الآن تقرأ
محاكمة الخبال: قصة قصيرة

في صبيحة يوم أدفئ من سابقه، وأبرد من لاحقه في شهر فبراير، وفي قلب مدينة خوفستان المزدحم، يحمل العسكري “المتكلفت” ببلوزتين رصاصيتين من الصوف الرخيص تحت ملابسه العسكرية السوداء حقيبة المدعي العام الحبلى بالأوراق والملفات وآيباد ولابتوب، ويغازل بعينيه الضاحكتين دون الكلام أصحابه وأهل بلدته من العساكر الذين يكتظ بهم من مكتب المدعي في طريق خروجه إلي سيارة الأخير المريحة الراقدة بثقة في الظل. رائحة عطر “فهرنهايت” الأصلية التي يضعها المدعي يوميًا تنفذ إلى المكان، وتغير من طاقته لحظيًا، وتستقوي على روائح السجائر وبواقي أكواب الشاي والقهوة المحوجة وعرق المجندين الريفي الذي يلازم المكان.  بمجرد خروجهم من ظلام المبنى إلى نور سماء القاهرة المزعج تهب ريح خفيفة ترفع الشعر الجانبي الطويل جدًا للمدعي العام الذي يستخدمه في ستر عورة صلعته المقعرة. المشكلة أنه وسيم قليلًا، ويديه كبيرتان، وضخم الجثة ولكن قرعته هي الشيء الوحيد في حياته الذي يثير شعور بعدم الآمان بشكل صبياني. يرن جرس التليفون الذي كان في يد المدعي العام في نفس اللحظة التي قفزت فيها يده لتغطية عورة مخه فيسقط التليفون الذي في يده على الأرض (في جيبه تليفونان آيفون آخران على خاصية الصامت) وينقض الذعر على أحشاءه بمجرد نظره على التليفون. يعرف الرقم. يعرف المتصل. يقفز بجسده على الأرض ليمكسك بالهاتف وينسى انكشاف الصلعة.

المدعي: أيوة يا فندم، صباح الخير… نهارك سعيد. إزاي حضرتك….

الصوت الآخر: *&&^٪  &^٪*&&)ٌٍْ٪$٪*& &*٪$$#()&)& *٪$ ^&^  &٪$٪٪##!ـ+( *))&*٪ $$ @٪^&* &٪^&٪$ [email protected]^&*^&^&٪^#$ *)*&^&*^&$ ٪٪*^٪) ٪$^*$^ *&^*&٪$^٪$^&*^*^&٪*&^*) ^&٪&*)^ *&)^ ^)*^&ء*&^*)& *&^*&^ء  &*^*)&^*)&^*)&^ ٪*&^ء)*&^ء *&^ء*&٪^ ٪*((*ِ#$٪*&)٪^&^*&^ء&$$٪#^ [الرقيب الداخلي لكاتب هذه القصة حذف هذا الجزء خوفًا]

المدعي: متخفش يا فندم الكلام واضح، وكله هيمشي زي ما تحب. العيال دي لازم تتربى. أنا بقرا أدب طول عمري بس ده مش أدب. “استغلال الحياة” دي مش أدب، دي وساخة  وقلة حيا… الواد أحمد البلتاجي ده لازم يتربى، عيال منحلة ولا يعرفوا حاجة عن الانضباط دي حتى الرسومات…

الصوت الآخر: (مقاطعًا) تمام كده. شكرًا جدًا معاليك.

يعود المدعي في بطأ مخترقًا النظرات المستغربة على جانبي ردهات المبنى. كان هو يفكر فيما سيفعل، وأما باقي الموظفين والأمن والمجندين يفكرون في ما ضاع عليهم فعله في عالم من أحلام يقظة حول ما سيفعلونه خارج العمل. الآن صار عليهم البقاء الآن حتى يذهب المدعى إلى منزله. يدخل المدعي إلى مكتبه، يدخل ويغلق الباب. أول شيء يقوم به الاتصال بزوجته وإعلامها أنه سيتأخر، ويطمئن بلطف على أبنائه الذين يحبهم، وخاصة “شهندة” التي اقترب امتحاناتها. فكر لحظيًا في الكذب الذي ادعاه وأنه يقرأ الأدب. كل ما قرأه في حياته من البداية للنهاية، روايتين لا ثالث لهما، أحدهما “رد قلبي” ليوسف السباعي والتي أنهاها في يوم اغتيال السباعي البارد والثقيل في ١٩٨٧ بينما كان في نزهة نيلية في أسوان مع زوجته الشابة في ذلك الوقت. قرأ أيضًا أشعار الأبنودي التي يهواها. فكر قليلًا إذا ما كان كتاب جمال حمدان الشهير “شخصية مصر” يعتبر أدبًا–ولو من بعيد. فكر وعزم في داخله على أن يعتبر أن الأفلام الكثيرة التي شاهدها والمستوحاة من روايات نجيب محفوظ، وفيلم دعاء الكروان هي خلاصة الأدب العالمي وزبدته السرمدية . هو قرأ كثيرًا في القانون، وبعض التاريخ الذي خطه هيكل ضمن تاريخيته اللاهوتية. ولكنه صارح نفسه أن كلا النوعين ليسا أدبًا حقيقيًا.

حزم أمره، واتصل بوكيل النيابة المختص بالقضية، وبأستاذ أدب وكاتب عُين بتوصية “من فوق” كرئيس لقسم الأدب الإنجليزي في جامعة حكومية، ومستشار، وقاضي عسكري، ولواء، ووكيل مساعد بوزارة العدل، وهذا الأخير صديق مقرب. اتفق الجميع على القدوم إلى منزله في السادسة للاجتماع للتشاور حول القضية وبالطبع عزمهم على العشاء. كان كريمًا. طلب مأدبة. مأدبة كبيرة غالية. سمك.

لإبنة المدعي العام “شهندة” صديقة إسمها “سارة”. سارة، والتي تدرس أيضًا في حقوق فرينش جامعة القاهرة، سنة ثالثة، تقضي أوقاتا كثيرة في بيت المدعي العام. سارة إبنة لوكيل مساعد بوزارة العدل صديق المدعي العام، ولكنها، على العكس من شهندة والآخرين من حولها، كانت “ثورجية”، في مجتمع معاد للفكر الثوري والإبدع النقدي. أتيتا كلاهما للتو من نادي القضاة على النيل حيث كان يدرسان معظم الوقت ويلعبان على هواتفهما المحمولة بين الحين والحين. سارة والتي تعشق الأدب المعاصر وخاصة كتابات الشباب من فئتها العمرية  قررت اليوم أن تقوم بخطتها “الشريرة” اللعوب والأجرء. هي توقفت عن مناقشة أي من الناس حولها في السياسة والشأن العام بشكل جاد وصريح منذ أكثر من عامين. لا شهندة ولا أمها، برغم أنهما أقرب الناس إليها. تعلم وتعيش بأريحية مع إنعدام الأمل في التغيير، مع إنعدام الأمل في التأثير. لكنها دائمًا وبتسخير ذكائها وطابعها المسالم وسمتها البريء، تحاول أن تعري أفراد مجتمعها الضيق من أبناء السلك القضائي والعسكري أمام أنفسهم، متقمصة أسلوبًا سقراطيًا في طرح الأسئلة والتظاهر بالجهل وإجبار من تناقشه على الوقوف على عيوبه بقوة حجيتها التكتيكية. تلذذت بهذا واتقنته. لا تزال تذكر عندما جعلت جميع العائلة يضحك على أبيها عندما كانوا يناقشون تدخل الدولة في القوائم الانتخابية.

اليوم هو يوم كبير، اليوم قررت سارة أن ترتقي فوق كل أفاعيلها اللعوب السابقة. هي متضايقة من الجو العام ومن النقاشات حول قضية “محاكمة الخبال” كما يسميها الكتاب في مقاضاة البلتاجي. قررت الانتقام للأدب والخيال والحرية، ولكن بأسلوبها، وبفكرتها عن أهمية الانتصارات الصغيرة والشخصية. قررت ودفعت مبلغ صغير لصديقها أحمد جابر المصمم المحترف وجعلته يطبع نسخة “خاصة” ومزيفة من رواية أحمد البلتاجي “استغلال الحياة” وأن يجعلها في غلاف جديد يحاكي تصميمه تصميم كتب السبعينات من الهيئة العامة للثقافة. طلبت منه أن يغير الترويسة وكل شيء ولكن أن يبقى النص كما هو، “زي ما هو… هو هو!” أكدت على جابر. ولكن الاختلاف الوحيد هو وضع إسم “إدوار الخراط” الأديب الألمعي الذي توفي منذ عدة شهور بدلًا من اسم أحمد البلتاجي، وغيرت العنوان إلى “هالة والديناصور”.

فكرتها بسيطة. تريد أت تثبت أن ما يؤرق القضاة والعسكريين الخوفستانين ليس الكتابة الجنسية الصريحة، فكل “قامات” الأدب الخوفستاني من العواجيز لهم كتابات صريحة عن الجنس في بعض روايتهم. ما يضايقهم–وما من أحد يعلم بحقيقتهم أكثر منها–هو ببساطة كرههم الشديد والغريزي للشباب الليبرالي المنفتح والمتحرر. فكل عواجيز السلطة الخوفستانية عاشوا حياة صارمة خاوية–أو هكذا يرونها–بالمقارنة مع “انفلات” شباب جيل الثورة. هم يكرهون المثقفين، بلا مواربة، كما قال الرجل الأكبر والقريب من السلطة فريد جمعة، وخاصة إن كانوا صغارًا في السن. وبخاصة المتحررين منها.

سارة قرأت رواية “استغلال الحياة” ولم تعجبها. تتفق تماما مع محتواه كأفكار ومغزى وخط فكري وتتفهم الاتساق الداخلي للغة مع المشروع الفكري للمؤلف. تتفق مع السأم والضجر وضياع الأمل، تتفق مع الواقع الديستوبي. تتفق أن عاصمة خوفستان زائلة، ستنفجر داخليًا لا محالة. ولكن رواية “استغلال الحياة” لم تعجبها، بل لم تكملها، وليس ولا يجب أن يكون لإعجابها من عدمه–وفق لمنظورها–دخل في مبدأ عدم مقاضاة الكتابة والرأي بالسجن. هي لا تعارض الكتابة عن الجنس ولكنها أيضًا لا تحب البذاءة وتعشق اللغة الأكثر إبداعًا، من دون تكلف عتيق الطابع بالطبع. هي محافظة ومتدينة… بعض الشيء. ولكن سارة شديدة الإعجاب بمقالات البلتاجي، وخاصة مقاله عن نقده لمنح الضبطية القضائية لنقيب الموسيقين شديد ثقل الظل، الذي جعلها تضحك كثيرًا أثناء قرائته، ومقاله الأهم عن أن أزمة البلد هي أزمة أجيال فعليًا، والتي قرأتها أكثر من مرة لإعجابها به واتفاقها معه. ومقاله عن نقد القبح المستشري في الفضاء العام.

يدخل المدعوون واحدًا تلو واحد، ويأتي أبو سارة أيضًا، ترحب به يتفقان على أن تنتظره وتبقى مع إبنة المدعي العام، حتى ينتهي الاجتماع والعشاء، وعندها يذهبان معًا إلى المنزل. ستستغل الوقت وستسكمل دراستها. تتحسس شنطتها والتي بها النسخة المزيفة من “استغلال الحياة”–أو رواية “هالة والديناصور”. تلمع عيناها من دنو المأمول وتقلق. يغلق الكبار عليهم حتى انتهاء الاجتماع الذي لم يدم طويلًا ثم يذهبون إلى غرفة السفرة بعد وصول السمك الذي أتى به ثلاثة من “طياري” خدمة التوصيل المنزلي. غابة من الجرجير والبصل الأخضر وبحيرات من الطحينة تحيط بحديقة غناء من الفواكه البحرية. الرائحة تملئ المكان والتوقع يسعد النفوس. “هنحضر الشاي كمان… اتفضلوا” يقول المدعي العام محركًا يداه في حركة دائرية تفيد الترحيب.

هنا وهنا فقط ستسطيع سارة استراق السمع بل أن تشهد وتشترك في الحديث. الآن والآن فقط ستضع بخبث الرواية المزيفة فوق كتبها الثلاث التي كنت تدرس منها وتقترب من أستاذ الأدب المخترق أمنيًا.

“إزاي حضرتك. أنا بحب الأدب أوي وبحب كتاباتك جدًا. مقالك الأخير في اليوم الثامن كان روعة. هو أنت بتحب مين من الكتاب؟” عاجلت سارة الأديب الأدباتي قبل أن تتسخ يداه برائحة السمك الدسمة.

“الغيطاني… أنا بعشق حاجة اسمها الغيطاني”

“وأنا كمان يادكتور. بتحب يوسف السباعي”

“الله يرحمه. ده كان حبيبي”

“بتحب إدوار الخراط؟”

“طبعًا… ده قامة من قامات الأدب… أنا قريت كل شغله”

“بجد. حضرتك إيه رأيك في الرواية دي. حضرتك ممكن تقراها بصوتك؟ أنا بحب أوي لما تطلع في التليفيجين وتقرا مقتبسات أدب وشعر”

يتبسم الحاضرون، ويتذكر بعضهم ممن لا يحبون الأدب أن من الآفضل غسيل اليدين قبل الأكل.

“أوي أوي… خلي القعدة تروق شوية على ما التربيزة تجهز. هالة والديناصور… هالة والديناااصور دي… دي من أجمل أعماله، قريتها أيوة” بالطبع لم يقرأها ولكنه اختلط عليه الأسم لقربه من رواية “رامة والتنين”.

يقرأ بإجلال وببطأ ويتنغم الجميع بينما يسترقون لقم السلطات. يقرأ لمدة دقيقتين ثم يجد نفسه أمام مشهد جنسي. يتلعثم. يتوقف. يفكر. يقرر. يعلق “وبعدين في مشهد جنسي… بس شوف بقه القامات الكبيرة لما تكتب… حتى لما يتكلموا عن الحب والغريزة البريئة [يقصد الجنس الصريح] بيتكلموا بأدب جم وتحضر إزاي. شوف…شوف.. بس أنا طبعًا مش هأقراه دلوقتي علشان حوالينا بناتنا الفاضلات”.

تشكره سارة وتجله بصوت عالي أمام الجميع وتطلب منه أن يكتب لها كلمة أو تمنيات مع توقيعه على ظهر الكتاب. يقوم بهذا على عجل لجوعه. توشش في أذنه وهو يكتب وبكل جرأة “بص كده كويس يا دكتور، ده كتاب أحمد البلتاجي. أنا غيرت الغلاف. الخراط عمره كما كتب حاجة إسمها هالة والديناصور. يا بأف”

تخرج لتتحدث مع شهندة وتحتفل في داخلها بانتصارها الأكبر، بينما الديناصورات يفرحون بملذات الأكولات البحرية، وبخيالات تأثير الفسفور على أجسادهم العجوز الليلة. يظل دكتور الأدب واجمًا باقي الليلة.

 

 

عن الكاتب
طارق غانم
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق