الآن تقرأ
وداعًا كايلي..
  1. الغرفة مظلمة كأنما لم ترى النور قط. حوائطها الأربعة مغطاة بالعطب. الهواء كثيف كأنفاس وحوش الأساطير: تكون أفواههم أكبر من ضحاياهم بمرات ليلتهمونهم كسنّة كونية. يلقونهم في معداتهم مع ما تسلل من مغاط أنوفهم إلى أسنانهم الكريهة ليبتسموا في نهاية المطاف ببلاهة الرُضع.

    يخطو إلى أمام بحذر. إلى اليمين خطوة. إلى الأمام أخرى. يسأل عن جدوى الحذر بينما عيناه محجوبتان عن كل شيء. أيفيد الصبر؟ الجزع؟ هل توسط الغرفة المظلمة بخطواته أم أنه بعد على مسافة غير متكافئة من الجدران. حاول الإنصات لثوانٍ ليعرف مدخلا للريح. لم ينجح.
    *
    كان أنيقا كعملة فضية مصكوكة للتو. عيناه جاحظتان قليلا بشكل يثير الريبة إذا ما تنبهت للأمر فقط. إحدى أذنيه أصغر من الأولى بسنتيمتر. شفتاه, إحداهما توشك أن تكون جزء من أنفه و الأخرى لا تكاد تظهر من سعة ذقنه. كفه التي أشهرها للمصافحة أقل براءة من أن تكون قد أفرغت أيامها في التغزل في الفاكهة المتساقطة عن جذوع الشجر كأقراط على أذني بلقيس, و أكثر دهاء من تكون قد انشغلت بالبحث في عقائد الأقليات و المقاربة بين الأكراد و الأمازيغ.

    كان شعرها منسدل إلى منتصف ظهرها كالقِطر من الحلوى. ربما, لو مر عليها شاعر جاهلي لما رأى فيها ما يستحث فيه سوى شيء من النخوة اذا غار عليها أعرابي ضال. عيناها غائرتان بما يكفي لإخفاء لفافة تبغ متكورة. انفها متصل بوجهها كأوف الملاكمين و وجنتيها متباعدتان حد ان ابتسامتها تكاد تختفي بينهما. قال لها أحدهم مرة: لم يصدق فيك قول شاعر أبدا…دميمة كانما لا يحبك سوى بصير, و جميلة كأنما تحتاجين الى ملاك لينصفك.

    تصطدم قدمه بجرة فارغة. يهوي على ركبتيه يحاول أن يتلمسها و ما حولها. يتحسس أعمدة صلبة متباعدة و مساحة مكسوة. اقترب منها أكثر و أوسع في مد يديه ليتأكد. على بعد خطوات, وصل إلى نهايتها. اعتدل. اقترب خطوة أخيرة و هوى بجسده على البرش.

    يمر الوقت دونما أن يدرك له معنى. هل بقيت احتمالات ليكون هناك وقت أصلا؟ الاحتمال الوحيد أن يخرج حيا..أيسمى الوقت اذن بالمسافة بين تفكيره في موته و حياته؟ ملمس الحوائط مخيف. شجعته رطوبتها على إلصاق لسانه بها علّها تروي ظمأه. ألصق لسانه بآلة حادة لم يكن قد رآها. بدأ فمه يدمي و يدفئ. تغلب على طعم الصديد و أخذ يبلع الدم.
    *
    ابتسم. بدت أسنانه مصطفة كطلاب الأول الابتدائي. أقصر قليلا من أقرانهم في الابتدائية رغم تماسكهم و التزامهم بالتعاليم. أعوام من القلق جعلت مضغه فمه كفوهة بندقية. قال وهو يريد أن يستدعي انتباهها ليس إلا: تحتفظون بحلوى الليمون التي تباع في محلات نيو يورك؟ لم يكن قد زار نيو يورك سوى مرة مع والدته قبيل هروبهما سويا من والده. كان الأخير مزارعا تأخر حصاده في سنة دعته لاستدانة بعض المال. تأخر في السداد و أقسم ان يتخلص من حياته حتى لا يُذل. ذهبا لتؤمّن مكانا للمعيشة و تبحث عن عمل, و فرا بعد عودتهما بأسبوع. كانا قد مكثا هناك ست ليال فقط ثم استدعتهما فرقة سيرك للسفر معهم و العمل عندهم نظير مأوى و وجبة يومية و ما يتقاضاه بقية الفرقة من نسبة من الأرباح اليومية. أتبع: تذوقتها

    في مدينتكم منذ سنوات و وددت لو أنكم تملكونها هنا.
    نظرت إليه بعطف النبيين على العصاة. كسا جبينها شعور متناثرة كستائر مهترئة. بدت قسماتها كآلات من ماضٍ غابر. ردت: “لم تعد امدادات المدن تأتي إلى هنا. حين تنتهي كل البضاعة, أو تفسد, سنغلق المحل إلى أن ييسر أمر ما”. ثم عادت لكتابها. كانت تقرأ في من روايات عصر التنوير الفرنسية الطويلة. تزيد الرواية فيها عن نيف و عشرين مجلدا. تصف الروائية الحديقة كلما دخلتها, و تحكي عن اسرار زوجها الارستقراطي و مضاجعته لابنة وصيفتها ذات الست عشرة سنة. قد تطبع خطابات بينها و صديقة لها من راهبات الكنيسة بكاملها للدلالة على طهر نفسها. تقر في مئتي صفحة بذنوب اقترفتها في طفولتها المبكرة و اعجابها بفولتير الثري السينكالي. تعجب بكاتب كانديد الساخر من الأقدار كلها كان صاحب مقامرة جعلته ثريا ذائع الصيت. تمسح عن جبهتها بعض الاتربة المتراكمة و تلمحه يغادر محلها بتؤدة.
    *
    بدأ نزيفه يصدر رائحة كريهة. لم يكن يرجى من قيامه عن البرش سوى تيه آخر. ربما كان ما شاكه في فمه ساما. ربما يتعفن الجرح فيموت ميتة مضنية. وقتها, لو أراد ان يودي بحياته, ماذا يفعل؟ بدى حائرا كباقة زهور بالت في ثلاجات بائعها. الجرة التي ركلها بقدمه قد تسعفه.

    اعتدل جالسا. مد ظهره فاستلقى على معدته و أشرع يده اليسرى إلى الأرض ليلتقطها. أمسك بها من عنقها و هوى بها على الأرض حتى لم تعد سوى تلك القطعة التي بين يديه. بمؤخرتها المدببة, دس عنق الجرة في بطنه عشرات المرات حتى أردى نفسه قتيلا. خر الدم من معدته و فمه

عن الكاتب
عمر أحمد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق