكبر سنًا عن بورصة القطن، فيجيب وهو يشير إلى مبنى يقع قبالة سنترال المنشية، ”في الدور التاني في المبنى ده“

الرجل يقصد الشركة المصرية لكبس القطن، إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس، إحدى شركات وزارة الاستثمار، وقد حلت محل هيئة القطاع العام للغزل والنسيج بموجب قانون شركات قطاع الأعمــال العام رقم ٢٠٣ لسنة ١٩٩١ وهو القانون الذي يرى فيه كثيرون أنه كان أول مسمار يُدق في نعش صناعة الغزل والنسيج بمصر.

أدخلُ إلى الشركة، فيستقبلني طاقم من أفراد الأمن، يتطلعون إلي بغرابة. أحد أفراد الأمن، يسألني”أي خدمة؟“، فأجيب: ” أنا بعمل موضوع صحفي وعايز معلومات عن بورصة القطن.“ نظرة ارتياب، ثم حالة من القلق المتبادل تنتاب الجميع وصمت، مازالت الصحافة في مصر مغامرة محفوفة بمخاطر كثيرة خاصة إذا كانت تمارسها مواقع إخبارية غير تلك السائدة والمعروفة بتأييدها للنظام السياسي.

يقودني عامل المصعد إلى استعلامات الشركة. يسألني الموظف المسئول بعد أن يعرف أنني صحفي عن الموقع الذي أعمل معه، فأخبره ”موقع مراسلون“ يتصل بسكرتارية المدير العام، فتخبره أن يبلغني أن المدير في أجازة وسيأتي بعد أسبوع.

وبالطبع لا توجد في مكتب الاستعلامات نشرة أو كتيب يقدم معلومة أو إحصائية حول نشاط الشركة وحجم انتاجيتها، لكن عامل المصعد مشكورًا يخبرني في رحلة نزولي بأن الشركة المصرية لكبس القطن، لها مكابس في مينا البصل هي وحدة مكبس النيل، ووحدة مكبس مصر، ووحدة مكبس التاريخ، ومحطة التبخير الفراغي. أغادر الشركة متجهًا إلى ميدان المنشية ومنه إلى مينا البصل حيث بورصة القطن القديمة.

العصر الذهبي لبورصة مينا البصل

الطريق إلى مينا البصل قديم قدم التاريخ. أمر عبر شارع الباب الأخضر، حيث المباني السكنية القديمة بمحالها التجارية، ومن نهايات الشوارع الجانبية تظهر الميناء الغربية، ومع اتجاه الشارع ناحية اليسار، تظهر المباني الصناعية القديمة، مكابس القطن وشون التخزين بميناء البصل آخر ما تبقى من مشروع محمد علي التجاري القديم.

هذا الطريق الذي يعج الآن بالسيارات وبعربات الترام وببسطات باعة المستعمل والروبابيكيا كان يمتلأ في العصر الذهبي لبورصة مينا البصل آواخر القرن التاسع عشر بضجيج حركة العمال والحمالين والسائقين وتجار القطن من السابعة صباحًا مع وصول قطار البضائع إلى الميناء مُحَمَّلاً بالغلال حيث العمال يهرولون لتفريغ حمولته وتجهيزها ونقلها على متن السفن التي ستتولى عملية تصديرها. والسفن المُحَمَّلة بالمعدات والمهمات القادمة من الخارج وتأخذ دورها في تفريغ حمولتها، لتُنقل فيما بعد إلى الورش والمصانع. ومن داخل شون القطن، التي أمرُ من بينها الآن وصارت مخازن في حوزة مسجلين خطر وأشقياء ملأوها بالروبابيكيا، كان يمكن رؤية العامل وهو يكبس في السابق القطن ويرقمه لنقله لمبنى البورصة لبيعه.

وبحسب كراسة أصدرتها وزارة الزراعة، قسم تربية النباتات، ”العجالة رقم ١: فرز القطن في بورصة ميناء البصل“، ووضعها جاد الله أبو العلا أفندي، الاختصاصي الثاني بقسم تربية النباتات بالجيزة، وراجعها جناب المستر أ. أ. كارفر، خبير أقطان وسمسار البنك الأهلي المصري (بنك لويدز سابقًا) ببورصة ميناء البصل بالإسكندرية، وصدرت عام ١٩٢٨ عن المطابع الأميرية بالقاهرة، كانت بورصة ميناء البصل ”هي السوق المصرية النهائية للبضاعة الحاضرة من القطن حيث يشتري فيها المصدرون ما يلزمهم من أقطان للتصدير إلى الخارج“.

حينها كان لكل بنك أو بيت تجاري يبيع القطن لحساب عملائه أو يشتريه من أجل التصدير مكتب أعمال وغرفة لفرز القطن داخل البورصة، وسمسار خبير بالأقطان وموظفون يساعدونه. تتسلم البنوك والبيوت التجارية من مندوبيها في المحافظات المختلفة الأقطان من عملائها من المزارعين ثم تفرزها فرزًا أوليًا وترسلها إلى بورصة ميناء البصل بالإسكندرية حيث تُخزن في الشون التابعة لها.

ووفق للمواصفات المذكورة في كراسة جاد الله أفندي، فإن غرف فرز القطن لابد وأن تكون مشمسة لا تسقط عليها أشعة الشمس مباشرة ويطلى أسفل نوافذها باللون الأسود وتكون نوافذها الزجاجية من النوع الذي ينزل لإسفل ويرفع لأعلى لزيادة وإنقاص قوة الضوء الداخل للغرفة. ولتسهيل تمييز الاختلافات الدقيقة في لون العينات كانت مائدة الفرز تدهن باللون الأسود، التي يعلوها مقياس نحاسي صغير لقياس التيلة.

يؤخذ من كل رسالة قطن عينة قدرها خمسة أرطال ليفحصها السمسار ويعين رتبتها. ثم يعرض السمسار عينات رسائل القطن التي في حوزته في سوق البورصة. يفحص خبير البنك أو البيت التجاري المشتري النماذج التي يعرضها سمسار الطرف البائع فإن وافق عليها تفاوضا على تحديد السعر.

في صباح كل يوم كانت تُعلق لوحة يُكتب عليها البضائع المتداولة في البورصة وحجمها وأسعارها وكافة البيانات التي يحتاجها المشتري، وتختلف هذه البيانات باختلاف البضائع المعروضة واختلاف سعرها من اليوم السابق عن اليوم الذي يليه نتيجة لتغير سعر السوق. تبدأ عملية البيع والتداول في ساحة البورصة في الساعة الحادية عشر والنصف صباحًا حيت يتجمع التجار والسماسرة والباعة، كلٌّ في مكانه للوصول لأعلى سعر في بالة القطن، ثم تتوقف عملية التداول في تمام الساعة الواحدة ظهرًا على قيمة آخر سعر تم البيع به ليكون سعر للإقفال يعتمد عند الفتح في اليوم التالي.

البورصة المغلقة

أدخلُ إلى مبنى البورصة المتهالك العتيق، أعبرُ البوابة وأقف في ساحة البورصة الخاوية، يُقبل عليّ موظف أمن ويسألني عما أبحث عنه فأخبره بأنني بصدد العمل على موضوع صحفي عن بورصة القطن، فيخبرني أن ثمة عملية فرز قد انتهت من توها، أسأله هل مازالت تعمل البورصة؟ فيجيبني بالإيجاب.

”البورصة مقفولة من ٢٠٠٧. “ يقول أ. زكي الإدكاوي رئيس مجلس إدارة شركة إدكو لتصدير الأقطان، ويضيف ” المكاتب الشغالة التي تعمل بالبورصة هي مكاتب فنية لتحديد سلالات القطن.“

استمر العمل ببورصة البضائع بميناء البصل وعدلت لوائحها أكثر مرة بعد ثورة ١٩٥٢ لتنظيم تحرير تجارة، وتداول، وتصدير القطن والعمل فى بورصة الأقطان للبضاعة الحاضرة وفي عام ١٩٦٦ صدر قانون الزراعة رقم ٥٣ وهو القانون الذي زاد من هيمنة الدولة على سوق القطن وأعطى وزير الزراعة الصلاحية فى تحديد مناطق زراعة وانتاج وتداول الأقطان وحليجها والتعامل مع بذور التقاوي والتجاري، إلى أن صدر القانون رقم ٣٩ لسنة ١٩٦٧ الخاص بتصفية بورصة البضائع بميناء البصل ووقف العمل فيها.

ساعتها كان القطاع العام في مصر الناصرية يهيمن بقوة على صناعة الغزل والنسيج ويريد محاصيل القطن المنزرعة بالداخل لسد احتياجات المصانع وإرساء صناعة الغزل والنسيج الوطنية التي بدأها المليونير المصري، طلعت حرب، مؤسس بنك مصر عام ١٩٢٧.

إلا أن هذه السياسة سرعان ما تبدّلت مع فتح باب الاستيراد للملابس الجاهزة ضمن سياسة الانفتاح الاقتصادى عام ١٩٧٤، وتأخرت عملية الإحلال والتجديد في مصانع الغزل مما أدى إلى إضراب عمال غزل المحلة في عام ١٩٨٦ احتجاجًا على ذلك.

وفي عام ١٩٩١ أعادت الحكومة هيكلة قطاع الغزل والنسيج الحكومى، ثم توقفت عن الاستثمار فى تحديث الميكنة وأساليب الإنتاج في القطاع العام الذي صار اسمه ”قطاع الأعمال العام “ بموجب القانون رقم ٢٠٣ لسنة ١٩٩١. وفي عام ١٩٩٣ بدآت الحكومة في تنفيذ برنامج الخصخصة.

واستعدادًا للانضمام لمنظمة التجارة العالمية وتوقيع الاتفاقيات التى تضمنتها الوثيقة الختامية المتضمنة لنتائج جولة أورجواى للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف وجداول تعهدات جمهورية مصر العربية فى مجالي تجارة السلع والخدمات الموقعة فى مراكش بالمملكة المغربية بتاريخ ١٥ إبريل ١٩٩٤، أو ما عرف باتفاقية الجات، حررّت الدولة أسعار تسليم القطن ورفعت تكاليف انتاج الغزل والنسيج وصدر القانون رقم ١٤١ لسنة ١٩٩٤ الخاص بإنشاء بورصة البضاعة الحاضرة للقطن ببورصة مينا البصل بالإسكندرية.

يقول سيد موسى، ٣٨ عامًا، أحد العاملين بسوق زنقة الستات، ومن قاطني منطقة مينا البصل، لــ ”مراسلون“ أن بورصة القطن بمينا البصل شهدت رواجًا في آواخر التسعينات، ويستكمل، ” سيدات أرامل ومطلقات وعجائز وشباب كانوا بيشتغلوا في البورصة. ليا أصحاب كانت بتشتغل باليومية. عشرة جنيه في اليوم. مبلغ مش قليل في الوقت ده. وكانت يومية دايمة مش يوم شغل وعشرة لأ.  المكابس كانت شغالة بكل طاقتها.“ في عام ٢٠٠١/ ٢٠٠٢ بلغت حصة الانتاج المصري من إجمالي الانتاج العالمي ٥٩٪ بحسب اللجنة العامة لتنظيم تجارة القطن بالداخل، إلا أن هذه النسبة تهاوت في السنوات التالية إلى أن وصلت في عام ٢٠٠٣/٢٠٠٤ إلى ٣٤٪.

”لم تخدم اتفاقية الجات إلا الدول الكبرى التي تملك التكنولوجيا“ يقول أ. زكي الإدكاوي ويضيف ”ووضعت دولًا نامية مثل مصر في مكان أكبر من قدراتها الصناعية. الأمر الذي تسبب في عدم استيفاء أقل الشروط التي تطلب منظمة التجارة العالمية توافرها وهو ما أدى إلى تصفية الصناعة. وده اللي حصر مصر  في خانة الدول الزراعية.“

ثم صدر القانون رقم ٢١٠ لسنة  ١٩٩٤ الخاص بتنظيم تجارة القطن بالداخل، كما صدر القانون رقم ٢١١ لسنة ١٩٩٤ الخاص بتنظيم عمل اتحاد مصدري الأقطان المصرية، الذي كان ذو تفعيل وتأثير هو الأقوى فى سوق و نشاطات القطن المصرى حيث ينظم القانون السياسة التصديرية و أسعار التصدير وإعلانها خلال شهر سبتمبر من كل عام.

هذه القوانين جعلت من عملية تسويق القطن أكثر تعقيدًا عما كانت عليه، وذلك لوجود دخيل جديد إلى جانب القطاع العام وهو القطاع الخاص الذي حل بمشاكله وأولها حقه في العمل بحرية عن طريق سوق موجهة. والصدمة أن إنشاء الدولة بورصة للقطن بمعرفة الحكومة لا يُعد تحريرًا للقطن بل أدى إلى نظام مفروض ليس حرًا في تسويق القطن، فلم يستفد منه غير أهل الثقة من أقرباء أصحاب القرار.

وبناءًا على تخبط الحكومة وعدم حصافة سياساتها بخصوص بورصة القطن، صدر القانون رقم ٧٥ لسنة ٢٠٠٧ الذي نص على تعديل بعض الأحكام الخاصة بالقطن وقانون اتحاد مصدري الأقطان، وإلغاء قانون إنشاء بورصة البضاعة الحاضرة للأقطان ببورصة مينا البصل لتعود البورصة وتغلق أبوابها ثانية.

مصير البورصة

أغادر بورصة القطن بميناء البصل بعد أن يصف لي موظف الأمن مكتب إدارة البورصة في شارع طلعت حرب المتفرع من شارع النبي دانيال غرب الاسكندرية. “”هنا لا توجد إدارة للبورصة “ يخبرني فرد الأمن في ٩ شارع طلعت حرب، ”دي شركة مصر لتصدير الأقطان“. وتقوم الشركة بتجارة وتصدير واستيراد القطن ومشتقاته ومخلفاته ومنتجاته ومستلزماته بنفسها أو لحساب أو المشاركة مع الغير والقيام بكافة الأنشطة والخدمات التجارية والصناعية والخدمية والتمويلية المتعلقة بالنشاط القطنى.

وكما حدث في شركة مصر لكبس القطن، استقبلني فرد الأمن بتوجس ثم اسلمني لموظف إداري تنصل من إجراء المقابلة معي ثم قدمني لرئيسه المباشر الذي أخبرني أن الجهة المخولة للحديث معي هي الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس، الموجود بشارع صفية زغلول بمحطة الرمل.

أقف أمام سكرتارية الشركة القابضة أخبرها بأنني أريد أن أعرف ما هو مصير بورصة القطن بالنسبة للشركة، فتخبرني أن الوحيد الذي يمكن الإجابة على ذلك هو مدير الشركة القابضة، واستكملت : ” والمدير مش موجود. ممكن بكرة يكون موجود“.

”إحنا في حرب ضروس. “ يقول زكي الإدكاوي ويضيف ”سلبت منك أسواقك. وفيه مؤامرة لقتل زراعة القطن المصري، بإدعاء إن زراعته في سبيلها للإنقراض في مصر. وللمرة التانية بأقولك ده مش صحيح.“

نقلا عن ” مراسلون “

(Visited 505 times, 1 visits today)
عن الكاتب
تامر فتحي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق