الآن تقرأ
البحر بيضحك ليه …. أيقونة السينما والإنسانية

مع مرور الأيام نتذكر دائما التجارب المضيئة في تاريخ السينما والتي وثقت نجاح فنان في عمل أيقونة ناجحة للفن أو للبشرية أو كلاهما

ولعل فيلم البحر بيضحك ليه !! تجربة لامعة في تاريخ المخرج والمؤلف محمد كامل القليوبي جعل السينما تعانق خلالها الإنسانية

أصعب القضايا الإنسانية ناقشها القليوبي في فيلمه ونجح في نظرية (كسر الإيهام ) وهي ببساطة نسج فكرة واقعية خيالية تسرد الواقع وتناقش أصعب النظريات الفلسفية عن السعادة والحب والحرية والانطلاق والنجاح والفشل من خلال فيلم يحمل توليفة رومانسية إنسانية كوميدية حالمة نسجها حول موظف بلغ من العمر 45 عاما ومازال خارج نطاق الحياة

45 عاما لا يرى خلالها حسين البحر ولا يرى زوجته وأصحابه ويشعر أنه يريد أن يعيش ومع صراعه المحتوم في دائرة الحياة قرر الانتفاضة ضد الروتين والقيود وقرر أن يعيش إنسانا فقط إنسان

القليوبي شرح كيف يكون الإنسان ميتا وهو حي .. وكيف يكون حيا واسمه في عداد الأموات

لقد ضحك البحر أخيرا بعد 45 عاما من حياة البطل التي بدأت بروتين حياتي قاتل جعلنا نشعر معه بالإحباط والحزن من أجل حسين ( محمود عبد العزيز ) والذي يعيش في كتلة من المشاكل على جميع الأصعدة واستخدم القليوبي فكرة الاعتراف المستمرة بين الأبطال وخاصة حسين والذي كان يحكي دائما عن طموحاته وأزماته ومحاولاته للنجاة

ومر حسين بثلاث مراحل الأولى حسين الميت فنجده يجلس في مكتبه الذي يزخر بالنفاق والرياء والكذب والكراهية والصراع الدفين والوصولية حتى زوجته وأخته ونسيبه ( أخو زوجته وصديقه ) وأصحاب الطفولة والعمل ليكون (الآخر) في هذه المرحلة هو الجحيم

ووسط هذا البؤس نرى حسين الحالم وهو منبهر بشخصية سيد بص ذلك الرجل الذي يهلل ويرقص امام المحال لجذب الزبائن وعلاقته بالبحر المستمرة  

وأبدع القليوبي في نقل حياة حسين بمشهد خيالي عبقري مزج خلاله الحقيقة بالخيال ومكتب العمل بالبحر بعدها قرر حسين الانتفاضة وضرب الجميع ورحل عن مرحلته الأولى

المرحلة الثانية والتي عاش فيها حسين هائما على وجه مع نماذج إنسانية مثل سيد بص فيلسوف الشوارع ونعيمة وسيد وفتيات الليل والشارع و أخرين وبدأ حسين التعامل مع الشارع والطبقة الدنيا من سكانه بإنسانية فأحبه الآخرين بصدق

وعمل حسين مع (حاوي) أو ساحر بدائي في الشوارع لتستضيفه مذيعة في برنامج يؤكد فيه أنه حاوي ( يلعب بكورتين علشان يبسط الناس بدلا من أن يؤذيهم أو يلعب بهم ) وبدأ حسين النجاح في حياته الجديدة

وكان لابد من نهاية للكوكتيل الشيق من الدراما فكبح القليوبي أولا جماح الفكرة بعد أن انطلقت إلى عنان السماء بزواج حسين من 4 زوجات دفعة واحدة بدافع إنساني لحمايتهن فيتحكم في الفكرة ويعيدها لمسارها الطبيعي في المرحلة الثالثة ويعود حسين لحبيبته نعيمة ويستمتعا بحبهما في مياه البحر ويتزوجا ويصبح في بطن نعيمة جنين لكنها تسقط مريضة فيحزن حسين عليها ويشرب النبيذ حتى يسقط مغشي عليه ولأول مرة يبوح حسين بأسراره التي في عقله الباطن ويكرر كلمة ( إتأخرت ) تعبيرا عن وصوله لحلمه بعد فترة طويلة من عمره ويتعجل نسيب حسين في دفنه ليخفي حسين كفضيحة وعار على الأسرة ولكن القدر يعيد حسين للحياة ويحتفل مع أسرته الجديدة بنات الشارع ونعيمة وسيد بص وأناس بسطاء لكن يتمتعون بإنسانية عظيمة نقية شفافة

ودائما ما يمزج القليوبي الرموز في الحقيقة فينتهي الفيلم باحتفال طائرات ورقية متحررة في السماء

جسد القليوبي الإنسانية في الفيلم في نموذجين الأول هو حسين الإنسان المتعلم والذي يحمل من المبادئ والقيم والأخلاق والثقافة الكثير وهو ما زرع الكراهية في قلوب المنافقين في حياته الأولى وما قربه في الوقت ذاته من المهمشين البسطاء الذين يعيشون في حب وسلام

والنموذج الإنساني الثاني هو سيد بص ذلك الشخص الجدع البسيط الطيب الذي يساعد المحتاج ويفهم الحياة وكان أداء النجمين مبهرا

تناول القليوبي في فيلمه السلطة في حياة المواطن وببساطة شديدة تمثلت في نسيب حسين ( شوقي شامخ ) والذي كان يلاحقه ويؤذيه حتى دون أن يقصد

المونتاج والموسيقى التصويرية والتصوير والإضاءة أبطال في الفيلم ساعدت جميعها القليوبي في توصيل الفكرة ولعل الحوار أبدع في رسم أبعاد سياسية وإنسانية واجتماعية من خلال أبسط الكلمات

البحر بيضحك ليه … سيظل أيقونة السينما والإنسانية على حد سواء

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق