الآن تقرأ
مشكلة تسعير المياه ، ومفاهيم البنك الدولي ( 1 / 2 )

د/ إســـلام جـمــال الـديــن شـــوقـي

مما لاشك فيه أن عدم توفير الأمن المائي يمثل خطرًا يهدد الأمن الإقليمي لمصر والشرق الأوسط لأن ضغوط الجفاف والمجاعة ستدفع الدول في مواجهات عسكرية مع بعضها البعض ، وستجعل الصراع في الشرق الأوسط صراعُا مائيًا ، حيث يعتمد وجود مصر بشكل أساسي على مياه النيل ، وبالتالي فإن أي حكومة مصرية تضع في قائمة أولوياتها ضمان زوال أي تهديد لتدفق مياه النيل التي تعتبر مصدر الحياة في مصر ، أو أي قلاقل أو عدم استقرار في مناطق أعالي النيل أو السودان مما يشكل خطرًا كبيرًا على مصر فضلًا عن إثارة الكثير من الشكوك حول العلاقات السياسية والاقتصادية الإثيوبية الإسرائيلية.

      وهنا سنتناول قضية من القضايا الهامة ، وليست مقتصرة على مصر وحدها فقط ، ولكن على جميع الدول التي تعاني من تهديد أمنها المائي ، وهي قضية تسعير المياه وسنقوم بتوضحيها من خلال مقالين ، وسنتناول هذه القضية في المقال الأول من خلال الجوانب الآتية وهي :

  • تسعير المياه وفقًا لمفاهيم البنك الدولي .
  • طرق تسعير المياه.
  • نظريات تسعير المياه.
  • مستويات تسعير المياه.
  • دوافع البنك الدولي.
  • تسعير المياه وفقًا لمفهوم البنك الدولي :

اعتادت العديد من المجتمعات على توفير المياه لكافة مستخدميها للأغراض المختلفة دون مقابل ، سوى ما يطلق عليه رسوم الخدمة ، وبالتالي فإن أفراد المجتمع في هذه الحالة يكونون متساويين في الحصول على المياه ، إلا أنه مع تزايد استهلاك المياه وصعوبة الترشيد ، فقد لجأت بعض المجتمعات لتسعير المياه ، وهو الأمر الذي يجعل المستهلكين يفكرون جيدًا قبل طلب المياه ففي تونس والمغرب تمت زيادة أسعار المياه من أجل استخدامها من جانب المواطنين .

وتعني قضية تسعير المياه وفقًا لمفاهيم البنك الدولي أن الاعتماد على آليات السوق من شأنه يزيد من الكفاءة الاقتصادية ( قاعدة المالك الخاص أكثر كفاءة في الإدارة من المالك العام) ، كما أن الاعتماد على آليات السوق من شأنه استبعاد تأثير السياسيين وتفضيلاتهم وكذا البيروقراطيين ، وهناك متطلبات لتطبيق آليات السوق بشأن المياه ، وهي :

أ – تحديد وتعريف وتقنين الملكية والاستخدام لكميات معينة من المياه .

ب – خلق درجة كافية من القبول الاجتماعي لفكرة ” التداول التجاري للمياه “.

جـ – توفير هيكل إداري ملائم وكفء بحيث يرتكز على قواعد ونظم وإجراءات واضحة .

د – بنية أساسية كافية ونظم تخزين المياه الفائضة ، بالإضافة إلى نظم توزيع للمياه .

أما عن آليات السوق نفسها وأسلوب تطبيقها على الموارد المائية ، فإن البنك يركز على إدارة موارد المياه وتخطيطها كعنوان عام ، ويحدد الفكر المائي الجديد بأنه ذلك الذي يركز على جانب الطلب ؛ بديلاً عن الفكر السائد الذي يركزعلى جانب العرض ، وذلك بناءًا على تشخيص مظاهر الضعف القائمة في إدارة المياه في الآتي :

  • تشتت إدارة المياه بين العديد من الجهات والإدارات داخل كل بلد .
  • اضطلاع الحكومة بالإدارة المائية يؤدي إلى انخفاض الكفاءة ، حيث أن معايير الإدارة الحكومية سياسية واجتماعية ، ويتم التغاضي عن المعايير الاقتصادية .
  • أن المياه يتم تسعيرها بأقل من تكلفتها الحقيقية ( قيمة المسترد من تكلفة المياه 35 % وذلك على مستوى العالم ) ، وخصوصًا في مجال الري مما يترتب عليه استخدام الفلاحين للمياه في ري محاصيل ذات احتياج مائي كبير دون وضع اعتبار كاف لتكلفة المياه .

ويرتكز تسعير المياه وفقًا لمفهوم البنك الدولي على مبدأين :

الأول : مبدأ المستهلك يدفع القيمة الحقيقية لاستهلاكه .

الثاني : مبدأ الملوث يدفع الثمن لإزالة التلوث والأضرار الناجمة عنه ، والسعر الذي يتم تحديده لابد أن يتضمن بالإضافة إلى التكلفة الفعلية ، تكلفة الفرصة البديلة ، التي ربما حال دون تحقيقها عوائق سياسية .

  • طرق تسعير المياه :

     تشير بعض الدراسات إلى عدة طرق لتسعير المياه ، ومنها :

الطريقة الأولى : تحديد تكاليف نقل المياه إلى المستهلك سواء لاستخدامها في الأغراض الزراعية أو إرسالها للشركات الصناعية أوالمستهلكين المحليين ، وهناك حالات يسهل فيها حساب قيمة المياه التي يتم نقلها فعلى سبيل المثال تقدر قيمة المياه التي يتم نقلها من مشروع ” النهر الصناعي العظيم ” في ليبيا لاستخدامها في أغراض أخرى بحوالي دولار أمريكي واحد لكل متر مكعب من المياه ، وبالنسبة لبعض الدول الأوروبية يصل سعر المتر المكعب من المياه إلى حوالي 2 دولار أمريكي ، وتسعى تلك الدول إلى تثبيت هذا السعر .

الطريقة الثانية : تحسب تكلفة الوصول إلى الموارد المائية المتاحة ، وهو أمر بالغ الصعوبة ، ولا يمكن تطبيقه على منطقة كالمنطقة العربية ، ففي حين تشهد بعض الدول أمطارًا غزيرة ، تعاني الأخرى من الجفاف فضلًا عن أن بعض الدول لا تتمكن من استخدام وسائل متطورة لاستغلال مواردها المائية بشكل أمثل ، وبالتالي فإن تقدير قيمة المياه سوف يختلف من قطاع لآخر.

الطريقة الثالثة : هي معرفة تكاليف السلع الغذائية المستوردة ، فعلى سبيل المثال تقوم مصر بإستيراد الحبوب بتكلفة تقدر بأكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويًا ، وتتطلب زراعة مثل تلك الكمية من الحبوب في مصر 30 مليار متر مكعب من المياه سنويًا ، وبافتراض التكلفة الحقيقية للمياه ، تقدر بحوالي ثلث تكلفة هذا المنتج المستورد ، إذا ما تم إنتاجه داخل مصر ستقدر حجم المياه المستوردة بأقل من 10 سنتات لكل متر مكعب ، وهذا السعر قد يكون هو السعر الحقيقي للمياه لبلد يعاني من الجفاف ، ويواجه قيودًا صارمة على استخدام المياه .

  • نظريات تسعير المياه :

لتسعير المياه عدة نظريات ، وهي :

الأولى : وهي تسعير النفقة الحدية ، بمعنى أن تسعر المياه وفقًا للنفقة الحدية التي هى أقل من التكلفة الحقيقية ، وهذا يعني تدخل الدولة لدعم سعر المياه الذي يدفعه المستهلك.

الثانية : تسعير النفقة المتوسطة ، بمعنى أن يدفع من يتمتع ويستخدم المياه تكلفتها كاملة ، ويدخل ضمنها تسعير المياه وقت الذروة “Peak Load Pricing ” أى أن سعر المياه يتفاوت من وقت لآخر ، خاصة في أوقات الذروة والمواسم الزراعية مثلًا.

الثالثة : تسعير الكارتل ، ويعني أن تتفق الدول التي بها منابع المياه على أسعار معينة للمياه تتيحها للدول التي في حاجة إليها مثل كارتل الأوبك (O.P.E.C ) بعد عام 1974, وهنا ينظر للمياه كسلعة استراتيجية ، مثلها مثل البترول.

الرابعة : تسعير شرائح متعددة وفقًا لنوع الاستخدام ، مثل الزراعة والصناعة والاستخدام المنزلي والاستخدامات الأخرى.

  • لتسعير المياه مستويان :

أولهما : على المستوى الداخلي .. حيث يلاحظ أن السياسات السعرية الحالية في دول الشرق الأوسط غير مواتية ، إذ أنها تتسم بالانخفاض الكبير لسعر المياه ، خاصة بالنسبة للقطاع الزراعي ذي القيمة المنخفضة نسبيًا ، بشأن الإسهام في الناتج المحلي الإجمالي- مما يفتح الباب لاستهلاك كميات كبيرة من المياه والإسراف في استخدامها ، ويُقترح في هذا الصدد تعديل أسعار المياه بما يراعي استرداد التكلفة الخاصة بالمعالجة والصيانة ، بالإضافة إلى جزء من تكلفة الاستثمار، ويقدر هؤلاء أنه بالنسبة لمصر مثلاً تسعير المتر المكعب من المياه بثلاث سنتات أمريكية سيمكن الحكومة من تمويل خططها المائية و التقليل من فاقد استهلاك المياه بشكل ملحوظ .

ثانيهما : فينصرف إلى التسعير على الصعيد الدولي ، ويتضمن اقتراح التسعير إنشاء بورصة للمياه الدولية ، متمثلة في إيجاد صندوق مشترك لكل الدول المتشاطئة في مياه نهر دولي ، بحيث يفتح فيه حساب لتسجيل ثمن المياه لدى هذه الدول ، على أساس أن قيمة المتر المكعب تعادل أرخص قيمة مياه بديلة (على سبيل المثال قيمة المتر المكعب من مياه البحر المحلاه ) ، وتدفع كل دولة قيمة الماء الذي تستهلكه أوتطالب بالحصول عليه ، وتحسب هذه القيمة من حصة الدولة في الصندوق المشترك ، فإما أن يكون الحساب سالبًا فتدفع الدولة الفرق أوموجبًا فتحصل عليه ، ولتسهيل عملية البيع والشراء لاتطبق هذه العملية على المياه الدولية المشتركة كافة ، بل على الحصص المختلف عليها فقط .

ويلاحظ أن تلك الأفكار حديثة على المجتمع الدولي بوجه عام ، والدول النامية خاصة حيث تفتقر هذه الدول إلى كيفية إيجاد مؤسسات تختص بتسعير مياه الرى ، وهو الأمر الذي يعزز الحاجة إلى دراسة شاملة ، تتضمن الآتي :

  • توضيح معنى التسعيرعلى وجه الدقة .
  • تعريف كيفية حساب تنفيذ الأسعار.
  • تحديد مفهوم المعايير العادلة التي تستند إليها فكرة التسعير .
  • وضع قواعد عامة بشأن التسعير ، تراعي الظروف المختلفة من بلد لآخر ؛ نظرًا لاختلاف إمكانية الحصول على موارد المياه .

وبعيدًا عن الحكم على تلك الأفكار بشأن تداعياتها السلبية أوالإيجابية ، فإن المؤسسات الدولية كان لها أهداف بشأن إثارتها .

5- دوافع البنك الدولي بشأن اطلاق مفهوم التسعير :

هناك مؤشرات عديدة تؤكد أن البنك الدولي لا يمكن اعتباره بمنزلة طرف وسيط بشأن قضايا المياه ، حيث إنه ينحاز لطرف على حساب آخر ، وخصوصًا في ظل شغل الإسرائيليين فيه لمناصب مهمة مثل ” نائب مدير البنك ” مينحال بروند ، ورئيس قسم السياسات الزراعية في إدارة الزراعة والموارد الطبيعية ، ” جريشون فيدير ” الذي يعد من كبار مروجي النهج الجديد ” إدارة الطلب “.

وبالتالي فإنه على الرغم من أن البنك الدولي هو مؤسسة مالية تهدف إلى مساعدة الدول المختلفة في مشروعات التنمية ، وتقديم المعونات لتطوير المشروعات الاقتصادية الكبرى في هذه الدول ، فإنه يخضع منذ نشأته للسيطرة والهيمنة الدولية من قبل الدول الكبرى ، والمثال الواضح على ذلك موقف البنك الدولي من تمويل مشروع بناء السد العالي في مصر ( 1953- 1956) ، وتطور مواقف هذا البنك باختلاف مواقف الدول الكبرى ( الولايات المتحدة – بريطانيا) من تمويل هذا المشروع ، وسحب عرضه بالموافقة على تمويل المشروع ، بعد سحب الولايات المتحدة عرضها في 19 / 7 / 1956 .

وبالتالي فإن البنك الدولي بمفاهيمه وبدائله التي يعرضها ( أسواق المياه ، الإدارة المائية ، تسعير المياه) ، لا يمكن أن يعد طرفًا محايدًا في أزمة المياه ، حيث يتبنى وجهات نظر بعض الأطراف ( إسرائيل و تركيا ) ، ويهمل الأطراف الأخرى ( الدول العربية ) لأن تسعيرالمياه وتحويلها إلى سلعة اقتصادية ، من شأنه أن يهدد الحقوق المكتسبة عبر التاريخ ، حيث ستطالب دول المنابع بحقوقها المالية كثمن لكل متر مياه يذهب للدول الأخرى .

     وفي الختام فمن وجهة نظري كباحث ومتخصص في هذا الشأن أنه مما سبق يتضح أن المنظمات الدولية لا تقترح تسعير المياه فقط ؛ لتجعل منها مجرد قيمة اقتصادية يلزم الحفاظ عليها وزيادة كفاءة تشغيلها وحسن إدارة مواردها وتدبير النفقات اللازمة لصيانتها ، ولكن أيضًا حتى تصبح سلعة قابلة للتداول محليًا ودوليًا ، فيتاح لدول أخرى أن تحصل عليها بالمخالفة لأحكام القانون الدولي التي استقرت لمدة طويلة من الزمن ، والتي تجعل مياه الأنهار شركة بين دول حوض النهر ، لا يجوز لهم التصرف فيها لغيرهم .

وبالنظر إلى قواعد القانون الدولي والمعاهدات التي عقدت بشأن المياه ، نجد أنه لايوجد سند لفكرة تسعير المياه ، حيث تخلو المعاهدات الدولية من أي إشارة إلى مبلغ من المال يدفع مقابل استهلاك المياه التي تجري من أراضي دولة إلى أخرى ، كما أن فكرة بورصة المياه تتجاهل وجود قانون دولي للمياه .

ولذلك ” إذا ظنت بعض الدول أنها حرة في أن تعقد المعاهدات اللامتكافئة التي تستغل فيها دولة المجرى الأعلى وضعها الجغرافي على جارتها ، فضلًا عن أن اتفاقًا يقضي بتسعير المياه الدولية وبيعها يخالف مبادئ ثابتة في القانون المائي الدولي ، كمبدأ الاستخدام المنصف و المعقول للمياه – وهو المبدأ الذي يعتبر المياه مجانية لكل الدول المتشاطئة في استخدام مياه النهر الدولي ، ومبدأ حسن الجوار ، ومبدأ عدم الإضرار بالغير ، وهذه المبادئ هي من القواعد القانونية العرفية الآمرة التي لا يمكن مخالفتها في أي معاهدة وتكون هذه المعاهدة لاغية ؛ وفقًا لأحكام المادة “53” من اتفاقية فيينا لعام 1969 حول قانون المعاهدات .

عن الكاتب
د. إسلام جمال شوقى
كاتب وباحث إقتصادي مستشار بالتحكيم التجاري الدولي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق