الآن تقرأ
عرافة «مارتينيك».. كلتا الطفلتين أصبحت ملكة!

مضي زمن الأنبياء، ليس فقط لأن الإنسانية توصلت إلي مرحلة تبخرت فيها كل الأوهام إلي حد يخجل معه أيُّ إنسان عاقل أن يدعي النبوة، ولكن، أيضاً، لأن تلك الأزمنة الخوالي كانت مأهولة بكائنات لا تزال في طور الطفولة الفكرية، لم تبرأ بعد من أمراض البهيمية الأولي، لذلك، استطاع بعض الحاذقين في صناعة الأساطير التغلغل في عقولهم حتي القشرة الأكثر سُمْكاً، و بكل سهولة!

مضي زمن الأنبياء، هذا صحيح، لكن، صحيح أيضاً أن أشخاصاً خاصين، و حتي وقت غير بعيد، كان بمقدورهم إبداع الدهشة، هؤلاء استطاعوا أن يخترقوا بعيون غامضة حجب الغيب، وأن يلتقطوا مما وراءها بعض النبوءات التي تحققت فعلاً، وبنفس التفاصيل التي اقترحوها، الفرنسيّ ” نوستراداموس ” ما زال أشهر هؤلاء، لكن، كان هناك علي الدوام آخرون غيره لا يقلون عنه غموصاً، مع ذلك، لا يثور الضوء في أسمائهم للأسف، كما كان هناك نبوءة حاسمة تفوقت علي كل نبوءاته شكلاً وحسماً وحدة ومضموناً، إنها نبوءة لعرافة مجهولة وقعت أحداثها في جزيرة ” مارتينيك “، إحدي جزر أرخبيل الأنتيل  شرق البحر الكاريبي إلي الشمال من ترينيداد و توباجو، وهي واحدة من الأقاليم الستة والعشرين التي تتكون منها الأراضي الفرنسية!

في منتصف القرن الثامن عشر، وفي أحد صباحات هذه الجزيرة الملقبة بجزيرة الزهور والطبيعة الساحرة، كان هناك طفلتان تسألان الورود عن عطورها، طفلتان بعيون براقة وحبلي بأحلام مؤجلة تنتمي كلتاهما إلي أبٍ من كبار موظفي الإدارة الفرنسية في الجزيرة، وكانتا ابنتي خالة في نفس الوقت، صادفتهما في أحد المنعطفات عرَّافة ترتدي ثياباً رثة، فطلبت منها “جوزفين”، أقل الطفلتين حياءًا ، أن تقرأ لهما طالعهما، و هذا هو ما قد حدث!

الغريب، أن نظرةً عابرةً من عيني تلك العرافة في كف “جوزفين” كانت كافية لاستدعاء دهشة العرَّافة، ثم قالت لها وعيناها تترنحان علي حواف غامضة:

– ستتزوجين قريباً، ولن يكون زواجُك سعيداً، وتصبحين أرملة، وبعدها تكونين ملكة، وتقضين سنوات سعيدة، ثم تموتين بائسة، حزينة، وحيدة، في مستشفى!

الأغرب، أن تعبير الدهشة لم يفارق وجه العرافة وهي تنظر في كف الطفلة الأخرى الصغير، وقالت لها في لهجة تنم عن احترام شديد:

– ستصبحين أنت أيضاً ملكة!

وأمام إسراف تلك العرافة في الكرم، ظنت الطفلتان أن المرأة محتالة أو مجنونة، لذلك، طارت ضحكاتهما في هواء الجزيرة صاخبة وناعمة ومحرضة..

جرت مياه كثيرة في البحر الكاريبي، وكبرت أشجار في ” مارتينيك ” وسقطت أشجار، وكبرت الطفلتان، وسافرت “جوزفين” إلي باريس، وهناك، أصبحت، في أيام معدودة، كما يليق بجميلة كلاسيكية، واحدةً من أهم سيدات المجتمع الراقي، هناك أيضاً، تزوجت من الكونت “ألكسندر فيكونت دي بوارهرنيه”، وعاشت معه سنين قليلة حتي سقط رأسه أثناء الثورة الفرنسية، كالكثيرين من نبلاء فرنسا، تحت المقصلة..

هي أيضاً نجت من ذلك المصير بمعجزة، لقد أودعت السجن في انتظار تنفيذ حكم بإعدامها، وفجأة، سقط رأس رئيس لجنة الأمن العام، “روبسبير”، أيضاً ، تحت المقصلة، كانت الثورة المضادة قد امتصت الهزيمة واستعادت اتزانها!

عقب خروجها من السجن، تعرفت “جوزفين” علي الشاب “بونابرت” وتزوجا..

عندما ارتقي زوجها عرش فرنسا، بل أصبح أهم رجل في أوروبا من أقصاها إلي أقصاها، بل العالم الكبير، أصبحت “جوزفين” السيدة الأولي في كل مكان، ما عدا “انجلترا” بطبيعة الحال، وبقية القصة مشهورة، لقد خانته مع ضابط شاب، وطلقها، وعاشت وحيدة في قصر مالميزون، وتزوج هو، وعصفت بها الأمراض من كل جانب، ودخلت المستشفي ، واحتضرت وحيدة، وكانت آخر كلمة نطقت بها أغلق الموت بعدها، وإلي الأبد ، في حنجرتها بوابات الكلام: ” نابليون “، ثم امتصها الظلام!

ماذا عن الملكة الأخرى؟

كانت ترتيبات سفرها للحاق بابنة خالتها “جوزفين” في باريس قد اكتملت بعد شهور من رحيل الأخيرة، كان أبوها قد استقر عزمه علي إرسالها إلي العاصمة لدراسة اللاهوت، وحظيت بوداع حار في أحد مرافئ فور دى فرانس عاصمة الجزيرة، وأراقت العائلة الكثير من الدموع لحظة اختفاء السفينة التي تستقلها في الأفق البعيد، لكن ، لا أدري إن كان لحسن حظ الفتاة أم لأكبر خيباتها علي الإطلاق، أسر القراصنة الجزائريِّون، فيما كانوا يعتبرونه جهاداً، تلك السفينة، وكانت فتاة “مارتينيك” أثمن ما في الغنيمة!

ربما كان جمالها اللافت هو ما جعل القراصنة يقدمونها هدية إلي باى تونس، تودداً إليه، وهو نفس السبب الذي جعل حاكم تونس بدوره يرسل الفتاة هدية إلي السلطان العثماني “عبد الحميد الأول” الذي اتخذها زوجة من زوجاته، واختار لها اسم السلطانة “نقسن”، أو “نقش ديل”، ويعني في اللغة التركية، جميلة، وهي أيضًا، فيما بعد، أم السلطان “محمود الثاني”، السلطان 29 من سلاطين تلك السلالة!

أثرها يفوح كالعطر الفرنسي الرنين في شخصية ابنها السلطان، إذ كان يميل إلي الثقافة الغربية أكثر من ثقافة الشرق، وكان أول من ارتدي الزي الأوروبيَّ من سلاطين بني عثمان، وهو لم يكتف بذلك، إنما جعله الزيَّ الرسميَّ لموظفي دولته، كما أبطل (الحريم) ، وأوقع بالانكشارية، وكان شاعرًا يوقع قصائده باسم “عدلي” ، كأن الشعر لا يليق بالسلاطين، ربما!

لكل ذلك، لقبه المتزمتون في عصره بالسلطان الكافر!

وبفضل صلة القرابة بين أمه و “جوزفين” كانت علاقته بـ “نابليون بونابرت” جيدة حتي احتل الفرنسيون الجزائر..

الشاعر الفرنسي “ألفونس دو لامارتين”، مبدع قصيدة “البحيرة”، بوصفه وزيراً لخارجية بلاده لفترة قصيرة في تلك الفترة، نفى هذه القصة، وزعم أن أم السلطان شركسية لا فرنسية، ولكن مجرد نظرة عابرة في وجه السلطان “محمود الثاني” الذي وصل إلينا مثبتاً في لحظة مصورة، تؤكد صحة القصة، فهو يحمل ملامح وجوه الفرنسيين بشكل عميق، الإناث الفرنسيات بشكل أكثر عمقًا، “مدام دي بومبادور” و “ماري انطوانيت” علي وجه الخصوص، لذلك، لابد أن “لامارتين” قال ما قاله لسبب ما، بمعني أكثر دقة، لقد أراد أن يبقي في الظل سرًا ما قد اطلع عليه حتماً خلال زياراته العديدة للسلطان، قدَّر هو، وهو تقدير خاطئ نجم بالتأكيد عن تحديقه النظر، ككل غربيٍّ، إلي كل ما ينتمي إلي الاسلام بعيون الريبة، قدَّر، أن فضحه في ذلك الوقت قد يلحق الضرر بمواطنته أو بابنها، علي أية حال، لقد اشتعل ذلك السر فيما بعد مثل فضيحة!

لقد احتفظت السلطانة الوالدة “نقسن”، زوجة خليفة المسلمين ثم أم خليفة المسلمين، بمسيحيتها حتي النهاية، وكان الإنجيل لا يفارق غرفتها، سراً بالطبع، وكانت آخرَ رغبةٍ لها توسلت إلي ابنها أن يعمل علي تحقيقها، وهي تحتضر، هي أن يحضر لها قساً كاثوليكياً لتعترف أمامه، وهذا ما حدث ، سرًا بطبيعة الحال، ثم سقطت في الظلمة الأبدية..

أياً كان الأمر، لقد تحققت نبوءة عرَّافة “مارتينيك” بكل تفاصيلها، وأكدت عرافة القرن الثامن عشر تلك، أن في الطبيعة من حولنا أشياءَ غامضة لا تزال بحاجة إلي تفسير، وأن هناك، في هذا العالم، منظومة من الأسرار المغلقة لا أعتقد أن أحداً يستطيع في الوقت الحالي، علي الأقل، فضحها..

 

(Visited 334 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق